محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي

محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي

التراجم

بن عبد الرحمن بن سعيد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علي بن حمود بن ميمون بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن إدريس بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب
يكنى أبا عبد الله، وأبا الطيب - وبها اشتهر أخيرا - ويلقب تقي الدين الحسيني، الفاسي، المكي، المالكي، قاضي المالكية بمكة، مؤلف هذا الكتاب:
ولد في ليلة الجمعة العشرين من ربيع الأول سنة خمس وسبعين وسبعمائة بمكة. ونقل مع والدته وأخيه نجم الدين بن عبد اللطيف - الآتي ذكره - إلى المدينة النبوية؛ لأن خالهما قاضي الحرمين محب الدين النويري كان بها - إذا ذاك - قاضيا في سنة تسع وسبعين أو في سنة ثمانين.
وسمع بها المذكور الحديث على أم الحسن فاطمة بنت الشيخ شهاب الدين الحرازي في سنة ثلاث وثمانين. ومن مسموعه عليها: الثقفيات العشرة.
ودرس القرآن العظيم، حتى جود حفظه. ثم قرأ في سنة سبع وثمانين: الأربعين للنووي، وباب الإشارات معها، ثم كتاب الرسالة لابن أبي زيد المالكي، وأكمل حفظه في سنة ثمان وثمانين وعرضهما بالمدينة النبوية.
وفي شوال من سنة ثمان وثمانين، انتقل المذكور وأخوه ووالدتهما من المدينة إلى مكة، بعد وصول خالهما إليها قاضيا بها وخطيبا.
وقرأ المذكور بها عمدة الأحكام، حتى حفظها وعرضها في سنة تسع وثمانين. وفيها صلى بالناس التراويح بمقام الحنابلة بالمسجد الحرام.
وفيها ابتدأ يدرس مختصر ابن الحاجب الفرعي، وأكمل حفظه في سنة اثنين وتسعين وسبعمائة.
وفيها عرضه، وحبب إليه فيها سماع الحديث النبوي، فسمع بها على المسند أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن صديق الدمشقي، المعروف بابن الرسام: المنتخب من مسند عبد بن حميد، ثم صحيح البخاري، ومسند الدارمي.
وعلى القاضي نور الدين علي بن أحمد النويري: الموطا لمالك، رواية يحيى بن يحيى، والشفا للقاضي عياض، وغير ذلك.
وسمع في سنة ثلاث وتسعين، على الشيخ القدوة شهاب الدين بن الناصح القرافي المصري، لما جاور بمكة: صحيح مسلم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود وغير ذلك على غيره.
وفيها أكمل حفظ الألفية في النحو لابن مالك، وعرضها ودرس حفظا جانبا كبيرا من مختصر ابن الحاجب الأصلي.
وفيها قرأ بحثا: الورقات في أصول الفقه، لإمام الحرمين، على فتح الدين صدقة الترمنتي المصري.
وفيها أو في التي قبلها: قرأ في الرسالة تفقها على ابن عم أبيه الشريف عبد الرحمن ابن أبي الخير الفاسي. وحضر دروسه في ابن الحاجب الفرعي، وابن الجلاب وغير ذلك.
وسمع في سنة أربع وتسعين: على ابن صديق عدة أجزاء وغير ذلك.
وفى سنة خمس وتسعين: قرأ في التنقيح للقرافي بحثا على الشيخ شمس الدين القليوبي، وحضر دروسه في العربية، وغير ذلك بمكة.
وفيها: قرأ على ابن صديق سنن ابن ماجة.
وفى سنة ست وتسعين: سمع على المحدث شمس الدين بن سكر أجزاء كثيرة، وسمع عليه قبل ذلك.
وفيها: قرأ سنن النسائي على ابن صديق.
وفيها: خرج جزءا حديثيا لشمس الدين بن الحبشي، ثم خرج جزءا آخر لابن سكر في سنة سبع وتسعين، وخرج قبل ذلك لغيرهما.
وفى سنة ست وتسعين: سمع بالمدينة على قاضيها برهان الدين إبراهيم بن فرحون: تاريخ المدينة للمطري، بسماعه منه، وعلى عبد القادر الحجار المدني عدة أجزاء.
وفيها: سمع وقرأ أكثر مختصر الشيخ خليل الجندي في الفقه على مذهب مالك رحمه الله، على تلميذه القاضي زين الدين خلف بن أبي بكر التحريري المالكي بحثا.
وسمع عليه دروسا في مختصر ابن الحاجب الفرعي، ومنهاج البيضاوي بالحرم النبوي في مدة أشهر.
وفى سنة سبع وتسعين: قرأ على مفتي الحرم وقاضيه جمال الدين أبي حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة، القرشي، الشافعي، أحاديث مشيخة ابن البخاري عن ابن أميلة، وابن أبي عمر عنه، ومعجم ابن جميع عن ابن أميلة والإسكندري وغير ذلك من الأجزاء العوالي وغيرها، وتبصر بها في متعلقات الحديث.
وفيها رحل وأخوه عبد اللطيف بعد الحج إلى الديار المصرية، وقرأ بها، وأخوه يسمع شيئا كثيرا علي: البرهان إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد البعلي، المعروف بالشامي، والزين عبد الرحمن بن أحمد العربي المعروف: بابن الشيخة، وأم عيسى مريم بنت أحمد ابن القاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم الأذرعي، وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، والإمام سراج الدين عمر بن أبي الحسن الأنصاري، المعروف بابن النحوي، وابن الملقن، والحافظين: زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، ونور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، وأبي المعالى عبد الله بن عمر الحلاوى، وأحمد بن حسن، المعروف بالسويداوي، وخلق.
وقرأ على العراقي شرحه لألفيته في الحديث، المسماة بالتبصرة، حتى أكمل قراءته بحثا وفهما في سابع عشر جمادى الآخرة من سنة ثمانمائة.
وأذن له الحافظ زين الدين العراقي في أن يدرس ويفيد في علم الحديث، وكتب له بذلك خطه.
وفى شعبان سنة ثمان وتسعين، رحل من القاهرة إلى دمشق لسماع الحديث.
وفى العشر الأخير من المحرم منها: كان قدومه إلى القاهرة من مكة.
وقدم دمشق في آخر شعبان، وقرأ بها وبصالحيتها وغير ذلك من غوطتها أشياء كثيرة من الكتب والأجزاء على جماعة كثيرين من أصحاب الحجار، وغيره منهم: على ابن محمد بن أبي المجد الدمشقي، قرأ عليه صحيح البخاري بسماعه له على وزيره، ومن كتابه: الإكراه إلى آخره، على الحجار، وغير ذلك من الأجزاء.
ومنهم: مسند الدنيا أبو هريرة عبد الرحمن بن الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، قرأ عليه بكفر بطنا: الأربعين، التي خرجها له أبوه، وعدة أجزاء متصلة بالسماع من حديث أبي الوقت السجزي، والحافظ أبي طاهر السلفي، وأجزاء أخر عالية من حديث غيرهما.
فمن ذلك: المائة الشريحية، وجزء بنى الهرثمية، وثاني حديث ابن مسعود لابن صاعد، وأحاديث الترمذي، من ذم الكلام للهروي، والبعث والنشور لابن أبي داود، والثقفيات العشر، وبعض الشيرازيات، وجميع الخلعيات بسماعه لأجزاء منها على يحيى ابن سعد عن ابن صباح، وإجازته لباقيها من ابن سعد عن ابن صباح، وجزء مأمون بن هارون، ومشيخة السهروردي، عن ابن الشيرازي عنه، ومجلس رزق الله التميمي وغير ذلك.
ثم توجه إلى القاهرة في صفر من سنة تسع وتسعين وسبعمائة، وزار المسجد الأقصى، وسمع به على مسنده أبي الخير أحمد بن الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي الأربعين، التي خرجها له المحدث أبو حمزة أنس بن علي الأنصاري، والنصف الأول من الجزء الأول الكبير من حديث المخلص بسماعه على الحجار عن القطيعي وغير ذلك، وعلى غيره.
وبغزة على أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي: المسلسل بالأولية، وجزء ابن عرفة، والبطاقة، بسماعه لذلك كله على الميدومي.
وقدم القاهرة في ربيع الأول منها. فسمع بها علي: علي بن أبي المجد وغيره أشياء كثيرة، منها على ابن أبي المجد: العوارف للسهروردي بإجازته من القاضي سليمان بن حمزة، وأبي نصر بن الشيرازي عنه.
وحضر دروس القاضي تاج الدين بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز المالكي بالحجازية مدة. وأذن له في سنة ثمانمائة في جمادى الآخرة في الإفتاء والتدريس.
وفى هذه السنة: رحل إلى دمشق، وسمع بها أشياء كثيرة من الكتب والأجزاء لم يكن سمعها قبل ذلك، وسمع بها في هذه الرحلة على شيوخ لم يكن سمع عليهم، منهم: أم القاسم خديجة بنت إبراهيم بن سلطان البعلي، روت له عن القاسم بن عساكر حضورا، وتفردت عنه وغيرها من أصحاب الحجار وغيره.
وعاد منها إلى القاهرة في رمضان من سنة ثمانمائة وحج فيها.
وحضر في سنة إحدى وثمانمائة مجلس الشريف عبد الرحمن الفاسي في الفقه، وأذن له في التدريس والإفتاء في هذه السنة، وقرأ فيها: صحيح البخاري، والموطأ رواية يحيى ابن يحيى، على الإمام برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أيوب الإنباسي الشافعي.
وقرأ عليه قبل ذلك بزاويته بالمقسم ظاهر القاهرة شيئا من الحديث، ومن منهاج البيضاوي في الأصول بحثا.
وتوجه بعد الحج من سنة إحدى وثمانمائة إلى القاهرة، فوصلها في العشر الأخير من المحرم سنة اثنتين وثمانمائة.
وسمع بها في هذه السنة: غالب مسند الإمام أحمد بن حنبل بقراءة صاحبه الحافظ الحجة شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر، على أبي المعالى عبد الله بن عمر الحلاوى، ثم أكمل عليه ما فاته منه، ورحل في هذه السنة إلى الإسكندرية، ولم يقدر له بها سماع.
وكان رحل إليها في رمضان سنة تسع وتسعين وسبعمائة. وسمع بها على الهزبر رئيس المؤذنين بالجامع الغربي بقراءته: مشيخة الرازي عن ابن المصفي.
ورحل أيضا في سنة اثنين وثمانمائة إلى دمشق، صحبة الحافظ الحجة ابن حجر. فسمع بسرياقوس، على الإمام صدر الدين الأبشيطي جزء البطاقة.
وبغزة على أحمد بن عثمان الخليلي، السابق ذكره.
وبالرملة على المحدث شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد، المعروف بالمهندس.
وبزغلش: المسلسل بالأولية، وما في مشيخة ابن البخاري من جزء الأنصاري.
وعلى المفتي عبد الله بن سلمان المصري المالكي، المعروف بابن شحادة: حديث ابن ماسي في جزء الأنصاري، بسماعهما لذلك من الميدومي.
ثم سمع بدمشق وصالحيتها: بقراءة ابن حجر، والإمام خليل بن محمد بن محمد الآقفهسي، وبقراءة غيرهما وقراءة نفسه أشياء كثيرة جدا من الكتب والأجزاء والمنتخبات على فاطمة بنت ابن المنجا وغيرها من أصحاب الحجار وغيره. وكان مبدأ ذلك في رمضان سنة اثنتين وثمانمائة.
وفى أوائل المحرم من سنة ثلاث: توجه إلى القاهرة في صحبة الحافظ ابن حجر وخليل الآقفهسي، ووصلوا إليها في آخر المحرم في سنة ثلاث، بعد أن سمع أشياء بنابلس والقدس وغيره.
وسمع بالقاهرة في سنة ثلاث، وفي سنة أربع، أشياء كثيرة.
وفى سنة أربع: أذن له القاضي زين الدين خلف في الإفتاء والتدريس، وكذلك القاضي تاج الدين بهرام المالكي، بعد قراءته عليه جميع كتابه الفائق المسمى بالشامل، الذي اختصر فيه شرح ابن الحاجب الفرعي، لشيخه الشيخ خليل الجندي المالكي، المسمى بالتوضيح، قراءة تصحيح وبحث لما أشكل. وكتب له بهرام عليه إجازة قال فيها:
إنه قرأ عليه كتابه «الشامل» قراءة بحث وتفهم. وقد أفاد في ذلك أكثر مما استفاد. وقد أذنت له أن يرويه عنى، مع جميع ما ألفته في الفقه والنحو، والأصول من منظوم ومنثور، وفي الفرائض، والعروض وغير ذلك، وما قرأته على الأشياخ، أو سمعته من حديث وتفسير، وغير ذلك من العلوم، وأجزته بالفتيا والتدريس في جميع ذلك، لعلمي أنه أهل لذلك، مستحق لأن ينظم في سلك أهل العلم. انتهى باختصار.
وحج في هذه السنة، وأقام بمكة حتى حج في سنة خمس وثمانمائة.
وقرأ في هذه السنة: صحيح مسلم، على قاضي الحرم جمال الدين بن ظهيرة، وأذن له في التدريس في علم الحديث، ثم توجه بعد الحج من سنة خمس وثمانمائة إلى اليمن.
وسمع بها بعدن على الوجيه عبد الرحمن بن حيدر الشيرازي، من حديث الفخر ابن البخاري يسيرا.
وتوجه منها إلى مكة، فبلغها في أواخر ذي القعدة في سنة ست وثمانمائة.
ومضى بعد الحج إلى المدينة النبوية، ثم إلى دمشق في الدرب الشامي، على طريق تبوك، فبلغها في الرابع والعشرين من المحرم سنة سبع وثمانمائة.
وسمع بها علي: خطيبها ومفتيها شهاب الدين أحمد بن حجي. وأذن له ابن حجي في التدريس في علم الحديث، ونحويها نور الدين الأنباري وغيرهما، وعلق بها واستفاد.
وتوجه منها في يوم الجمعة، الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة سبع وثمانمائة إلى القاهرة على طريق الغور وبيسان، ووصل القاهرة في جمادى الآخرة.
وسمع بها على الحافظ نور الدين الهيثمي جانبا كبيرا من كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، وغير ذلك.
وفى شوال منها: ولى قضاء المالكية بمكة، من قبل الملك الناصر فرج بن الملك الظاهر برقوق. ولم يل القضاء بمكة قبله أحد مستقلا، ورتب له على ذلك معلوم.
وتوجه مع الحجاج المصريين إلى مكة، فبلغها في آخر ذي القعدة من سنة سبع وثمانمائة.
وفى أوائل ذي الحجة قرئ توقيعه بالولاية بالمسجد الحرام خلف مقام الحنفي بعد صلاة العصر بحضرة أمير الحاج المصري الأمير كزل العجمي وغيره من أعيان الحجاج وأهل مكة.
وفى سنة اثنتي عشر وثمانمائة زار المدينة النبوية، وحضر بها مجلس الإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الوانوغي في الأصول والفقه وغير ذلك.
وأذن له الوانوغي في الإفتاء والتدريس، وكتب له خطه بذلك بمنى في أيامها من سنة ثلاث عشرة.
ومما كتبه الوانوغي في إجازته للمذكور - بعد أن ذكر طلبه للاجتماع بعلماء مكة ـ: كان ممن اجتمعت به وذاكرته، وباحثته مرارا عديدة في مسائل كثيرة من مسائل الفقه وغوامضه، وما يتعلق بها، وتكررت أسئلته عن ذلك كله ومباحثه فيها، مرة بعد أخرى السيد الفقيه، الفاضل، الأعدل، الأكمل الجامع للصفات الفاضلة، الحسيب الأصيل، القاضي تقي الدين محمد بن الشيخ الحسيب الأصيل شهاب الدين أحمد بن علي الفاسي، نفع الله بفوائده وعلومه الجليلة.
وقد ورد علينا بالمدينة الشريفة، وحضر معنا درس الفقه والأصول، وأبدى فيه من فوائده ومباحثه الجليلة ما يليق بعلمه وفضله على طريقة أهل الفنون والمباحث، فرأيته في ذلك كله أهلا للتدريس، والفتوى، والحكم، وإفادة الطالبين، مع ما جبل عليه من حسن الفهم، وحسن الإيراد، وسعة البال في البحث والمراجعة فيه.
فأوجب ذلك كله الإذن له في التدريس، والفتوى، وإفادة الطلبة، وحثه على الاشتغال بذلك كله، والملازمة له؛ لينتفع به الناس عموما، وأهل بلده خصوصا، فإني لم أر من فقهاء المالكية بالحجاز كله من يقاربه في جميع ما ذكرناه - نفع الله به - ولا في اتصافه في العلم ولا في الفهم عن الأئمة. انتهى. بنصه باختصار من أوله وآخره.
وسبق صورة جميع ما كتبه الوانوغي في ترجمة الوانوغي.
وفى سنة أربع عشرة وثمانمائة درس للمالكية بالمدرسة السلطانية الغياثية البنجالية، التي بالجانب اليماني من المسجد الحرام عند باب الحزورة.
ودرس قبل ذلك بالمسجد الحرام مدة. وأفتى كثيرا من سنة ثمان وثمانمائة وإلى تاريخه.
واستمر متوليا لتدريس البنجالية ولقضاء المالكية، حتى صرف عن ذلك في الرابع والعشرين من شوال سنة سبع عشرة وثمانمائة بقريبه الشريف أبي حامد بن الشريف عبد الرحمن الفاسي.
وفى ابتداء العشر الأول من ذي القعدة منها: عاد إلى ولاية قضاء المالكية بمكة وأتى الخبر بذلك والتوقيع في ليلة الخامس عشر من ذي الحجة، فباشر الأحكام، وامتنع منها قريبه المذكور.
وكان مدة مباشرة قريبه لذلك نحو اثني عشر يوما.
واستمر صاحب هذه الترجمة مباشرا إلى سابع عشر المحرم سنة عشرين وثمانمائة لوصول توقيع بوظيفة قضاء المالكية للإمام شهاب الدين أحمد بن القاضي نور الدين على النويري، مبينا على إنهاء فاسد بسعي بعض أهل الهوى. وتاريخ التوقيع عاشر ذي الحجة سنة تسع عشرة وثمانمائة.
ولم يباشر ذلك شهاب الدين النويري المذكور لاختفائه خوفا من تعب يناله من وجه آخر.
فلما كان الرابع من جمادى الأولى سنة عشرين وثمانمائة: وصل توقيع شريف يتضمن استقرار صاحب هذه الترجمة، واستمراره في وظيفته قضاء المالكية بمكة وأعمالها، وما كان معه قبل ذلك، فباشر الأحكام وغيرها إلى تاريخه وهو شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، ولم يخل في خلال مباشرته من خير منصف يحمده ويذكر محاسنه، ولا من بذئ متحامل يغض منه بالهوى. وقد بلى بمثل ذلك الأخيار في جميع الأعصار.
وشيوخ صاحب هذه الترجمة كثيرون جدا، ولعلهم نحو خمسمائة شيخ بالسماع والإجازة. ومن شيوخه بالإجازة: التاج أحمد بن محمد بن عبد الله بن محبوب، والزين عبد الرحمن بن الأستاذ الحلبي.
وقد سمع المذكور بالحرمين، وديار مصر، والشام، واليمن.
ومن شيوخه باليمن: المقرئ شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عياش
الدمشقي، سمع منه أحاديث من جزء ابن عرفة عن علي بن العز عمر، حضورا عن أحمد ابن عبد الدايم بزبيد في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة. وسمع بها أيضا في سنة ثمان عشرة وثمانمائة.
ومن مؤلفات صاحب هذه الترجمة: أربعون حديثا متباينة الإسناد والمتون بالسماع المتصل من حديث العشرة المشهود لهم بالجنة، والصحابة الذين انتهى إليهم العلم، والصحابة المكثرين، والعبادلة الأربعة، والأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، وفيها من النفائس غير ذلك.
وكان ابتداء تخريجه لها في سنة تسع وتسعين وسبعمائة بالقاهرة.
ومنها: فهرست تشتمل على ذكر أشياء من مروياته بالسماع والإجازة، ولم يذكر فيها من الأجزاء إلا ما كان مترجما باسم الكتاب، وهو قليل. وذكر في أوائلها أحاديث عالية من مروياته.
وكان تأليفه لها في أوائل سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، وهي في عدة كراريس؛ وسبب تأليفه لها: أن الشيخ الإمام البارع عطا الله الهندي الحنفي سأله في ذلك، وسأله أن يسوغ له التدريس والفتوى في مذهب مالك، فأجابه صاحب هذه الترجمة لسؤاله.
ومنها: تواريخ لمكة المشرفة، بعضها على نمط تاريخ الأزرقي، جمع فيها بين ما ذكره الأزرقي من أخبار عمارة الكعبة المعظمة، وخبر حليتها، ومعاليقها وكسوتها، وخبر الحجر الأسود والحجر - بسكون الجيم - والمقام مقام إبراهيم الخليل عليه السلام، والمسجد الحرام، وزمزم، وسقاية العباس بن عبد المطلب رضى الله تعالى عنه، والصفا والمروة، وحدود الحرم، والأماكن المباركة بمكة المشرفة، وحرمها المعروف بعضها بالمساجد، وبعضها بالمواليد، وبعضها بالدور، وأمطار مكة في الجاهلية والإسلام وغير ذلك. وبين ما كان بعد الأزرقي من الأخبار الملائمة لذلك.
وأضاف إلى ذلك أحاديث وآثارا في فضائل الكعبة والأعمال المتعلقة بها، وفي فضل الحجر الأسود والركن اليماني، والحجر - بسكون الجيم - والمقام، والمسجد الحرام، ومكة، والحرم، وزمزم، وغير ذلك من المواضع المباركة بمكة وحرمها، مما ذكره الأزرقي. وأضاف إلى ذلك أمورا كثيرة مفيدة لم يذكرها الأزرقي، في بعضها ما عني بجمعه الأزرقي، وبعضها لم يعن به.
فمن الأول: أحاديث نبوية، وآثار عن الصحابة والسلف، وأخبار جاهلية لها تعلق بمكة وأهلها، وولاتها، وملوكها.
ومن الثاني: مسائل فقهية وحديثية، وما علمه من المآثر بمكة وحرمها، كالمدارس والربط وغير ذلك، وما علمه من ولاة مكة في الإسلام على سبيل الإجمال، وأخبار إسلامية تتعلق بمكة وأهلها وولاتها والحجاج، ويسير من هذه الأخبار ذكرها الأزرقي.
وذكر أيضا بعض المآثر، وبعض المسائل الفقهية. وهذا القسم مما يكثر الاغتباط به لأن غالبه لم يحوه كتاب، وإليه تشرق ذوو الألباب.
وهذه التآليف خمسة، أكبرها: «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» في مجلدين.
ثم مختصره المسمي: «تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام». في نحو نصف أصله. وإلى الآن لم يكمل تأليفهما بالكتابة.
ثم مختصره: «تحصيل المرام، من تاريخ البلد الحرام».
ثم مختصره: «هادي ذوى الأفهام، إلى تاريخ البلد الحرام».
ثم مختصره: «الزهور المقتطفة، من تاريخ مكة المشرفة».
ومنها، تاريخ يسمي: «العقد الثمين، في تاريخ البلد الأمين»، يشتمل بعد خطبته على الزهور المقتطفة، ثم سيرة نبوية مختصرة من سيرة مغلطاى. وفيها زيادات عليها كثيرة مفيدة.
ثم تراجم جماعة من ولاة مكة، وقضاتها، وخطبائها، وأئمتها، ومؤذنيها، وتراجم جماعة من العلماء والرواة من أهل مكة وغيرهم، ممن سكنها مدة سنين، أو مات بها.
وتراجم جماعة وسعوا المسجد الحرام، أو عمروه.
وتراجم جماعة عمروا أشياء من الأماكن المباركة بمكة وحرمها، كالمساجد والمواليد وغير ذلك.
وتراجم جماعة عمروا أشياء من المآثر بمكة، كالمدارس، والربط، والآثار، والسبل، والبرك، والمطاهر، وغير ذلك.
وتراجم جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ذكروا مع غير أهل مكة لسكناهم غيرها. وإنما ذكرهم في تأليفه لكونهم مكيين؛ لأن مكة دارهم - بلا ريب - وسكناهم غيرها إنما كان بأخرة، ولا يخرجهم ذلك عن كونهم مكيين، وهم الصحابة رضي الله عنهم من قريش وأبناؤهم، وإن لم يثبت لبعض الأبناء صحبة، أو ولد بغير مكة؛ لأنهم تبع لآبائهم.
وكذلك الصحابة من بنى كنانة وخزاعة لمشاركتهم قريشا في الدار، وهي مكة، أو باديتها، كما بينه في تأليفه، وإن كانوا عدوا مع غير أهل مكة؛ لأن المعنى في عدهم مع غير أهل مكة ما ذكره في قريش.
وكذلك الصحابة من موالي قريش وكنانة وخزاعة؛ لأنهم في حكمهم، وكذلك الصحابة من خلفاء قريش.
وكذلك الصحابة من أهل الطائف من ثقيف ومواليهم، ومن غيرهم؛ لأن الطائف من عمل مكة من قديم الزمان، حتى الآن.
وكان ابتداء تأليف التراجم المذكورة في العقد الثمين على الوجه المذكور في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، وإلى الآن لم يكمل تأليفها؛ لأن أكثر أهل الكنى من الرجال والنساء المسميات والمكنيات لم يكتب تراجمهم، وكذلك عدة تراجم في حرف الياء المثناة من تحت - يسر الله تأليف ذلك كله وتحريره.
وهذا التأليف: يكون في خمس مجلدات، مع مراعاة الاختصار، بترك إخراج الأحاديث في كل ترجمة وغير ذلك.
ولم يخل هذا التأليف من أحاديث وآثار وحكايات وأشعار. وكل ذلك بالإسناد والتراجم المذكورة على ترتيب حروف المعجم، خلا المحمدين والأحمدين فإنهم مقدمون على غيرهم لشرف هذين الاسمين على غيرهما من الأسماء.
وكان قد ألف في سنة خمس وثمانمائة مجلدا في هذا المعنى، غير أنه لم يذكر فيه من الصحابة المشار إليهم إلا نفرا يسيرا جدا، ثم اختصره باليمن في سنة ست وثمانمائة.
ثم اختصر المختصر وأكمل تأليفه بدمشق في سنة سبع وثمانمائة. وجعل في أوله مقدمة لطيفة تتضمن أشياء من أخبار الكعبة المعظمة، والمسجد الحرام، والأماكن المباركة بمكة وحرمها، وحدود الحرم وغير ذلك.
ووقف عليه خطيب دمشق ومفتيها القاضي الإمام شهاب الدين أحمد بن حجي وغيره من فضلاء دمشق. وكتب كل منهم بخطه ثناء على ذلك المختصر ومؤلفه.
ثم وقف عليه الحافظان العلامة ولى الدين أبو زرعة أحمد بن حافظ الإسلام زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، وأبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني بالقاهرة في سنة سبع وثمانمائة. وكتب كل منهما ثناء على ذلك المختصر ومؤلفه.
وكان ابتداء عنايته بتحصيل تراجم غير الصحابة في سنة اثنتين وثمانمائة بالقاهرة، ثم ظفر منها بجانب كبير بدمشق في هذه السنة، ثم صار يزداد معرفة في ذلك، وعلق جميع ما علمه من ذلك من غير ترتيب، ثم ألفه ورتبه كما سبق بيانه.
وكان أراد أن يجعل التاريخ الكبير الذي ألفه على نمط تاريخ الأزرقي مقدمة للعقد الثمين، فلما عرف أنه يجئ كبيرا، وأنه يكون مع التراجم في مجلدات كثيرة، أفرد التاريخ الذي على نمط تاريخ الأزرقي عن التاريخ الذي فيه التراجم، وضم إلى الذي فيه التراجم المختصر الأصغر المسمى، بالزهور، ليحصل للناظر في التاريخ الذي فيه التراجم معرفة ما اشتمل عليه الزهور والتراجم.
وكان تأليفه للزهور في سنة تسع عشرة وثمانمائة. وكان - لما استطال التاريخ الذي على نمط تاريخ الأزرقي - اختصر منه قبل أن يفرده عن التراجم مختصرا سماه تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام، يكون في مجلد، ورتبه على أربعة وعشرين بابا، وجاء الباب الأخير منه قدر ثلث الكتاب لكون الكلام انجر فيه من شيء إلى شيء، ثم جعل الباب الأخير بما ضمه إليه من الفوائد الكبيرة، والأخبار المتعلقة بفتح مكة وولاتها والحجاج وغير ذلك، خمسة عشر بابا في شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، ومختصره المسمى تحفة الكرام، بأخبار البلد الحرام.
فلما اختصر المختصرات بعد ذلك، جاءت أبوابها أربعين بابا. وفي كل من هذه المختصرات من الفوائد والأخبار ما ليس في الآخر.
ومنها: تأليف يسمي: «عجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى»، اختصره من العقد الثمين ولم يكمله. وأكثر تراجمه مؤلفة. ويكون - إن شاء الله تعالى - في مجلدين أو أكثر.
ومنها: في التاريخ الذي لا يختص لمكة تأليف، سماه: «بغية أهل البصارة في ذيل الإشارة». في خمسة عشر كراسا صغارا.
والإشارة المذكورة: تأليف للحافظ. أبي عبد الله الذهبي، ذكر فيه جماعة من أعيان العلماء والرواة وغيرهم، واختصر فيه في الغالب على اسم الإنسان، وأبيه وجده، وما يعرف به، وقد يذكر شهر وفاته، وابتدأ فيه من السنة الأولى من الهجرة، وانتهى فيه إلى سنة إحدى وسبعمائة.
فذيل عليه صاحب هذه الترجمة من سنة إحدى وسبعمائة وإلى تاريخه على النمط
الذي ذكره الذهبي، وأبسط قليلا وجاهد الذيل في قدر الإشارة، ثم أوضح التراجم المذكورة في هذا الذيل إيضاحا مناسبا بزيادة تراجم، وإلى الآن لم يكمل تأليفه لذلك. والباقي منه أكثر التراجم من سنة إحدى وسبعمائة، وإلى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة؛ لأنه ابتدأ من أول القرن التاسع، ثم ما قبله حتى انتهى إلى سنة أربعين.
ومنها: تأليف لطيف نحو ثلاثة كراريس، سماه: «إرشاد ذوي الأفهام إلى تكميل كتاب الأعلام بوفيات الأعلام للحافظ الذهبي»، ويسمى أيضا: «درة التاريخ». ابتدأ فيه الذهبي من السنة الأولى من الهجرة، وانتهى فيه إلى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
واختصر فيه الذهبي في الغالب على ما يعرف به الإنسان، وذيل عليه صاحب هذه الترجمة ذيلا أبسط منه مناسبا له.
ومنها: اختصار كتاب «حياة الحيوان» للشيخ كمال الدين موسى بن محمد الدميري، الآتي ذكره، ونبه فيه على أشياء كثيرة مفيدة تتعلق بما ذكره الدميري في ذلك.
وفرغ من اختصاره مع الشبهات المشار إليه من غير استقصاء في آخر ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة، وسمى هذا المختصر «مطلب اليقظان، من كتاب حياة الحيوان».
ومنها: في الفقه عدة تآليف، منها في المناسك: ثلاثة تآليف، الأصغر منها: كراس صغير، والأوسط: كراسان صغيران، وكلاهما على مذهب مالك والشافعي رضي الله عنهما، والأكبر لم يكمل تأليفه.
وسنذكر فيه إن شاء الله تعالى مذهب أبي حنيفة وابن حنبل رحمهما الله تعالى واسمه: «إرشاد الناسك إلى معرفة المناسك».
ومنها: عدة تآليف في مسائل مفردة، حصل فيها نزاع بينه وبين غيره من المعاصرين له، منها: الإيقاظ من الغفلة والحيرة في مسألة إقرار ظهيرة، وهي: أن ظهيرة حصل منه إقرار مولح، فحكم نائب صاحب هذه الترجمة ببطلان ذلك الإقرار.
فأفتى الشيخ أبو عبد الله الوانوغي - السابق ذكره - في ذلك الحكم بما لم يسدد فيه.
وألف صاحب هذه الترجمة في الرد على الوانوغي التأليف المشار إليه، ثم اختصره في مختصرين.
ووقف على المختصر الأصغر من ذلك قاضي القضاة بالقاهرة، وشيخ المالكية بها: جمال الدين عبد الله الآقفهسي رحمه الله. وكتب عليه ما نصه:
لقد حقق وأجاد فيما آتى به من السداد، كل ذلك بفضل الكريم الجواد. وكتبه عبد الله الآقفهسي المالكي.
ثم وقف عليه الإمام عالم فاس وابن عالمها: أبو القاسم بن موسى بن محمد بن موسى العبدوسي، الفاسي المالكي بمكة، لما قدمها حاجا في سنة عشرين وثمانمائة وكتب عليه ما نصه:
الحمد لله، يقول كاتبها أبو القاسم العبدوسي - لطف الله تعالى به - وقفت على ما أفتى به سيدنا الإمام، العالم، العامل، الحافظ، القدوة، تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الحسنى، فوجدته الحق الذي لا يشك فيه، وما سواه من الجواب غيره هذيان لا أدري كيف صدر من كاتبه. والله يرشد من يشاء إلى فضله بمنه ورحمته.
وكتب الإمام أبو القاسم العبدوسي المذكور بعد أن مر على شفاء الغرام، تأليف صاحب هذه الترجمة ثناء كثيرا على نحو صافحه.
وسمع على صاحب الترجمة أربعة أحاديث من أول أربعينه المتباينة، وهي أحاديث الخلفاء الأربعة الراشدين، وسيأتي ما كتبه على شفاء الغرام إن شاء الله تعالى.
وكتب العلامة الكبير الحافظ ولى الدين أبو زرعة أحمد بن الحافظ زين الدين العراقي في سنة سبع وثمانمائة على المختصر الأصغر من كتاب التراجم الذي في أوله: المقدمة اللطيفة المشار إليها ما نصه في أول ورقة منه ترجمة له «عجالة القرى، في مختصر تاريخ أم القرى» تأليف الشيخ الإمام العالم الحافظ زين المحدثين، مفيد الطالبين، مفتي المسلمين، ذي الفوائد العديدة، والمناقب الحميدة تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الحسنى الفاسي المكي المالكي. أمتع الله ببقائه، وزاد في علوه وارتقائه آمين.
ثم كتب أيضا على التأليف المذكور في ورقة غير هذه الورقة ما نصه:
أما بعد حمد الله الذي شرف ما شاء من البقاع، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي شرفت بمنشئه ومدفنه تلك الأصقاع، وعلى آله وصحبه الذين جمعوا بين شرفي العلوم والاتضاع.
فقد وقفت على هذا التأليف الجاري على القوانين والأوضاع، والتصنيف البديع الذي ليس فيه ابتداع، والجمع الذي يشهد لجامعه بحسن الاختراع، والمجموع الجامع لصدق النقل وحسن الانتزاع، والتاريخ الذي انعقد على فضيلة الإجماع، والروض الذي ضاع نشره وما ضاع منه بل حفظ وذاع، فانتفعت به أحسن الانتفاع، والتقطت من فوائده ما ليس في حسنه نزاع، واعترفت لجامعه بحسن الجمع وكثرة الاطلاع، وسعة المعرفة والاضطلاع.
فهو إمام له في المشكلات انبساط، وعلى العلم انجماع، وحافظ في حفظه اتساع، وثقة فيما ينقله عن كتاب أو سماع، وعالم له مع تواضعه ارتفاع، ومتقن ضم إلى حضور القلب حسن الاستماع. والله تعالى يحفظ عليه ما من به عليه من التقى فهو خير زاد، وغنى النفس فهو خير متاع، ويديم النفع به حتى يأتي أمر الله الذي ليس له دفاع.
كتبه أحمد بن عبد الرحيم العراقي الشافعي - لطف الله به وبوالديه ومشايخه - حامدا ومصليا ومسلما في ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من شوال سنة سبع وثمانمائة بمنزلي بشاطئ النيل المبارك بظاهر القاهرة. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكتب الحافظ شهاب الدين ابن حجر على هذا التأليف، ما نصه:
الحمد لله الذي جعل من تولاه بعنايته تقيا، وفضل بعض خلقه على بعض، فرقى منهم سعيدا وأردى منهم شقيا، وشرف بعض الأمكنة على بعض، فاختص البلد الحرام بالأمن والمحبة والبركة، وكفى بذلك فخرا مرضيا.
وصلى الله على سيدنا محمد أرفع العالمين قدرا عليا، وعلى آل محمد وصحبه الأبرار الذين حفظوا السنن ونقلوها، وعرفوا معانيها وعقلوها، ونظروا إلى الدنيا بعين الازدراء فما مقلوها، صلى الله عليهم أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد وقفت على هذا التأليف البديع وصفا، الغريب صنفا، فوجدته فاق المصنفات في هذا الفن، لصدق معزاه، وتخصص بالشرف المطلق لفظه ومعناه، فهو تصنيف شريف، في معنى شريف، لبلد شريف، اختاره الله وارتضاه.
حبره وأجاد في تأنيقه السيد الإمام الأوحد، البارع المتقن، ذو الأصل الزكي، والذهن الوقاد الذكي، تقي الدين، مفتي المسلمين، حامي حمى الفقه والحديث، مع ما انضاف إلى ذلك من تقوى صدقت لاسمه مسماه، وعبادة وزهادة، وتواضع لائق بمن
اصطفاه الله، فالله تعالى يلهمه شكر هذه المنة، ويبقيه لحفظ السنة. قاله وكتبه أحمد بن علي العسقلاني.
وكتب عليه خطيب دمشق ومفتيها: القاضي شهاب الدين أحمد بن الإمام علاء الدين حجي السعدي الشافعي ما نصه:
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد: فقد وقفت على مختصر التاريخ لمكة المشرفة، الذي جمعه السيد الشريف، الإمام، المحدث، الفقيه، العالم، البارع في فنون العلم، المفيد، المؤرخ الأوحد، الضابط، المتقن، الثقة، اليقظ، جمال المحدثين، تقي الدين أبو عبد الله محمد بن السيد الشريف، الإمام العالم شهاب الدين أبي العباس أحمد الحسنى، الفاسي المكي المالكي، متع الله به ونفعه، وأعلاه ورفعه.
فرأيته قد أبان فيه عن حفظ واطلاع، ومعرفة واضطلاع، وضبط لما يكتبه ويمليه، وتحرير لما ينقله ويرويه، فأفدت منه أشياء مفيدة، وعلقت منه تراجم وأسماء عديدة، وذاكرني بمواضع من لفظه، معتمدا على فهمه وحفظه، وإني لأرجو إن طال أجله، ودام عمله: أن يصير ممن يعتمد عليه، ويشار بالأصابع إليه والله تعالى المسئول أن يزيد في حياته ويوفقني وإياه لمرضاته.
قال ذلك وكتبه: أحمد بن حجي بن موسى بن أحمد بن سعد السعدي الشافعي، حامدا لله تعالى مصليا على نبيه محمد وآله وصحبه ومسلما، في الثامن من جمادى الأولى سنة سبع وثمانمائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد أحسن في الثناء على هذا التأليف، وعلى مؤلفه من فضلاء المحدثين: بدر الدين أبو حمزة أنس بن علي بن محمد بن أحمد الأنصاري الدمشقي، وصلاح الدين - ويقال: غرس الدين - خليل بن محمد بن محمد بن عبد الرحيم الآقفهسي المصري، وشمس الدين محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد القيسي الدمشقي، المعروف بابن ناصر الدين.
وكتب كل منهم خطة بذلك. وصورة ما كتبوه موجود في التاريخ المذكور، وترك ذكره اقتصارا.
وكتابة: أنس، وابن ناصر الدين في سنة سبع وثمانمائة.
وكتابة: غرس الدين خليل في سنة ثمان وثمانمائة، بعد أن قرأ التأليف المذكور على مؤلفه.
وكتب العلامة ولى الدين أبو زرعة بن العراقي على ما وقف عليه من إيضاح ذيل الإشارة، المسمى «بغية أهل البصارة» تأليف صاحب هذه الترجمة. وذلك في سنة إحدى وسبعمائة، وإلى سنة عشرين وثمانمائة ما نصه:
وقفت على هذا التاريخ المفيد، والتأليف الفريد، فوجدته قد اشتمل على نبأ من حضرنا ومن غاب عنا، وملك قلب كل تاريخي منا، واستوجب الثناء الجميل منا، واستفدت من فوائده وعلقت بعض ما احتجب إليه من فرائده.
وكيف لا، وجامعه محدث كبير، وحافظ خطير، يعتمد على ما قال، ويتلقى بالقبول، ولا يطرح كطرح القيل والقال، هذا مع تفنن في العلوم، وبراعة في المنطوق والمفهوم، وكم له من إفادة مشتملة على الحسنى وزيادة، فالله يشكر سعيه، ويديم رعيه، ويمتع بحياته ويعيد من بركاته. كتبه أحمد بن العراقي. غفر الله له. انتهى.
وكتب تحت ذلك: الحافظ شهاب الدين بن حجر. أحسن الله إليه ما صورته كذلك: يقول فقير رحمة ربه أحمد بن علي العسقلاني.
وكتب على ذلك أديب اليمن، وفخر العلماء به، القاضي شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر، المعروف: بابن المقري اليمنى، ما نصه:
الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وقفت على هذا التأليف التالي فوائد العبر، والآتي بأحاديث الموعظة الحسان بأصح خبر، فلله در مصنفه من إمام حافظ، وبحر بجواهر العلوم لافظ ولا حق برز على السابق، وبذل في علو المرتبة الأعلام الحفاظ موافق، بلغه الله غاية الأمنية وأجزل ثوابه على هذا المقرون بحسن النية، آمين آمين. كتبه العبد الفقير إلى الله تعالى إسماعيل بن أبي بكر المقري اليمنى. عفا الله عنه.
وكتب الحافظ أبو زرعة، على الزهور المقتطفة تأليف صاحب هذه الترجمة ما صورته:
الحمد لله، وبه نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد وقفت على هذا التأليف البارع، والمختصر الجامع، فرأيته قد حوى من العلم فنونا، وفجر من بحار العلم عيونا، وسلك فيه أحسن طريقة، وغرس فيه رياضا أنيقة، وقام بما يجب من حق البلد الحرام، وبلغ طالب ذلك مع اختصاره أقصى المرام، إن تكلم في الفقه فبحر زاخر، وإن حرر التاريخ حوى أقوال الأوائل والأواخر.
وقد وقفت قديما على تاريخه الكبير، واعترفت له بالفضل الكثير، فشكر الله سعيه وأدام رعيه، وحمى به تلك البقاع الشريفة، فقد صار بها بعد أصحابنا الماضين أحسن خليفة. كتبه أحمد بن عبد الرحيم بن العراقي الشافعي، غفر الله له ولوالديه ولمشايخه. آمين.
وكتب الحافظ شهاب الدين ابن حجر - أبقاه الله تعالى - على هذا التأليف أيضا ما صورته: الزهور المقتطفة من تاريخ مكة المشرفة، للشيخ الإمام الحافظ الأوحد الشريف، تقي الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي الفاسي، ثم المكي، قاضي المالكية بمكة المشرفة.
وكتب أيضا: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فقد وقفت على هذا التصنيف المفيد، والعقد الفريد، فرأيته قد أجاد تلخيصا وتهذيبا، وفاق ترتيبا وتبويبا، جمع جامعه - حفظه الله - فيه أشتات الفوائد، ومزج الأخبار التاريخية بالمسائل الحكمية، مزج العقيان بالجواهر في القلائد، فلقد أبقى لما ألف البلد الأمين ذكر مخلدا، وارتقى بما انتقى درجا يعسر على من رام اللحاق بها المدى، فالله المسئول أن يحرسه بعينه، ويمده بعونه، ويحفظ نفسه، ويحمى حماه، ويوليه الثواب الجزيل على من تولاه.
قال ذلك محبه: الصادق أحمد بن علي العسقلاني حامدا لله تعالى، مصليا على محمد المصطفى وعلى آله وأصحابه، مسلما.
وكان ذلك في شعبان سنة عشرين وثمانمائة.
وكتب القاضي شرف الدين إسماعيل المقري اليمنى، على هذا التأليف ما نصه: الحمد لله وحده، وصلى الله على رسوله وآله وصحبه وسلم.
وقفت على هذا التصنيف البديع، والترصيف الذي تضمنت فصوله زهر الربيع المشتمل على فرائد الفوائد، وفوائد الفرائد، الجامع لنوادر المحاسن، المفيد منها للأوابد، فرأيت عقود لآل أو نجوم ليال، تشهد أن مصنفها الإمام الذي كل فضل خلفه يصلى جار بيت الله الحرام، الذي هو لذخائر المشكلات مجلي، فلقد أبدع وأغرب، وذهب في الإحسان كل مذهب، وأبقى له في الصالحات ذكرا، ومن الحمد والأجر كنزا وذخرا، جعله الله للمتقين إماما، وبلغه من كل خير مراما آمين. كتبه العبد الفقير إلى الله تعالى إسماعيل بن أبي بكر المقري اليمنى. ألهمه الله رشده.
وكتب الحافظ ولى الدين أبو زرعة بن العراقي الشافعي، على تحصيل المرام، تأليف صاحب هذه الترجمة، ما صورته: تحصيل المرام، من تاريخ البلد الحرام، تأليف الشيخ الإمام العلامة الحافظ قاضي القضاة، مفتي المسلمين تقي الدين محمد بن الإمام العلامة شهاب الدين أحمد الحسنى الفاسي الأصل، ثم المكي المالكي، أدام الله فوائده ونفع به آمين. كتب هذا على ظهره في أول ورقة منها.
وكتب أيضا: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: فقد وقفت على هذا التأليف البديع، المحتوى على أحسن الترتيب وجودة الترصيع، فوجدته جامعا للمعارف، يجتمع على قبوله الموافق والمخالف، إن طلبت منه تحقيق التاريخ ظفرت بالمطلوب، وإن رمت معرفة الأحكام الشرعية وجدتها على أحسن أسلوب، وإن رغبت في نقل الأحاديث وتمييز صحيحها من سقيمها حصلت على ذلك المرغوب، فهو لكل فن جامع، ولفضائله على كل ذي فضل خاضع. والله يشكر سعي مفيده فيا نعم ما أفاد، ويا حسن ما أبدى وأعاد، وكيف لا، وهو الإمام الحافظ الجامع لأنواع الفضائل، والآخذ من كل علم بسهم غير عائل، جمع الله له خيري الدنيا والأخرى وجعل نعمه عليه تترى.
كتبه فقير رحمة الله تعالى أحمد بن عبد الرحيم بن العراقي، الشافعي، غفر الله له. انتهى. وكانت كتابته لذلك في سنة عشرين وثمانمائة.
وكتب الحافظ أبو زرعة أيضا على تحفة الكرام الأولى، وهي التي أبوابها أربعة وعشرون بابا في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة ما نصه:
كتاب: «تحفة الكرام بأخبار البلد الحرام» تصنيف الشيخ، الإمام، العالم، العلامة، الحافظ، مفتي المسلمين، قاضي القضاة السيد الشريف تقي الدين أبي الطيب محمد بن أحمد بن علي الحسنى الفاسي المكي المالكي، أدام الله النفع بفوائده آمين.
كتب ذلك في أول ورقة منه بظهره. ثم كتب في الورقة نفسها، ما نصه:
الحمد لله، وقفت على هذا التأليف البديع، المنسوج على هذا المنوال المنيع، ومررت عليه سطرا سطرا، فوجدته في معناه بحرا، قد أتى فيه مصنفه بكل غريب، ورصعه بكل معنى عجيب، وكيف لا، وهو إمام له بهذا الفن أتم إلمام قد رحل فيه وجال، ولقى أعلام الرجال، وفي هذا النوع الخاص قد سمع وطالع وحرر وراجع، فشكر الله سعيه وأحسن رعيه، وأدام النفع بفوائده، وأجزاه منه على أجمل عوائده.
قد قلت إذ رأيته نخبة هذا الزمن، لا تحسبن حسنه قد جاء سوى من حسن.
كتبه أحمد بن عبد الرحيم بن العراقي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وثمانمائة.
وكتب عليه الحافظ شهاب الدين ابن حجر ما نصه: الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وقفت على هذا التأليف الشريف، وعرفت فضل ما فيه من التنويع والتصريف، فوجدت مجموعا جامعا، وأعجوبة حوت الحسن والحسنى معا، قد حرر مؤلفه وأتقن، وغاص على الدر من مظانه فأمعن، فجزاه الله عن بلده الحرام، ومشاعره العظام: أحسن جزاء، وكفاه جميع ما يتوقاه من الأسواء، آمين آمين.
قاله الفقير المعترف بالتقصير: أحمد بن علي القسطلاني، الشهير: بابن حجر.
وكتبه في الشهر المذكور أعلاه من سنته، حامدا لله تعالى، ومصليا على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومسلما.
وكتب الإمام العلامة المفنن أبو الفضل محمد بن إبراهيم التلمساني الشهير: باب الإمام المالكي، نزيل القاهرة المحروسة في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة بالقاهرة على نسخة من هذا، ومن تحفة الكرام الأولى ما نصه:
ما عسى أن يطنب في وصف هذا الموضوع ألسنة الأقلام، أو يعبر عن هذا الكلام فنون الكلام، فهذا هو الفرا الذي في جوفه كل الصيد، والأمنية التي لا يتعاطاها عمرو ولا زيد، وهذه هي الموهبة التي حسبناها على صنائع الله تميمة لا تقلع بعدها عين، وقلادة على حلل المفاخر لا تحتاج معها زين، رأين
  • دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 1

Men
الولادة
غير متوفر
الوفاة
غير متوفر
العصر
التصنيف
رجال