محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن ميمون ابن راشد القبسي
محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن ميمون ابن راشد القبسي
ولد في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع عشرة وستمائة بمصر. وحمل في موسم سنة تسع عشرة إلى مكة، فنشأ بها.
وأجاز له من شيوخها: الحافظ أبو الفتح الحصري، إمام الحنابلة.
وسمع بها من: أبي الحسن بن البنا جامع الترمذي، ومن أبي طالب عبد المحسن بن أبي العميد الحقيقي، إمام مقام إبراهيم بمكة أربعين عبد المنعم الفراوي عنه.
وعلى الشيخ شهاب الدين السهروردي كتابه: عوارف المعارف في التصوف ولبس منه خرقة التصوف، وعلى جماعة من شيوخ ولده أبي المعالي، الآتي ذكره بطلبه.
ثم رحل فسمع بدمشق من: إسماعيل بن أحمد العراقي، وأحمد بن المفرح بن مسلمة الأموي، وغيرهما.
وببغداد في سنة خمسين وستمائة من: إبراهيم بن أبي بكر الزغبى، وأبي السعادات عبد الله بن عمر البندنيجى، وفضل الله بن عبد الرزاق الجيلي، وموهوب بن أحمد الجواليقي، ويحيى بن قميرة، وغيرهم.
وسمع أيضا بالكوفة، ومنيح، وحران، وحمص، والمعرة، ودنيس، والقدس، ومصر، والمدينة، واليمن. وعنى بهذا الشأن، فكان فيه من ذوى الحفظ والإتقان.
وقرأ الشيخ قطب الدين القسطلاني - على ما ذكر - الفقه والتفسير والخلاف، وأنواع العلوم، علي: شيخ الحرم نجم الدين بشير بن حامد التبريزي.
ودرس - على ما ذكر - بمدرسة دار زبيدة بالحرم بحضرة والده.
وأفتى في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وأفتى فيما بعد ذلك كثيرا، وحدث بكثير من مسموعاته، وببعض تآليفه.
ومن تآليفه شيء يتعلق بتاريخ اليمن، ومختصر في علم الحديث سماه: «المنهج المبهج عند الاستماع لمن رغب في علوم الحديث على الاطلاع» ومختصر في الأسماء المبهمة في الحديث، و «ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة»، ومجلس في فضل رمضان، ومجلس في فضل ذي القعدة.
ومن تآليفه على ما ذكره ابن رشيد الفهري في رحلته: كتاب في المناسك. ذكر أنه وقف عليه، وعقيدة سماها: «لسان البيان عن اعتقاد الجنان» واختصر هذه العقيدة، وحمل الإيجاز في الإعجاز بنار الحجاز، وفواضل الزمن في فضائل اليمن، ولعله الذي ذكرناه أولا، ومنهاج النبراس في فضائل بنى العباس، ورسالة الحمالة جزء، وجلالة الدلالة على إقامة العدالة، وتأنيس النضارة على إقامة الوزارة، وكتاب النصح من موارد المتالف في الاقتداء والمخالف، ومسألة تكلم فيها على مسألة عز الدين - يعنى ابن عبد السلام - في تفضيل الأنبياء. ثم قال: ألفيت أسماء هذه «التصانيف» بخط أبي إسحاق البلقيني.
وذكر ابن رشيد أيضا: أن من تصانيف القطب: كتاب «الورد الزائد في بر الوالدين». وذكر أنه قرأ عليه مختصر العقيدة له، انتهى.
وحدث الشيخ قطب الدين القسطلاني قديما.
سمع منه في تسع وأربعين وستمائة بدمشق جماعة كبار من محدثيها إذ ذاك منهم: شقيشقة، والمعين الدمشقي، والزين النابلسي، وغيرهم.
وسمع منه: رفيقه الحافظ شرف الدين الدمياطي، والحافظ قطب الدين الحلبي.
وقال: كان إماما، عالما محدثا، حافظا، مفتيا، ثقة، حجة، حسن الأخلاق، سخيا، عفيفا، مكرما للواردين عليه، حسن الاستماع لما يقرأ عليه، كثير السعي في حوائج الناس، وذكر ثناء آخر.
وسمع منه أيضا: الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس. وقال في جواب مسائل، سئل عنها: وأما المسئول عن أحفظ من لقيت، فأولهم في التقديم، وأولاهم بالتعظيم: الشيخ
الإمام، قدوة الناسكين، عمدة السالكين، قطب الدين بقية العلماء العاملين. وسمع منه غيرهم من الأعيان، وأثنوا عليه كثيرا، وهو حرى بذلك.
فقد ذكر جد أبي: الشريف أبي عبد الله الفاسي، أحد تلامذة القطب القسطلاني هذا: أن الشيخ قطب الدين القسطلاني هذا قال: كنت أقرأ على شيخنا أبي عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي بالمدينة النبوية، فجئته يوما وأنا في وقت خلوة، وأنا يومئذ حديث السن، فخرج إلى وقال: من أدبك بهذا الأدب وعاب على؟ فذهبت عنه، وأنا منكسر، فدخلت المسجد، وقعدت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فبينا أنا جالس على تلك الحال، وإذا الشيخ - رضي الله عنه - قد جاءني وقال: قم. فقد جاء فيك شفيع لا يرد. انتهى. وهذه منقبة عظيمة.
وذكر جدي أنه سمعه أيضا يقول: عاهدت الله تعالى أن لا أرد سائلا. انتهى. وهذه خصلة حسنة مستلزمة لمحبته ومدحه.
وكان عين لقضاء مكة في سنة خمس وأربعين وستمائة، فتوقف. وفضائله كثيرة.
وتوفى ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم سنة ست وثمانين وستمائة بمنزله بالكاملية، ودفن بالقرافة، وشهد جنازته خلق كثير وضجوا عليه بالبكاء.
وكان طلب من مكة بعد موت أخيه التاج القسطلاني لمشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة، فوليها حتى مات.
وقال الأديب ناصر الدين أبو على شاور طرخان الكناني، المعروف بابن النقيب في القطب القسطلاني لما توجه إلى القاهرة بعد موت أخيه التاج:
استوحشت مكة من قطبها | واستأنست مصر به والديار |
شيخ شيوخ الحرم المقتدى برأيه | عند الأمور الكبار |
فيا له قطب مدار العلا عليه | والقطب عليه المدار |
ألا هل لظل بالأراك معاد | وهل ذلك العيش الهنى يعاد |
وهل زائر الزوراء زائر أبطح | وخيف منى دار تحل سعاد |
وهل لطوى والمأزمين ومشعر | تدان فقد أضنى الفؤاد بعاد |
وهل مدنف باك تكدر عيشه | وأقلقه داعى الغرام يعاد |
وهل ذلك السر الذي كان بيننا | وما فطن الواشي لذاك يعاد |
أراعك وشك البين أم أنت غافل | أم القلب في إثر الظعائن راحل |
لقد لج هذا الوجد حتى كأنه | يحاول ثأرا عند من هو قاتل |
تحيرت حتى لو سئلت عن الهوى | لفرط الجوى لم أدر ما أنا قائل |
أجبنا بنا بالجزع عن أيمن الحمى | ترى هل لما أدري من الشوق ناقل |
تمنع من أهوى على بوصله | فعندي من الوجد المبرح شاغل |
كتمت هواه برهة فنمت به | دموع على خدى هوام هوامل |
رعى الله هاتيك المعاهد كم بها | عهود بقلب أحرقته البلابل |
ألا هل عشيات الأراك رواجع | فتنعم عينا والعيون هواجع |
ونرفل في ذيل من القرب سابل | ويسكن نصب حركته القواطع |
ونرفع جرم الهجر عنا بوصلها | عوامل لما أن عداها التقاطع |
غريب له مذ بان بان برامه | فؤاد معنى أزعجته المطامع |
يبيت يناجى النجم والطرف ساهر | بجنب قريح قد جفته المضاجع |
له مذ رأي الأحباب سفح مدامع | وزفرة مصمود وهل ذاك نافع؟ |
تشاغل دهرا بالحديث يظنه | يشتت هما وهو للهم جامع |
ولم يثنه قول الوشاة بأنه | وإن ظن عاص فهو بالقطع طائع |
تبدل من مر التصابى حلاوة | فلذ له ما طال فيه التنازع |
دعوا العتب فيما قد مضى وتصدقوا | ببذل الرضى فالعمر لولاه ضائع |
ومن لي بوصل أرتجيه وإنني | بطيف خيال في المنام لقانع |
أجيروا من الجور المفرق للمنى | بجمع على مر الدهور يطاوع |
إذا طاب أصل المرء طابت فروعه | ومن عجب جاءت يد الشوك بالورد |
وقد يخبث الفرع الذي طاب أصله | ليظهر صنع الله في العكس والطرد |
ألا هل لهجر العامرية إقصار | فيقضى من الوجد المبرح أوطار |
ويشفى غليلا من عليل موله | له النجم والجوزاء في الليل سمار |
أغار عليه السقم من جنباته | وأغراه بالأحباب نأى وتذكار |
ورق له مما يلاقى عذوله | وأرقه دمع ترقرق مدرار |
يحن إلى برق الأثير وقلبه | ويخفق إن ناحت حمام وأطيار |
عسى ما مضى من خفض عيش على الحمى | يعود فلى فيه نجوم وأقمار |
حقيق على المشتاق تعفير خده | بباب الذي يهواه في السر والجهر |
وإيثار ما يرضاه في السخط والرضى | وإيثار ما يرضيه في النفع والضر |
علم الحديث مفيد كل مكرمة | فادأب فديتك يا ذا الجد والأدب |
واعكف على الدرس ليلا إن أردت علا | فالعلم يعلى دنى الأصل في الرتب |
ستأتي من الرب الرحيم لطائف | توسع ما قد ضاق في السر والجهر |
فكن واثقا بالله وارص نواله | تنل ما تشا من مالك الخلق والأمر |
إذا كان أنسى في التزأمي لخلوتي | وقلبي عن كل البرية خالي |
فما ضرني من كان لي الدهر قاليا | ولا سرني من كان في موالي |
لأجهدن على أن لا أرى أحدا | وأنثني خاليا عن قرب من بعدا |
وأعمل الفكر فيما أستفيد به | يوم النشور غدا عند الإله يدا |
إني اعتبرت بنى الدنيا فما ظفرت | كفى بود امرئ ألقاه معتمدا |
ولا في الشدائد أعوان على زمن | ولا الرخاء أياديهم تمد يدا |
ومن تصدى إلى إتيان بابهم | أهين حينا وألفى منهم نكدا |
والحر يأنف عن ذل يفيد به | عزا فكيف بذل قاصرا بدا |
العز ترك بنى الدنيا بأجمعهم | لا عن هوان بهم بل ترك من زهدا |
وذكر في رحلته سؤالا سئل عنه الشيخ قطب الدين القسطلاني، وأجاب عنه بجواب مفيد، وقد رأيت أن أذكره لما في ذلك من الفائدة، كما هو في رحلة ابن رشيد.
قال في ترجمة الشيخ قطب الدين أبي بكر بن القسطلاني: وحضرت شيخنا الإمام أبي بكر، وقد ورد عليه هذا السؤال، فأجاب عليه، وقرأت عليه السؤال والجواب، وكتبته عنه، وكتب لي خطه عليه، ونص ذلك:
ما يقول السادة الفقهاء - وفقهم الله لطاعته، وأعانهم على مرضاته - في الدروزة، هل هي مباحة مطلقا أو لا تباح إلا مع الضرورة؟ وهل تباح مع القدرة على الكسب أم لا؟ وهل تباح مع استغراق الزمان في العلم، ما يعنى به العلم الذي هو فرض عين، وإنما يعنى به العلم الذي هو فرض كفاية أم لا؟ وإذا قلنا بإباحتها، فهل يقتصر على الكفاية؟ أم يجوز الإدخار؟ وهل يجوز فيها أكل الطيبات ولبس الناعم من الثياب؟ أم يجوز فيها الاقتصار على الخشن من الثياب وأكل الخبز الخشكار بلا أدم، أم يجوز معه إدام؟ وهل إذا كان له عائلة ولا يطيقون الفاقة وكسبه ما يفي بأودهم، فهل له أن يدروز بحقهم أو حق من تلزمه نفقتهم؟ أفتونا وأوضحوا إيضاحا شافيا أوضح الله لكم الطريق ورزقكم فيها التوفيق.
الجواب: الله الموفق والمعين.
أصل السؤال عند الضرورة مشروع، وعند الاستغناء عنه ممنوع، هذا إذا كان يسأل لنفسه، أما من كان يسأل لغيره فيجوز له السؤال، وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد لغيره.
وأما الدروزة في مصطلح أهل الطريق: فهي لأجل الغير مباحة، بل مندوب إليها مع الغنى والفقر في الطالب لها تأسيا بفعله عليه السلام.
وأما لنفسه: فإن كان لضرورة، فهي مباحة، وإن كان مع غنى فحرام في أخذ فرض الزكاة مكروه في صدقة التطوع.
وأما أخذ صدقة الفرض مع الغنى بالمال أو القوة على الكسب ممن له بالمهنة عادة: فحرام.
وأما إذا تعارض الاشتغال بالعبادة مع السؤال، أو الاشتغال بالكسب: فبين أهل الطريق فيه اختلاف.
والذي يظهر لي أن عمارة الزمن بالعبادة مع تضييع زمن يسير في السؤال لتحصيل قيام النية أولى.
وأما الاشتغال بعلم فرض الكفاية: فإنه أولى من الاشتغال بالسبب مع الجهل، وإذا أبيح السؤال، وحصل ما يزيد على الكفاية، فإن ادخره لغيره فلا بأس.
وأما لنفسه، فحكمه في طريق القوم: المنع، كان عليه السلام لا يدخر شيئا لغد.
وأما أكل الطيب، ولبس الناعم: فعند قصده لذلك، فهو ممنوع منه، وإن وقع شيء من ذلك، فإن اختار التقشف وإيثار الغيرية، كان في حقه أولى، وإن وافق وأخذ بقدر الضرورة، فلا بأس.
وله أن يأكل بإدام، وله أن يدروز لعائلته ما يتم به كفايتهم، وكذلك لمن يرد عليه من الفقراء.
وحمل الزنبيل له في الطريق شروط:
أحدها: خلوه عن الخط فيه، بل يمتثل ما يؤمر به من المتقدم عليه.
وثانيها: إحضار ما طرح فيه بين يدي من أقامه في تلك الخدمة.
وثالثها: وجود الأمانة فيما يحمله إلى الجماعة حتى يأتي به موفرا لا يخرج شيئا منه لا لنفسه ولا لغيره.
ورابعها: أن يخرج وهو آيس من تعلق الأمل لجهة معينة، بل يقصد الله تعالى في تيسير طلبه.
وخامسها: إن سأل شخصا معينا فلا يقف عنده بعد رده، إما بإباحة أو منع، ولا يفعل كما يفعل العوام من السؤال، ويقول: عاودوهم، فإن القلوب بيد الله تعالى.
وسادسها: إن سأل وهو مار في طريقه فليأخذ ما يعطاه وهو مقبل، ولا يرجع لمن يريد أن يعطيه شيئا إذا ولى عنه، بل إن أراد المعطى يتبعه حتى يعطيه ذلك القدر، فإن رجع وأخذ منه كان خللا فيما التزمه من طريقه.
وسابعها: أن يقصد بسعيه ذلك: وجه الله وإدخال الراحة والمسرة على قلوب إخوانه.
وثامنها: أن يرى لهم الفضل عليه فيما أقاموه فيه، فإنهم اعتقدوا فيه أهلية لما أقاموه فيه.
وتاسعها: أن لا يلتفت إذا مشى، بل يجعل نظره إلى أمامه حيث يضع قدمه.
وعاشرها: إن اختار أن يذكر عند حمل الزنبيل ذكرا معينا، كقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، شيء لله، أو غيره من الأذكار مع قوله: شيء لله، أو يمشى، وهو ساكت.
وصورة المشى فيه كافية في الطلب، أو يجعل الزنبيل على كتفه ويتمشى، فمن وقع له فيه خاطر أن يسأله سأله، فكل ذلك واسع الاعتبار فيه بالعوائد والنيات. والله الموفق.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، انتهى السؤال والجواب.
وقال ابن رشيد: وكان كثير البدار إلى الفتوى، فكثرت أجوبته.
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 1