محمد بن حسن بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن الحسني
محمد بن حسن بن علي بن قتادة بن إدريس بن مطاعن الحسني
الشريف أبو نمى، ويقال: أبو مهدي بن أبي سعد، صاحب مكة وابن صاحبها، يلقب نجم الدين:
ولى إمرة مكة نحو خمسين سنة، إلا أوقاتا يسيرة زالت ولايته عنها فيها - يأتي ذكرها.
وذكر صاحب «بهجة الزمن» في مدة ولايته لمكة، ما ذكرناه في مدة ولايته لها، بزيادة في ذلك لأنه قال: واستمرت إمرته على مكة ونواحيها ما ينيف على خمسين سنة. انتهى.
وما ذكره من أن ولاية أبي نمى على مكة ونواحيها ينيف على خمسين سنة، فيه نظر؛ لأنه لم يل إلا بعد أبيه، وبين وفاتيهما تسع وأربعون سنة وأشهر.
وغايتها خمسين على الخلاف في تاريخ شهر موت والده أبي سعد، إلا أن يكون أبو نمى ولى إمرة مكة نيابة عن أبيه، ويضاف ذلك إلى ولايته بعده، فلا إشكال. والله أعلم.
واستقل أبو نمى بإمرة مكة في أكثر المدة المشار إليها، وشارك عنه إدريس بن قتادة في بعضها.
وولايته المشتركة سبع عشرة سنة أو نحوها، وولايته المستقلة إحدى وثلاثون سنة أو نحوها.
وقال الذهبي في ذيل سير النبلاء له في ترجمة أبي نمى - هذا ـ: وكانت ولايته نحوا من أربعين سنة بعد عمه - الذي قتله - انتهى.
وفيما ذكره الذهبي نظر؛ لأن عمه المشار إليه هو إدريس بن قتادة، وكانت وفاته في سنة تسع وستين وستمائة، على ما وجدت بخط الميورقي، وذكر ذلك غير واحد من المؤرخين.
ومقتضى ما ذكرناه من تاريخ وفاة إدريس بن قتادة: أن تكون ولاية أبي نمى بعده إحدى وثلاثين سنة وأشهرا، إلا أن أبا نمى لم يعش بعد عمه إدريس إلا المدة التي أشرنا إليها كما سيأتي في تاريخ وفاة أبي نمى.
وقد وجدت ما يوهم الاختلاف في ابتداء ولايته؛ لأن ابن محفوظ ذكر - فيما وجدت بخطه - أن في شوال سنة اثنتين وخمسين، جاء الشريفان أبو نمى وإدريس، وأخذا مكة من غانم بن راجح بن قتادة بالقتال، ولم يقتل بينهم إلا ثلاثة أنفس، منهم عالى شيخ المبارك.
وأقاما بها إلى الخامس والعشرين من ذي القعدة، فجاء ابن برطاس المبارز بن علي من اليمن، فأخذها منهم، وتقاتلوا بالسرجة من قوز المكاسة. وكان معهما جماز بن شيحة صاحب المدينة.
وحج بالناس تلك السنة ابن برطاس، ولم يزل مقيما بمكة إلى آخر السنة. انتهى.
ووجدت بخط الميورقي: وولى أبو نمى بعد قتل أبيه أبي سعد في المحرم سنة ثلاث وخمسين وستمائة. انتهى.
وهذا وإن أوهم الخلاف في تاريخ ابتداء ولاية أبي نمى بمكة، فليس خلافا في الحقيقة، لإمكان الجمع بين ما ذكره ابن محفوظ في ابتداء ولايته، وبين ما ذكره الميورقي في ابتدائها.
وذلك: أن يحمل كلام الميورقي على أنه أراد ولاية أبي نمى بمكة بعد خروج ابن برطاس منها.
ويحمل ما ذكره ابن محفوظ علي: ولاية أبي نمى التي بعد غانم بن راجح.
ويؤيد ذلك: أن الميورقي، وابن محفوظ، ذكر كل منهما ما يقتضي: أن أبا نمى ولى مكة بعد ابن برطاس في سنة ثلاث وخمسين وستمائة؛ لأن الميورقي قال: ثم استحكم أبو نمى وعمه إدريس على مكة، فأخرج الشرفا الغز بسفك دماء خيل ابن برطاس الوالى لها من جهة اليمن، وامتلأ الناس رعبا، وسفكت الدماء بالحجر يوم السبت لأربع ليال بقين من المحرم سنة ثلاث وخمسين وستمائة. انتهى.
وذكر في موضع آخر نحو ذلك باختصار بالمعنى. انتهى.
وقال ابن محفوظ - فيما وجدت بخطه ـ: سنة ثلاث وخمسين وستمائة جاء أبو نمى وإدريس ومعهما جماز بن شيحة صاحب المدينة، فدخلوا مكة، وأخذوها من ابن برطاس بعد القتال. انتهى.
وذكر بعض العصريين حرب بين ابن برطاس، وأبي نمى، وإدريس الحرب الأول والحرب الثاني. وذكر: أنه أسر في الثاني، ثم خلص لافتدائه نفسه.
وسنوضح ذلك أكثر من هذا في ترجمته.
وجرى بين أبي نمى وعمه إدريس بسبب مكة أمور، منها: أن أبا نمى في سنة أربع وخمسين وستمائة: أخذ مكة من عمه إدريس، وكان شريكه فيها، لما راح إدريس إلى أخيه راجح بن قتادة، ثم جاء إدريس مع راجح بن قتادة، وأصلح راجح بين إدريس وأبي نمى.
ومنها: أن أبا نمى - في سنة سبع وستين ـ: أخرج عمه إدريس من مكة، وانفرد بالإمرة، وخطب لصاحب مصر الملك الظاهر بيبرس الصالحي البندقدارى.
وكتب إليه أبو نمى - يذكر له ـ: أنه لما شاهد من عمه إدريس ميلا إلى صاحب اليمن، وتحاملا على دولته، أخرجه من مكة، وانفرد بالإمرة، وخطب له، وسأل مرسومه إلى أمراء المدينة: ألا يتخذوا عمه عليه.
فاشترط عليه صاحب مصر: تسبيل بيت الله للعاكف والباد، وأن لا يؤخذ عنه حق، ولا يمنع زائر في ليل أو نهار، وأن لا يتعرض إلى تاجر ولا حاج بظلم، وأن تكون الخطبة والسكة له، ولأبي نمى على ذلك عشرون ألف درهم في كل سنة.
فلما ورد جواب أبي نمى إلى صاحب مصر بالتزام ذلك، كتب له تقليدا بالإمرة بمفرده.
ومنها: أن إدريس بن قتادة بعد إخراج أبي نمى له من مكة: حشد وجمع، وتوجه إلى مكة المشرفة، ثم اصطلح مع أبي نمى، واتفقا على طاعة صاحب مصر. وكتب إليه إدريس يعرفه بذلك، فسلمت الأوقاف لنوابهما.
ذكر هاتين الحادثتين ابن عبد الظاهر كاتب الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر في السيرة التي جمعها للملك الظاهر.
ومنها: أنه في سنة تسع وستين وستمائة: وقع بين أبي نمى وعمه خلف، فاستظهر إدريس على أبي نمى، وخرج أبو نمى هاربا من بين يدي عمه، ووصل ينبع، واستنجد بصاحبها، وجمع، وحشد، وقصد مكة.
فالتقى هو وعمه إدريس وتحاربا، فطعن أبو نمى إدريس ألقاه عن جواده، ونزل إليه، وحز رأسه، واستبد بالإمرة.
ذكر هذه الحادثة بمعنى ما ذكرناه القطب اليونينى في ذيل المرآة.
وذكر: أن في آخر جمادى الأولى من السنة المذكورة: وصل النجابون إلى مصر من عند أبي نمى، وأخبروا بذلك.
ووجدت بخط الميورقي: ما يشهد لبعض هذه القضية بزيادة فائدة؛ لأنه ذكر: أن في ربيع الأول سنة تسع وستين قتل ولد لأبي نمى وطرد أبوه، وبعد قتله بأربعين يوما قتل أبوه عمه إدريس. وجرى بين أبي نمى، وجماز بن شيحة صاحب المدينة أمور تتعلق بولاية مكة.
منها - على ما وجدت بخط الميورقي - أن عيسى بن الشيخ جرير، قال: أخرج الأمير جماز بن شيخة الحسني أبا نمى من مكة - شرفها الله تعالى - في آخر صفر سنة سبعين وستمائة.
وجاءت مواليه سنة سبعين وستمائة، وأبو نمى مطرود، وأكمل لقتل ولده سنة، ثم رجع أبو نمى إلى مكة في ربيع وهزم جماز بن شيحة الحسني، ثم جاء الحسيني لإخراج أبي نمى في شعبان سنة ثلاث وسبعين.
فأعطاه أبو نمى ورجع، وخلى بينه وبين قتلة أبيه أبي سعد. انتهى.
ووجدت بخط ابن محفوظ: ما يشهد للقضية التي كانت بين أبي نمى، وجماز بن شيحة في سنة سبعين بزيادة فائدة؛ لأنه ذكر: أن في سنة سبعين وستمائة، وصل جماز - يعنى صاحب المدينة - وغانم بن إدريس، وأخذ مكة، وبعد أربعين يوما أخذها منهم أبو نمى. انتهى.
وفى هذا فائدة لا تفهم من كلام الميورقي، وهي: أن مدة إخراج أبي نمى من مكة أربعين يوما.
وفيه فائدة أخرى، وهي: أن غانم بن إدريس كان مع جماز في هذه القضية، وغانم ابن إدريس، هو: غانم بن حسن بن قتادة.
ويدل لذلك: ما وقع في الخبر الذي ذكره الميورقي من: أن جماز بن شيحة خلى بن أبي نمى وقتلة ابنه. انتهى.
وقتلة ابنه هم: أولاد حسن بن قتادة، ومنهم إدريس بن حسن، والد غانم بن إدريس المحارب لأبي نمى.
ومنها: - على ما وجدت بخط المؤرخ شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري الدمشقي ـ: أن في التاسع عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وسبعين كانت وقعة بين أبي نمى صاحب مكة، وبين جماز بن شيخة صاحب المدينة، وبين صاحب ينبع إدريس ابن حسن بن قتادة، فظهر عليهما أبو نمى، وأسر إدريس، وهرب جماز.
وكانت الوقعة في مر الظهران، وكانت عدة من مع أبي نمى مائتى فارس ومائة وثمانين راجلا، ومع إدريس وجماز مائتين وخمسة عشر فارسا، وستمائة راجل. انتهى.
ومنها: - على ما وجدت بخط ابن محفوظ ـ: أن في سنة سبع وثمانين، جاء جماز ابن شيحة وأخذ مكة، وأقام بها إلى آخر السنة، وأخذها منه نواب أبي نمى. وقد اختصر ابن محفوظ هذه الواقعة.
وقد وجدتها أبسط من هذا في وريقة وقعت لي - لا أعرف كاتبها - فيها: أن جماز بن شيحة أمير المدينة تزوج خزيمة بنت أبي نمى، وبنى بها في ليلة السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين وستمائة، ثم حاربه جماز - المذكور - بعد ذلك، وطلب من السلطان الملك المنصور عسكرا، فسير عسكرا تقدمه أمير، يقال له: الجكاجكى. فتوجهوا إلى مكة وأخذوها، وأخرجوا أبا نمى منها.
وخطب لجماز، وضربت السكة باسمه. وذلك في سنة سبع وثمانين، وبقيت في يده مدة يسيرة.
ثم إن امرأة يقال لها: أم هجرس، من صبايا خزيمة، سقت الأمير جماز سما، فاضطرب له جسمه، وحصل من الجكاجكى مراسلة إلى أبي نمى في الباطن، فعرف جماز أنه مغلوب، فرحل عن مكة.
ووصل إلى المدينة، وهو عليل من السم، فلم يزالوا يعالجونه حتى برئ. وأرسل الأمير جماز بالجكاجكى مقيدا إلى السلطان، فحبسه، ولم يزل في يد أبي نمى إلى أن توفى.
قلت: الملك المنصور - المشار إليه - هو: قلاوون الصالحي. ولعل سبب إنجاده لجماز على أبي نمي: عدم وفاء أبي نمى باليمين التي حلفها للمنصور قلاوون.
ويبعد جدا أن يعين أحدا على أبي نمى مع وفاء أبي نمى باليمين المذكورة؛ لأن الملوك تقنع من نوابهم بالطاعة، وإظهار الحرمة، سيما نواب الحجاز.
وهذه نسختها على ما وجدت في تاريخ شيخنا ناصر الدين بن الفرات العدل الحنفي، وهي: أخلصت يقيني، وأصفيت طويتى، وساويت بين باطنى وظاهري فى
طاعة مولانا السلطان الملك المنصور وولده السلطان الملك الصالح، وطاعة أولادهما ووارثى ملكهما، لا أضمر لهم سوءا ولا غدرا في نفس، ولا مال، ولا سلطنة.
وأنى عدو لمن عاداهم، صديق لمن صادقهم، حرب لمن حاربهم، سلم لمن سالمهم.
وأنني لا يخرجنى عن طاعتهم طاعة أحد غيرهما، ولا ألتفت في ذلك إلى جهة غير جهتهما، ولا أفعل أمرا مخالفا لما استقر من هذا الأمر، ولا أشرك في تحكيمهما على ولا على مكة المشرفة، وحرمها، وموقف حلها زيدا ولا عمرا.
وأنني ألتزم ما اشترطته لمولانا السلطان، وولده في أمر الكسوة الشريفة المنصورية الواصلة من مصر المحروسة، وتعليقها على الكعبة المشرفة في كل موسم وأن لا يتقدم علمه علم غيره.
وأنني أسبل زيارة البيت الحرام أيام موسم الحج وغيرها للزائرين، والطائفين، والبادين، والعاكفين اللائذين بحرمه، والحاجين الواقفين.
وأنني أجتهد في حراسثهم من كل عاد بفعله، وقوله {ويتخطف الناس من حوله}.
وأنني أو منهم في شربهم، وأعذب لهم مناهل شربهم.
وأنني - والله - أستمر بتفرد الخطبة والسكة بالاسم الشريف المنصوري، وأفعل في الخدمة فعل المخلص الولى.
وأنني - والله - أمتثل مراسيمه امتثال النائب للمستنيب، وأكون لداعى أمره أول سامع مجيب.
وأنني ألتزم بشروط هذه اليمين من أولها إلى آخرها، لا أنقضها. انتهى.
وكان حلف أبي نمى لهذه اليمين في سنة إحدى وثمانين وستمائة، على ما ذكره شيخنا العدل ناصر الدين بن الفرات.
وقد رأيت ما يدل على أن أبا نمى لم يف ببعض هذه اليمين؛ لأني وجدت بخط ابن محفوظ: أن في آخر يوم من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وستمائة، خطب للملك المظفر صاحب اليمن، وقطعت خطبة خليل بن المنصور بعد أن خطب له في أولها.
وهذا إنما يصدر عن أبي نمى، ولعل أبا نمى تأول أن الأشرف خليل بن المنصور
قلاوون لم يدخل في يمينه المنصور وابنه الصالح، لكون الأشرف لم يسم فيها فإن كان تأول ذلك، فهو تأويل غير مستقيم لدخوله في قوله في اليمين: وطاعة أولادهما.
وأظن أن الحامل لأبي نمى على تقديم صاحب اليمن على صاحب مصر: كون صلته أعظم من صلة صاحب مصر؛ لأن العاقل لا يفعل أمرا يلحقه فيه ضرر إلا لنفع أكبر. وكانت صلة صاحب اليمن لأبي نمى عظيمة، على ما وجدت في مقدارها؛ لأن بعض الناس ذكرها، وذكر شيئا من حال صاحب اليمن بمكة، وحال أبي نمى معه. وذلك مما يحسن ذكره هنا. ونص ذلك:
وقد كان الملك المؤيد لما تسلطن: جهز تلك السنة علمه المنصور، ومحمل الحج السعيد، صحبة القائد ابن زاكى، فتلقاه الشريف أبو نمى صاحب مكة بالإجلال والإكرم، وخفقت ذوائب العلم المنصور على جبل التعريف بعرفة، وأعلن مؤذنه على قبة زمزم بمناقب السلطان على رءوس الأشهاد.
وسمع تلك الأوصاف من ضمه ذلك المقام الشريف، وحلف للسلطان الملك المؤيد الأيمان الغليظة، وكتب على قميصه، ما يقتضى ما جرت به العادة.
ووصل إلى الشريف - المذكور - ما اقتضته المواهب السلطانية مما كان قرره الخليفة: من العين، والغلة، والكساوى، والطيب من المسك، والعود، والصندل، والعنبر، والثياب الملونة، والخلع النفيسة.
وكان مبلغ العين: ثمانون ألف درهم، ومبلغ الغلة: أربعمائة مد. انتهى من كتاب «العقود اللؤلؤية في أخبار الدولة الرسولية» لبعض مؤرخى اليمن في عصرنا.
والذي يصل لصاحب مكة من صاحب اليمن: نحو ربع ذلك أو أقل، ومبلغ الطعام المذكور بكيل مكة: ألف غرارة ومائتا غرارة مكية. وذلك في عصرنا.
والخليفة - المشار إليه - هو الملك المظفر، والد الملك المؤيد.
ووجدت بخط ابن محفوظ أيضا: أن أمير الركب في سنة اثنتين وتسعين وستمائة: استحلف أبا نمى على الرواح إلى مصر، فأعطاه ألف دينار. فعزم في سنة ثلاث وتسعين، ثم رجع من ينبع لما بلغه موت الأشرف. انتهى.
ووقع من أبي نمى في حق الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر ما أوجب انحرافه منه غير مرة.
منها: أن أبا نمى وعمه إدريس: أخرجا نائبا كان للملك الظاهر، يقال له: مروان، نائب أمير جاندار في سنة ثمان وستين وستمائة. وكتب إليه الملك الظاهر غير مرة بالرضا عما ارتكبه أبو نمى مما لا ينبغي فعله.
منها: في سنة خمس وسبعين وستمائة؛ لأني وجدت بخط الميورقي: أهان الله ولاة مكة بكتاب من والى مصر يزجرهم فيه عن الجور في آخر سنة خمس وسبعين وستمائة.
قلت: ووالى مصر في هذا التاريخ هو الظاهر بيبرس، ووالى مكة في هذا التاريخ هو أبو نمى.
ووجدت في تاريخ شيخنا ابن خلدون: أنه كان بين أبي نمى، وبين الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر منافرة، فكتب إليه الظاهر كتابا منه: من بيبرس سلطان مصر إلى الشريف الحسيب النسيب أبي نمى محمد بن أبي سعد.
أما بعد: فإن الحسنة في نفسها حسنة، وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة، وهي من بيت النبوة أوحش.
وقد بلغنا عنك أيها السيد: أنك آويت المجرم، واستحللت دم المحرم، ومن يهن الله فما له من مكرم، فإن لم تقف عند حدك وإلا أغمدنا فيك سيف جدك، والسلام. فكتب إليه نمي:
من محمد بن أبي سعد إلى بيبرس سلطان مصر.
أما بعد: فإن المملوك معترف بذنبه تائب إلى ربه، فإن تأخذ، فيدك الأقوى، وإن تعفو، فهو أقرب للتقوى، والسلام. انتهى.
وبعض الناس يذكر في كتاب بيبرس إلى أبي نمى غير ما سبق. وذكر: أنه كتب إليه يقول له: إنه بلغنا عنك أيها السيد: أنك أبدلت حرم الله بعد الأمن بالخيفة، وفعلت ما يحمر الوجه، ويسود الصحيفة. انتهى.
ولعل ذلك كتب مع الألفاظ السابق ذكرها، فحفظ بعضهم الأول فقط، وحفظ بعضهم الثاني فقد، وظن ظان أنهما كتابان وهما واحد. والله أعلم.
ووقع في زمن أبي نمى فتن بعضها بينه وبين أمير الحاج، وبعضها بين الحجاج وأهل مكة ذكرناها في تأليفنا: «شفاء الغرام ومختصراته» ونشير هنا لشيء منها باختصار.
فمنها: أن أبا نمى صد الحاج عن دخول مكة، لوحشة بينه وبين أمير الحاج، فنقب الحجاج السور، وأحرقوا باب المعلاة، ودخلوا مكة هجما بعد فرار أبي نمى منها.
وذلك في موسم سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
ومنها: أن في سنة تسع وثمانين: حصل بين أهل مكة والحجاج فتنة في المسجد الحرام، قتل فيها من الفريقين فوق أربعين نفرا - فيما قيل - ونهبت الأموال.
ولو أراد أبو نمى نهب الجميع لفعل إلا أنه تثبت.
وقد أثنى على أبي نمى غير واحد من العلماء مع ذكرهم لشيء من أخباره.
منهم: الحافظ الذهبي؛ لأنه قال في «ذيل سير النبلاء» في ترجمة أبي نمي: شيخ ضخم، أسمر، عاقل، سايس، فارس، شجاع، محتشم، تملك مدة طويلة، وله عدة أولاد، وفيه مكارم وسؤدد.
وذكره لي أبو عبد الله الدباهى، فأثنى، وقال: لولا المذهب لصلح للخلافة، كان زيديا كأهل بيته، انتهى.
وقال القاضي: تاج الدين عبد الباقي اليماني في كتابه «بهجة الزمن في تاريخ اليمن» بعد أن ذكر وفاة أبي نمي: وكان أميرا، كبيرا، زعيما، ذا بخت، وحظ في الإمرة، يرغب إلى الأدب وسماعه، وله الإجازات السنية للشعراء الوافدين عليه بإطلاق الخيل الأصايد في مقابلة القصائد. انتهى.
وللأديب موفق الدين علي بن محمد الحندودى في أبي نمى - هذا - من قصيدة يمدحه بها، أولها:
أقاتلتى بغير دم ظلامه | أما قود لديك ولا غرامه |
بخلت على منك بدر ثغر | تقبله الأراكة والبشامه |
ولو أن الفريق أطاع أمرى | لما اختار الرحيل على الإقامة |
وكم بالطعن يوم مضاحكات | عدمنا من قلوب مستهامه |
وبين أكلة الحادين شمس | قرعت لبينها سنى ندامه |
لقد جربت هذا الدهر حتى | عرفت به السماح من الملامه |
يريد إقامتى فيهم قويم | وما لي بين أظهرهم إقامه |
خداع ثمامة بن أثال فيهم | معاينة وكذب أبي ثمامه |
وفى الحرم الشريف خضم جود | كأن البحر أنحله النظامه |
أما والحجر والحجرات منى | وبيت الله ثالثه قسامه |
لئن نزلت بسوح أبي نمى | لقد نزلت على كعب بن مامه |
بأبلج أين منه البدر نورا | وحسنا في الجمال وفي الوسامه |
وذو كرم وزنت الناس طرا | بخنصره فما وزنوا قلامه |
أبا المهدى كم لك من إياد | كشفت بها عن الصادى أوامه |
وكم لك من وقائع ذكرتنا | بوقعة خالد يوم اليمامه |
عمرت تهامة بالعدل حتى | تمنت نجد لو كانت تهامه |
حقيق أن يسال بك المصلى | ويدعو في الأذان وفي الإقامه |
وأن تعطى القضيب وأى حق | لغيرك في القضيب وفي الإمامه |
ونظم كثيرا، على ما نقله الصلاح الصفدى، عن أبي حيان.
ووقفت له في بعض المجاميع على قصيدة جيدة يمدحه بها، أولها:
خليلي هيا فانظر ذلك اليرقا | تبدى لنا يهفو على طرف البرقا |
فمن مبلغ عني بلادى وأهلها | ولم تأل لي عنهم غوادى النوى سحقا |
بأنى لم أنفك للخرق قاطعا | إلى أن وصلت السيد الملك الخرقا |
وأن صروف الدهر عني تماسكت | لأني قد استمسكت بالعروة الوثقا |
ندا لأبي المهدى هديت لنيله | وأحرزت ما قد جل منه وما دقا |
وطلقت أمرا لهم حين لقيته | وقابلت في ساحته وجهه الطلقا |
هو ابن أبي سعد الزكى ولاده | ولم يزك فرعا غير من قد زكا عرقا |
من القوم يستشفى بمسح أكفهم | لداء ومنها أو بها الغيث يستسقا |
لهم كرم سهل المنال وإنما لهم | شرف وعر المسالك والمرقا |
ومدحه قاضي مكة نجم الدين الطبري بقصيدتين. إحداهما نونية بليغة - على ما بلغني - ولم أقف عليها. والأخرى عينية. سيأتي ذكرها في ترجمة القاضي نجم الدين الطبري، أولها:
أمفرقا جمع الخزاين إذ عدا | كرما لمفترق المحامد يجمع |
وذكر اليافعي في تاريخه نقلا عن حميضة بن أبي نمى أنه قال: إن لأبيه خمس خصال: العز، والعلم، والكرم، والشجاعة، والشعر. انتهى.
ومن شعر أبي نمى على ما ذكر بيبرس الدوادار في تاريخه. وذكر: أنه كتب به إلى الملك المنصوري لما تسلطن بعد الملك العادل كتبغا المنصوري في سنة ست وتسعين وستمائة.
أما وتعادى المقريات الشوارب | بفرسانها في ضيق ضنك المقانب |
وبالجحفل الجرار أفرط جمعه | كأسراب كدرى في سوار قوارب |
وبالزرد الموصوف ضمت عصوبه | على كل ماضى العزم خيف المحارب |
وبالبيض والبيض الرقاق ألية | لبتر عداتى حلفه غير كاذب |
لقد نصر الإسلام بالملك الذي | ترعرع من شيم الملوك السناجب |
حسام الهدى والدين منصوره الذي | رقا في سماء المجد أعلى المراتب |
ملوك جهات الأرض يعفو لعزه | فمرهوبها من سيفه أي راهب |
تفرد بالملك العظيم فلم تزل | له خضعا صيد الملوك الأغالب |
مضى كتبغا خوف الحمام وقد أتت | إليه أسود الخيل من كل جانب |
وأحييته بالعفو منك وزدته | لباس أمان من عقاب العواقب |
وأحرزت ملك الأرض بالسيف عنوة | وعبدت من في شرقها والمغارب |
توليت هذا الأمر في خير طالع | لأسعد نجم في السعادة ثاقب |
وذكر: أنه مات عن هذا العدد، وعن أربع زوجات لم يسم أحدا من الأولاد. والذي عرفت اسمه من أولاد أبي نمي: حسان، وحمزة، وحميضة، وراجح، ورميثة، وزيد، وزيد آخر، وسيف، وشميلة الشاعر، وعبد الله، له ذرية بالعراق، وعبد الكريم، وعاطف، وعطاف، وعطيفة، ومقبل، ولبيدة، ومنصور، ومهدى، ونمى، وأبو دعيج، وأبو سعد، وأبو سويد، وأبو الغيث. وآخرهم وفاة: سيف. وهي تدل علي: أنهم ثلاثة وعشرون ذكرا.
وأظن: أن نمى ليس ولدا لأبي نمى، وإنما كنى به لمعنى آخر، فظن ظان: أنه كنى بذلك؛ لأن له ولدا يسمي: نميا. والله أعلم.
وما ذكرناه في عددهم يوهم خلاف ما ذكره النويري في عددهم، ويمكن التوفيق: بأن يكون الزائد على ما ذكره النويري: مات قبل أبي نمى والله أعلم.
أخبرني بمجموع ما ذكرته من أسماء أولاد أبي نمى غير واحد من أشياخنا وغيرهم. وليس كل منهم أخبرني بهذه الأسماء، وإنما كل منهم ذكر لي بعضها، فتحصل لي من مجموع ما قالوه هذه الأسماء.
وذكر النويري: أنه توفى في رابع صفر سنة إحدى وسبعمائة.
وذكر وفاته في هذا التاريخ قاضي مكة نجم الدين الطبري، بزيادة فوائد تتعلق بأبى نمى هذا. ولنذكر كلامه بنصه لذلك.
قال - في كتاب كتبه إلى بعض أهل اليمن بخطه، يخبر فيه بوفاة أبي نمى، وغير ذلك ـ:
أن أبا نمى حم في ليلة الأحد العشرين من المحرم، وكان معه خراج في مقاعده، وفي مواضع من بدنه، فلم يزل مريضا حتى مات في يوم الأحد رابع صفر وغسل بالحديد، وحمل في محمل. ودخل به إلى مكة من درب الثنية، وطيف به حول البيت، وخرج به من درب المعلاة، ودفن خارجا عن قبة أبيه وجده الأعلى، وهو قتادة.
وكان أميرا عظيما. وحصل بالوادى وبمكة من الحزن والبكاء والضجيج ما لم ير مثله. فسبحان الحى الذي لا يموت، لا إله إلا الله الحى القيوم. انتهى.
ورأيت في «ذيل سير النبلاء» للذهبي في ترجمة أبي نمي: أنه توفى في ذي الحجة سنة إحدى وسبعمائة. انتهى.
وهذا وهم من الذهبي إن لم يكن من الناسخ؛ لأن القاضي نجم الدين قاضي مكة قال: إنه توفى في يوم الأحد رابع صفر سنة إحدى وسبعمائة. وهو أقعد الناس بمعرفة ذلك، فيعتمد قوله فيه. كيف وما ذكره النويري في تاريخ وفاة أبي نمى يعضد قول نجم الدين الطبري.
وذكر الذهبي: أنه كان في أثناء السبعين. انتهى.
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 1