محمد بن أحمد بن هبة الله محمد بن الخزرجي القاضي زين الدين، الشهير بابن الأنصاري:
ولى القضاء بدمنهور وغيرها من الوجه البحرى مدة. وتردد إلى مكة مرات وجاور بها وتعبد بها.
توفى يوم الثلاثاء ثالث عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. ودفن بالمعلاة.
وكان ذا ثروة بمكة ونعمة ظاهرة. وكانت له مكارم وصدقة وافرة، وإحسان جزيل إلى الرؤساء. وله في ذلك أخبار:
منها: أنه أهدى لقاضي القضاة برهان الدين بن جماعة بالقدس خرجا مملوءا قماشا حسنا. ونال بذلك خيرا ومكانة من ابن جماعة لما ولى قضاء الديار المصرية.
ومنها: أنه أهدى للقاضي أبي البقاء السبكي - لما عزم على التوجه إلى دمشق قاضيا بها بعد صرفه عن قضاء مصر بابن جماعة - خمسمائة مثقال ذهبا، بعد أن أتى مودعا له من بلده دمنهور.
ومنها: أنه لما مات شرف الدين المناوى والد شيخنا القاضي صدر الدين، أتى لأخيه القاضي تاج الدين المناوى، وهو إذ ذاك عبارة عن قاضي القضاة عز الدين بن جماعة لتفويضه الأمور إليه، وقال ابن الأنصاري لتاج الدين المناوي: عندي للقاضي شرف الدين المناوى عشرة آلاف درهم، فقال لتاج الدين المناوي: بمسطور؟ فقال: مثلى لا يكتب عليه مسطور، فهل ترسمون آتيكم بها أو أتسبب فيها، كما كنت أو لا؟ فقال: لا تسببوا فيها. فعجب من ذلك تاج الدين، ولم يكن عند ابن الأنصاري لشرف الدين المناوى شيء البتة. وإنما قصد التقرب إلى أخيه القاضي تاج الدين؛ ولذلك صار مكينا عنده.
وله في الإحسان إلى القاضي محب الدين ناصر الجيش، والشيخ بهاء الدين السبكي وغيرهم من الأعيان أخبار كثيرة.
وكان مع ذلك: لا يقبل ممن يهدى إليه شيئا ولو كان مأكولا. وله فيما بلغني إحسان كثير لقصد وجه الله لناس كثير من الفقراء وغيرهم.
وأخبرني بعض أصحابنا أنه رآه بمكة في النوم بعد وفاته، وقال له: ما فعل الله بك يا سيدى؟ فقال له ابن الأنصاري: والله مشى الحال على خير بكرمى. والمخبر لي بهذه الحكاية من خواص ابن الأنصاري العارفين بخفايا أمره.
وأخبرني عن ابن الأنصاري بما ذكرته من خبره مع المناوى وأبي البقاء وابن جماعة وغير ذلك.
ومما حكاه لي من سعادة ابن الأنصاري: أنه أسلم في شيء يقال له: التيلة مائة درهم في الأردب، وأنه باع ذلك بعد مدة بألف درهم ومائة درهم الأردب. وأنهم وجدوا له بعد موته في مخزن له بالفارقانية: خمسة آلاف مثقال ذهب، وخمسة وستين ألف درهم فضة.
وأنه لما توجه من القاهرة لقصد الحج والمجاورة، استدان من مال الأيتام بالقاهرة عشرة آلاف درهم باثني عشر ألف درهم إلى سنة برهن وثيق. وقصد بذلك خفاء أمره في الغناء، وإظهار احتياجه، وذلك مما يقصده العقلاء.
وله في مثل ذلك أخبار أخر. وله معرفة بالوراقة والمكاتيب الحكمية وحفظ الحاوى. ومن خطه نقلت نسبه هذا.