الشيخ باقر ابن الشيخ جواد الشبيبي ولد في النجف الأشرف سنة 1308 وتوفي في بغداد سنة 1380. نشا في النجف نشأة دينية وأدبية في كنف أبيه فدرس النحو واللغة وأتقن اللغة والأصول، وبرع في الأدب، وبعد إعلان الدستور العثماني تفتقت شاعريته ودخل المعترك السياسي واشترك في بعض الجمعيات السرية العربية التي تألفت قبل الحرب العالمية الأولى. وبعد الاحتلال الانكليزي وقيام الثورة العراقية اشترك اشتراكا فعليا فيها، ومن النجف انطلقت الشرارة الأولى لتلك الثورة فأصدر المترجم جريدة (الفرات) في النجف أسبوعية لتكون لسان الثائرين. وبعد خمود الثورة وتأسيس الحكم الوطني اشترك في إنشاء حزب (الإخاء الوطني) وانتخب نائبا أكثر من مرة. وقد أصيب في السنوات الأخيرة من حياته بعلل اضطرته لإجراء عدة عمليات جراحية، وأقعدته عن العمل طوال ستة أعوام، وألزمته داره، فاعتزل الحياة السياسية والأدبية.
أدبه وشعره
كان كاتبا سياسيا وشاعرا معدودا في طليعة شعراء العراق فمن شعره قوله عندما كان الإنكليز يسيطرون على العراق
في ذمة المجد ضحايا الفرات | وفي سبيل الحق تلك الدما |
بغداد يا قبلة كل الجهات | كيف استباحوك وأنت الحمى |
أبعد هارون وبعد الكفاة | تلوح في أفقك هذي الدمى |
سبحان من غير مجرى الحياة | في هذه الأرض وتلك السما |
غطت على حق البلاد الصريح | سياسة الكيد وغمط الحقوق |
قال لنا الحلف فقلنا صحيح | مع المساواة ونبذ الفروق |
لكنه صيغ بشكل قبيح | يا أيها الصائغ هذا عقوق |
فالويل من وضع هزيل طليح | ولعنة الدهر لأهل الخروق |
لله تلك الثورة الدامية | نتيجة الجهد وتلك الهمم |
بوركت يا نياتنا الصافية | بريئة من كل عيب وذم |
كانت ولكن كانت القاضية | فساءت الحال وعم الندم |
في ذمة التاريخ والعافية | أنهارنا تجري دموعا ودم |
أما رأيتم حالة العامل | يشكو من العيشة ما يقتل |
كم نكبة، كم قدر نازل | كم محنة تنصب كم يحمل |
كم فتنة عمياء في الداخل | تفعل بالمجموع ما تفعل |
ما بالنا في شغل شاغل | من حالة الناس أ ما نخجل |
هذي البلاد وهذا حكمها الذاتي | فلا يغرنكم لطف العبارات |
ليت البلاد التي ثارت مجاهدة | قامت على الهيكل البالي بثورات |
أ كلما نهضت للحق ثائرة | ثارت عليها أعاصير السياسات |
تلاعبت بالأماني وهي مشرقة | أيد تخون الأماني والأمانات |
إن الوزارات أشراك نصاد بها | كيف التخلص من نصب الوزارات |
تصامتت عن سماع الحق معرضة | وأرهفت أذنيها للوشايات |
ما حيلة الناس مظلومين ليس لهم | حرية القول أو دفع الظلامات |
تأتي الخطوب تباعا من تفسخنا | فلنجمع الشمل ولنستقبل الآتي |
كم عثرة في طريق المجد أوجدها | من الحزازات أبناء الحزازات |
ضحى العراق كثيرا في مطامحه | وا حسرتاه على تلك الضحيات |
دم أريق لحفظ المجد ضيعه | أهل الضياع وأصحاب الجرايات |
أهل الفرات أعيدوا الدور ثانية | وقاطعوا الظلم في هذي الإدارات |
المستفيد سواكم من مغانمها | وللمغارم أنتم و العقوبات |
أين الرجال التي أضحت جهودهم | مضاعة عند أشباه الرجالات |
ما مزق الشعب إلا ضعف قادته | على الخطوب ونقص في المفاداة |
ما ألطف الخمر في النادي مشعشعة | وما ألذ مناجاة الملذات |
يقامرون بأموال مكدسة | ويلعبون بأموال وحاجات |
حكومة من فلول الحرب صورها | هذا الزمان على شكل الحكومات |
تجري وراء هواها أو عواطفها | حرصا على شهوات الحكم والذات |
تجبي الغلال من الفلاح واغلة | وتستريح إلى أخذ الجبايات |
قالوا الكفاءة عند القوم ناقصة | أتسمعون صدى أهل الكفايات |
يستكثرون علينا إن نساويهم | وأن نقول رضينا بالمساواة |
لا تعجبوا لسلوك القوم أنهم | بقية السيف في هذي الديارات |
أسماهم الوقت حكاما على بلد | لم يعترف لمعاليهم بميزات |
رهط من الناس لا ينفك دأبهم | بذر الخلاف وايجاد الخصومات |
سادوا البلاد وناموا في قصورهم | ملء الجفون هنيئا نوم سادات |
بلية الحكم مقصورا على بلد | أدهى وأعظم أنواع البليات |
ترى الدوائر في بغداد دائرة | على اقتسام الأراضي والمضخات |
فسجية المستعمرين جميعهم | في المشرقين تعسف وتشدد |
وأقامها العهد العتيد حكومة | هي طبق ما اتفقوا عليه ومهدوا |
وتستروا بالمجلسين فمجلس | طوع البنان ومجلس يتجلد |
أما العراق فان في تاريخه | شرفا يضئ كما يضئ الفرقد |
ليس السكوت من الخضوع وإنما | هذا السكوت تجمع وتحشد |
قالوا استقلت في البلاد حكومة | فضحكت إن قالوا ولم يتأكدوا |
أحكومة والاستشارة ربها | وحكومة فيها المشاور يعبد |
الحكم حكمهم بغير منازع | والأمر مصدره همو والمورد |
المستشار هو الذي شرب الطلا | فعلا م يا هذا الوزير تعريد |
أعلى أساس الرق يعقد حلفنا | وعلى أساس الانتداب يشيد |
تنقلت بأمانينا سياستهم | تنقل الجسم بين السقم والأجل |
فازوا فعادت أمانينا بفوزهم | طيفا وصارت مساعينا إلى الفشل |
ما قيمة الحلف منقوصا يراد به | أن يصبح الحكم مقصورا على رجل |
هل حقق الحلف ما كنا نؤمله | أستغفر الله بل غطى على الأمل |
شلت يد وقعت عمدا معاهدة | صيغت من الظلم واشتقت من الحيل |
صيغت بلندن أطوافا وأسورة | من الحديد وان كانت من الجمل |
تسافل الدهر فالأحكام مضحكة | والحكم في قبضة الأوغاد والسفل |
ما أكبر الفرق شعب بات متكلا | على الزمان وشعب غير متكل |
شتان هذا يهاب الموت من وكل | وآخر غير هياب ولا وكل |
تأبى العروبة إن تبلى كرامتنا | وأن نعد عداد الشاء والإبل |
خلوا العراق فهذا الحكم مهزلة | وأسوأ الحكم ما أفضى إلى الهزل |
هذا أبو الطيب حي خالد | ما مات من أسس دولة الأدب |
احدث في قلب الزمان هزة | لولا المقادير تقيه لانقلب |
سعى إلى المجد فنال رتبة | ما نالها في عصره أهل الرتب |
أدى إلى أمته رسالة | خالدة فانكشفت تلك الريب |
في قلبه النار على أعدائه | أ ما تراه كيف يقذف اللهب |
ما طمحت نفس امرئ طموحه | من طلب العليا وادراك الطلب |
يستهدف السؤدد في نشيده | لا المال من غاياته ولا النشب |
ما اطلع الشرق هلالا بعده | ولا أرانا كوكبا منذ احتجب |
أربى على كل النفوس همة | فمن يجاريه ويبلغ الإرب |
قلب الزمان لم يسع آماله | ضاق بها الكون وضاقت الرحب |
يرمي سهام رأيه فلم تكن | من ذابل النبع ومعوج الغرب |
نوازعا كم نفذت نصولها | إلى المرامي من مقاتل النوب |
صواعق تنصب لا قصائد | وحمم يقذفها من الغضب |
كم ضيق الخناق في نشيده | على الطواغيت فنفس الكرب |
إن أنشد الدهر له قافية | دوى بها الكون وماجت الحقب |
نفض الربيع جماله ونضاره | وكسا الأديم المكفهر بهاره |
وشى مطارفه الحيا متهللا | فيه وطرز بالزهور إطاره |
النهر مطرد المياه تدفقت | في ضفتيه ولاعبت زخاره |
والطل تسقط في الرياض دموعه | والغيث يرسل هطلا أمطاره |
والصبح أطلع للعيون شموسه | بيضاء تلمع والدجى أقماره |
هذا الربيع فما أحيلي ليله | للساهرين وما ألذ نهاره |
يعطيك أبدع ما يروقك نوره | ويريك أجمل ما ترى نواره |
صنعت يداه من الورود حدائقا | غناء فوق نورها وأناره |
الشعر ما نثر النسيم وروده | في الروض أو نظم الحيا أزهاره |
والوحي ما نفح الشذي متعقبا | أو ما شممت ندية اعطاره |
والسحر ما نفض الأصيل شعاعه | أو ما أذاب على الشطوط نضاره |
واللطف ما ملا الحيا أحواضه | أو ما أسأل على الربى أنهاره |
والحسن ما لبس الأديم ملاءة | خضراء أو خلع الربيع عذاره |
إني أحب من الربيع شميمه | وأحب فيه خزامه وعراره |
وأحب نضرته، أحب رواءه | وأحب خفته، أحب وقاره |
وأحب وكاف السحاب إذا بكى | في الريف أضحك دمعه أشجاره |
والشمس تجنح للمغيب أحبها | والبدر يرسل في الدجى أقماره |
وأحب من هذا النهار أصيله | وأحب من ذاك الدجى أسحاره |
والبحر إن ركد النسيم سكونه | وأحب من حركاته تياره |
كل الطيور الصادحات أحبها | وأحب من صداحها أطياره |
أحببت بلبله المتيم حائما | وعشقت وهو على الأراك هزاره |
أثرت بنضرته الشعاب فهل ترى | أحدا يقدر في الثرى آثاره |
أذكراك أم هذي القيامة والحشر | فديناك هل أنت الفقيد أم الذكر |
أبي كيف استوحي الرثاء مفكرا | فمعذرة إن خانني الوحي والفكر |
يقولون ابنه بشعرك أنه | يلذ له من فيك إن ينشد الشعر |
سأنشده من مقلتي قصيدة | برغم القوافي أنها أدمع حمر |
واسكب أحشائي عليه من الأسى | نشيدا وأحشائي إذا سكبت جمر |
دعاني وأسماني فقبلت ثغره | وودع بالإيماء وابتسم الثغر |
هنالك فاضت روحه في سكينة | سلام عليها آية أنها سر |
قضى الله إن تغشى السماء مناحة | ويمتد في قلب السحاب لهقبر |
وما انشق قلب الأفق إلا لأنه | ضريح أعدته الملائكة الطهر |
رويدكم يا حامليه فإنه | بقية عهد كل أيامه فخر |
طوى الموت من نهج البلاغة صفحة | بها طوي الإبداع والأدب البكر |
طواه الردى جيلا أغر وأمة | وميراث هذا الجيل آثاره الغر |
تلاقت به كل العصور مدلة | ففي قلبه من كل ناحية عصر |
حمى لغة الأجداد ثم أذاعها | سوانح اطراها وكرمها النشر |
وأودعها من روحه ومزاجه | معاني قالت للعقول أنا الخمر |
أطل على النادي فأشرق وجهه | وفاحت على الوادي خلائقه الزهر |
حدادا على الوادي فلن يعبق الشذا | وحزنا على النادي فلن يشرق البدر |
وفاضت على جنبيه نفس كريمة | تلوذ بها الدنيا ويعتصم الدهر |
فؤادي في منعاك اسكته الذعر | ودمعي في ذكراك أرسله العذر |
وقفت بهذا الحفل أبكيك فالتوى | علي سبيل النظم وامتنع النثر |
وعندك من فيض الخواطر ثروة | إذا جمعت لم يبق في خاطر فقر |
أبي أنت ميراث العراق وذخره | إذا ذكر الميراث أو حفظ الذخر |
وعى أدب الأجيال صدرك واسعا | ففي ذمة التاريخ ما ضمه الصدر |
قف اليوم واستعرض نديك | حاشدا كما كان يعلوه التواضع لا الكبر |
فكم جذوة في كوة الجند لم تزل | إلى الآن تذكيها المسناة والجسر |
وكم في ضفاف النهر صفت مآدب | من الأدب المطبوع خلدها النهر |
مآدب من زهر الربيع فلا ذوى | ربيع أياديه ولا ذبل الزهر |
سلام عليها أنها أريحية | تفيض وأنفاس هي الورد والعطر |
عهدتك تشتاق الغري وأهله | وتسأل إن طال التقاطع والهجر |
وتستعرض الأحباب حتى كأنهم | أمامك لم يسدل حجاب ولا ستر |
هلم أبي حي الوفود تزاحمت | على الحفل واكتظ الحمى ودوى القطر |
هلم استمع وحي العواطف أو فقم | ليسمع منك الشكر إن أمكن الشكر |
إذا انشدوا الشعر البليغ تذكروا | بأنك موحيه فيمتنع الشعر |
غدت هذه الأوطان وهي مهيضة | تخبط يعروها من الياس ما يعرو |
دعوت لها إن تستقل بأمرها | وتصبح لا نهي عليها ولا أمر |
بلاد جرت أنهارها وشطوطها | لجينا وغطى سطحها الماس والتبر |
معادن أخفاها وقدرها الثرى | فكان لها شان وكان لها قدر |
حبانا بها الوادي فكان وفاؤه | عميما، ولكن الوفاء له نذر |
جرى اليسر دفاقا إلى غير أهله | وحلت بأهليه المجاعة والعسر |
أفيقي بلاد الضاربين بيوتهم | على مفرق الدنيا وقولي كفى السكر |
وغيضي زيوت الرافدين ونفسي | عن الناس، أو فيضي ليندلع الشر |
سلوا دجلة هل في الضفاف خميلة | وهل في شواطيها يرى غصن نضر |
وقولي لها أين الزهور ضواحكا | إذا اندفعت دفاقة أورق الصخر |
دعوها فقد غاض الرجاء وصوحت | حقول ضواحيها وجف بها الغدر |
هذا سريرك لكن أين مثواك | وأين أنت وما ذا في مصلاك |
مناحة شقة الأجواء وانطلقت | تبكيك للملأ الأعلى وتنعاك |
ونكبة تركتنا في محافلنا | ما بين باكية العينين أو باك |
أماه أينك عند الصبح مشرقة | يفيض بشرا على الدنيا محياك |
فلا الصباح صباح عند روعته | ولا النسيم نسيم دون رياك |
ما غاب مرآك عن قلبي وعن بصري | ملء الفؤاد وملء العين مرآك |
قبلت كفيك إجلالا فروعني | أن لا تقبل للتوديع كفاك |
كانت حياتي كالأعياد ضاحكة | فعاد ثغر حياتي غير ضحاك |
لست الحزين الذي تنسى فجيعته | أنا الحزين الذي هيهات أنساك |
ما انفك ثغرك عند الموت مبتسما | كأنما الموت عيد حين وافاك |
يا شعلة النور والآفاق مظلمة | من ألهب الحزن في الدنيا واطفاك |
خلا مصلاك من نجوى محببة | في ذمة الله نجوانا ونجواك |
لله نعشك والدنيا تشيعه | إلى الغري فطوباه وطوباك |
نسري تباعا إلى غاياتنا زمرا | سيان غاية مسرانا ومسراك |
من يستطيع جزاء الأم معذرة | أماه لو كان مقدورا جزيناك |
هذا الذي يبدو على قسماتي | اثر الغرام فما تقول وشاتي |
صوني جمالك عن عيوني وانظري | أني أخاف عليك من نظراتي |
كذب الذين تعبدوك فإنني | وحدي تعبدت الجمال الذاتي |
رفقا بقلبي إن يسيل بأدمعي | فتنبئيه لقد جرت عبراتي |
وضعي يديك على ضلوعي واسمعي | خفق الفؤاد ودقة النبضات |
بصبابتي، بك، بالمحبة، بالهوى | بالشوق، بالحسرات، بالزفرات |
لا تسمعي قيل الوشاة فإنهم | جفت قلوبهم من الرحمات |
وإذا تكاثفت الشكوك فخاطبي | حركات قلبك واقرئي حركاتي |
إني سمعت شكاة قلبك خافقا | أو ما سمعت ظلامتي وشكاتي |
بدمي طلبتك أنت سافكة دمي | أفتنكرين شهادة الوجنات |
بيني وبينك في الغرام قرابة | تفدى بكل علاقة وصلات |
رحماك بالصلة القريبة أنها | في الحب تعصمنا من الشبهات |
حب يغذيه العفاف منزه | عما يدنسه من الشهوات |
تبسم الدهر سرورا وفرح | وطائر الإقبال باليمن صدح |
وأينع الغصن الرطيب مورقا | حتى غدا يخرج باللين المرح |
وزف لي خمر الهنا منادم | وما سوى المبسم للخمر قدح |
ومسكة الخال بطرس خده | كزورق عام بماء وطفح |
يراع حسن خط في وجنته | نقطة مسك طيب رياه نفح |
مذ وقعت في خده مغلطة | قد كتب الحسن على خديه صح |
شرحت لي متن الهوى مطولا | فضاف وسع خاطري وما انشرح |
لحرب عينيك أميل طربا | فلا تقل قلبي إلى السلم جنح |
أكلف البدر على كماله | ورام يحكيك جمالا فافتضح |
وشح لي ذيل الدجى بصده | موشح الخصر فكم جاد وشح |
فيا شحيح الوصل صل فربما | جاد بخيل بالوصال وسمح |
قدحت زند الشوق في جوانحي | فيها سوى ذكرك قط ما انقدح |
يستل من أجفانه صفيحة | أسأل فيها مهجتي وما صفح |
تبلجت عن غسق طرته | فانشق لي من غسق الليل الوضح |
ينضح ماء الورد من وجنته | رب إناء بالذي فيه نضح |
ما لي سوى ريقك من مدامة | فهاتها مغتبقا ومصطبح |
تشابها رضابه وخمره | فلست أدري مم يسقيني القدح |
منحته ودي لولا أنه | أعرض عن قلبي دلالا وصفح |
يا رائشا بهدبه نباله | جعلت قلبي لمراميك شبح |
زندك لم يحسس حصاة كبدي | فكيف بالوجد شراره انقدح |
تطلعت إلى الجو | وقلبي دائم الخفق |
فأبصرتك في السرب | وشاهدتك في الأفق |
بمن سواك كالطير | فهل أنت من الخلق |
أم من عائلة البلبل | أم من مجمع الورق |
إذا غنيت في الحب | فغني باسم من أهوى |
وان لج بك الشوق | فبثيه مع النجوى |
فما شكواك لليل | أيصغي الليل للشكوى |
لانت سلوة النفس | وما أحلى من السلوى |
على الشاطئ صداح | هنيئا لك يا دجلة |
سأرعى النجم للصبح | وأحيي الليل في الحفله |
فأهلا ظبية النيل | ومرحى جارة الرمله |
وبوركت على السير | وهنئت على الرحلة |
إذا أمرك الدل | فقد توجك الطهر |
وان كان لك الكوخ | فقد عاد لك القصر |
وان قلت بك الشعر | فمن إلهامك الشعر |
لك الأمر على القلب | وعينيك لك الأمر |
سلام أم كلثوم | سلام أنت مصباحي |
لقد هيجت أحزاني | كما هيجت أفراحي |
فيا أغرودة الروح | تعالي لست بالصاحي |
أمن يسكر بالحب | كمن يسكر بالراح |
هنيئا لك بغداد | فهذي أم كلثوم |
من الغيد الأعاريب | أتتنا لا من الروم |
لقد أحيت لياليك | بتغريد وترنيم |
فعذرا فرحة النفس | إذا قصر تكريمي |
أعيدي السجع والصدحا | وغنينا إلى الفجر |
فهذي الأنجم الزهر | مطلات مع البدر |
فغني أروع الشعر | وصوغيه من النحر |
فمن نحرك للثغر | ومن ثغرك للنحر |
حمامة هذا الغصن بالله ارجعي | فقد سكنت نفسي إليك ومسمعي |
خذيني إلى الدوح الذي تعتلينه | وإلا فخير العيش إن تنزلي معي |
خذيني إلى الوكر الذي تألفينه | فثم كرى عيني وثمة مضجعي |
خذيني إلى الجو البعيد لعلني | أجاور موجات الأثير المشعشع |
حمامة هذا الدوح والدوح مهجتي | وفي المشرق العالي فؤادي واضلعي |
تربعت ذاك الايك عرشا فليته | أريكتي العلياء أو متربعي |
دعيني فلي تحت الغصون مناحة | ولي فوقها تغريدة المتفجع |
كلانا محب مستهام مودع | حبيبا فيا وجد المحب المودع |
تعلمت منك الشعر والشعر نغمة | تحرك أوتار الفؤاد المقطع |
تعلمته أغرودة مستلذة | تذاب بأنفاسي وتجري بأدمعي |
هي النفس هذبها بما تستطيعه | فليس سواها بين جنبيك من نفس |
وصبح بها الأخلاق فهي غنائم | فإنك لا تدري أ تصبح أم تمسي |
وجدد من الذكر الجميل مراسما | لنفسك واترك دائر الشرف المنسي |
فإنك حي ما نسبت لها الأبا | وانك ميت ما انتسبت إلى الرمس |
وأنت ابن هذا اليوم فاعمل لوقته | فلم تملك الآتي ولم تغن بالأمس |
بكيت على شبابك حين أضحى | ضحية خلقك التعس الذميم |
فتنت الأغبياء بعطف غصن | وطلعة كوكب وبطرف ريم |
زررت البرد أنعم من حرير | على جسم أرق من النسيم |
أناشرة الفروع على متون | خبثت وأنت طيبة الاروم |
أزائنة الطلى بعقود در | مرصعة بلؤلؤها النظيم |
فديتك ما العقود الدر زين | لجيدك بل عقود من علوم |
صوت الشباب وصيتها الصحف | تجري بهم للمجد إن وقفوا |
ما ذا أقول وكيف أذكرها | وبأي وصف مثلها أصف |
إن قلت داعية العلا فلها | ولأهلها العلياء والشرف |
الناطقات ونطقها حكم | والحاكمات وحكمها النصف |
والعادلات فلم يلم بها | كلا ولا برجالها الجنف |
والمنزلات على الأولى ظلموا | رجزا بما ظلموا وما اعتسفوا |
فهي اللواتي أينما ثقفت | تأتي عليهم أينما ثقفوا |
عكفت تندد بالذي فعلوا | وهم على مرضاتها عكفوا |
من كل سائرة مغلفة | كالدر اطلع وجهه الصدف |
لا البحر يمنع إن تخب به | سيرا ولا المتباعد القذف |
المورقات فكل زاهرة | في مجتلاها روضة انف |
بيضاء ما وشيت بأسودها | إلا تلاقى الصبح والسدف |
فإذا ترى لونيهما اختلفا | فالناس من أجليهما ائتلفوا |
عرفوا الحقوق وكل عارفة | فيها ولولاها لما عرفوا |
ولمنكري آياتها كشفت | عن حجة كالصبح فاعترفوا |
كم سددت بالحق أسهمها | لكن قلب الباطل الهدف |
الداعيات لكل سالفة | غراء أبقاها لنا السلف |
أخلاق علامين إن وعدوا | لم يخلفوا حاشاهم الخلف |
قوم إذا ما الضيم أوترهم | نهضوا له بالعزم فانتصفوا |
لا يتلف المعروف بينهم | هيهات بل يحمى ولو تلفوا |
لا يأسفون على فنائهم | فيه وحق عليهم الأسف |
لهم إلى العلياء متجه | وبهم عن الفحشاء منصرف |
لم يتبعوا بالحلف قولهم | فإذا دعوا فالصدق إن حلفوا |
ترفت ضمائرهم فما بطروا | فيها ولا أغواهم الترف |
كم مفخر أبدوه مخترعا | لله ما اخترعوا وما اكتشفوا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 530