التصنيفات

الوزير أبو نصر شرف الدين أنوشروان ابن خالد بن محمد القاشاني وزير المسترشد
توفي سنة 532 في قول ابن الطقطقي في الفخري وصاحب شذرات الذهب وقال ابن الأثير في الكامل توفي في صفر سنة 533 معزولا ببغداد وحضر جنازته وزير الخليفة فمن دونه ودفن في داره ثم نقل إلى الكوفة فدفن في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
أقوال العلماء فيه
ذكره الشيخ منتجب الدين بن بابويه في فهرسته فقال الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد فاضل (انتهى) وقال ابن الأثير في تاريخه في حوادث سنة 533 فيها توفي الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد وكان رجلا عاقلا شهما دينا خيرا وزر للخليفة المسترشد وللسلطان محمود وللسلطان مسعود وكان يستقيل من الوزارة فيجاب إلى ذلك ثم يخطب إليها فيجيب كارها وكان فيه تشيع وهو كان السبب في عمل المقامات الحريرية (انتهى) وفي شذرات الذهب أنوشروان بن خالد الوزير أبو نصر القاشاني وزر للمسترشد وللسلطان محمد وكان من عقلاء الرجال ودهاتهم وفيه دين وحلم وجود مع تشيع قليل وكان محبا للعلماء موصوفا بالجود والكرم أرسل إليه القاضي الارجائي يطلب فيه خيمة فلم يكن عنده فجهز له خمسمائة دينار وقال اشتر بهذه خيمة فقال

(انتهى) وفي الفخري كان رجلا من أفاضل الناس وأعيانهم وأخيارهم تولى الوزارة للسلاطين وللخلفاء وكان يستقيل من الوزارة فيجاب إلى ذلك ثم يخطب لها فيجيب كارها هو الذي صنف له ابن الحريري المقامات الحريرية واليه أشار في أولها بقوله فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم. وكان أنوشروان بن خالد كثير التواضع مشهورا بذلك ويقوم لكل من يدخل عليه فهجاه ابن الهبارية الشاعر بقوله هذا
وفيه يقول أيضا يشير إلى كثرة قيامه
قال وكان بين أنوشروان بن خالد وبين الوزير الزينبي عداوة وتباغض وتنافس على الوزارة، فعزل الوزير الزينبي وتولى أنوشروان بن خالد فتقرب الناس إليه بثلب الزينبي، فدخل الحيص بيص الشاعر عليه وأنشده قصيدة لها:
يشير إلى أنوشروان والى الزينبي، فاستحسن الناس منه ذلك واستدلوا به على وفائه وحريته، ثم إن أنوشروان بن خالد مات وأعيد الزينبي إلى الوزارة، فتقرب الناس إليه بمسبة أنوشروان، فدخل عليه الحيص بيص وأنشده
وفي مجالس المؤمنين نقلا عن تاريخ ابن كثير الشامي أنه وزر للخليفة المسترشد وللسلطان محمود الغزنوي وكان رجلا عاقلا مهيبا عظيم الخلقة كريما شيعي المذهب وكتب الحريري المقامات بإشارته وباسمه وله قصائد في مدحه. وفيه عن كتاب تاريخ الوزراء كان شرف الدين المذكور وحيد زمانه في أقسام الفضل والأدب والتبحر في لغة العرب وكان يصرف كثيرا من أوقاته في مطالعة كتب العلوم العقلية والنقلية وله قدم ثابتة في جادة الأمانة والتقوى طول عمره ومع علو شانه لم ير منه عجب ولا نخوة أبدا وزر للسلطان محمود والمسترشد العباسي وبعد شهادة المسترشد ثم وزر للسلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه مدة سبع سنين ولكن بواسطة كثرة تواضعه وتجنبه عن إيذاء الناس نسب إلى الضعف. وتجرأ عليه جماعة يوما وسفهوا فلم يجبهم فقال البواب لا طاقة لي على هؤلاء وأجابهم (انتهى) وفي كتاب تاريخ دولة آل سلجوق للعماد الأصفهاني الكاتب محمد بن محمد بن حامد اختصار الفتح بن علي بن محمد البنداري الأصفهاني أشياء كثيرة تتعلق بترجمة أنوشروان هذا وبيان جملة من أحواله وهو كتاب مسجع على عادة أهل ذلك العصر لكننا حذفنا جملة من أسجاعه ونقلنا منه ما يتعلق بانوشروان ويظهر من هذا المختصر إن لأنوشروان المذكور كتابا في تاريخ السلاجقة بالفارسية حيث قال فيه قال الإمام عماد الدين محمد بن محمد حامد الكاتب الأصفهاني لما كان الكتاب الذي صنفه أنوشروان الوزير عربته وهذبته وقد انتهيت في هذا الموضع إلى مفتتحه وصلت هذه الجملة التي ذكرتها به وجعلتها طريقا إلى دخول بابه لكنني عند انقضاء أيام كل سلطان أوردت حوادث أخل أنوشروان بذكرها (انتهى) ثم ابتدأ بأيام ملكشاه بن الب أرسلان ثم ذكر الحرب التي وقعت بين بركيارق بن ملكشاه وعمه تتش بن الب أرسلان التي انكسر فيها تتش قال أنوشروان كنت مع بركيارق في المصاف وذلك في 17 صفر سنة 488 عند قرية يقال لها داشلو على 12 فرسخا من الري إلى آخر ما ذكرناه ثم قال أنوشروان وكنت قد فجعت بمصرع مؤيد الملك وزير السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي وأثر في قلبي مؤلم ملمه حتى حصلت بالبصرة فأقمت بها مدة ثلاث سنين وصادفت أخوانا صادقين في جملتهم الشيخ الإمام أبو محمد القاسم بن علي الحريري صاحب المقامات يوافقني في الجد والهزل وفي هذه المدة التي أقمت فيها بالبصرة درج بركيارق في ربيع الآخر سنة 498 فتفرد بالسلطنة أخوه محمد قال أنوشروان فجاءني يوما توقيع سلطاني على يد أمير من بعض الخواص فاستدعاني واستدناني فوصلت إلى بغداد والسلطان محمد بها إلى إن قال وسرت في الخدمة لما ساروا إلى أصفهان. ثم قال أنوشروان وأنا ولاني السلطان الخزانة فإنه استدعاني إلى خلوته وخصني بكرامته وسلم إلي خزائن ممالكه وكان هؤلاء الأكابر إنما يصلون إلى السلطان في الباركاه إذا جلس لعامته وأنا اختص بخلواته وأستسعد بمحادثته فعظمت وجاهتي بمواجهته وحسدني أكابر الدولة على منزلتي وانتظروا زلتي ومزلتي، واتفق إن الأمير السيد أبا هاشم الحسني رئيس همذان قد تغير عليه رأي السلطان لوشاية فقرروا عليه سبعمائة ألف دينار، قال أنوشروان فأمرني السلطان بالمسير إلى همذان لاستيداء هذا المال. وعاد السيد أبو هاشم وهو شيخ كبير فمحضت له النصح ووعدته بالسعي في إصلاح حاله ونقد سبعمائة ألف دينار عتيق في سبعة أيام من موجود خزانته ولم يستعن بأحد وحثنا على المسير فحين أوصلت المال إلى خزانة أصفهان ولقيت السلطان شافهته بحقيقة أمره وعرفته اختلاق أهل الأغراض الباطل في حقه فأمر السلطان بإعادته إلى رئاسته وسير إليه الخلع السنية والتشريفات اللائقة بشرفه، ولما حصل ذلك المبلغ في الخزانة سلمها إلي وعول في دخلها وخرجها علي فتوليت الخزانة. ثم قال وكنت متوليا لعرض الجيش فنقل هذا المنصب مني إلى شمس الملك بن نظام الملك بعد إن أخذ منه ألفي دينار خدمة أوصلها إلى الخزانة. ثم قال ولما كثر تعجبي من السلطان يتأنق في تخير كلاب الصيد، فسال عن فروعها وأصولها فما باله لا يتخير لديوانه ومراتب سلطانه ذوي الكفاءة ومن عرقه كريم ومجده قديم لقد كان هؤلاء أولى بالاختيار فإنهم أمناء مملكته. ثم قال قال الصادق عليه السلام كل شيء يحتاج إلى العقل إلا الدولة فيمكن إن يكون أراد به الإمام جعفر الصادق أو النبي صلى الله عليه وسلم قال في الكتاب المذكور.
ذكر جلوس شرف الدين أنوشروان
بن خالد في نيابة الوزارة
قال أنوشروان فراسلني السلطان بخادم من خواصه وشكا من الوزير خطير الدين محمد بن الحسين الميبذي وقال هذا الوزير قد أيست من فلاحه وقد عرفت يا أنوشروان طريقتك وأنا أوثر إن تنوب من قبلي في الوزارة فقبلت الأرض وقدمت عذرا لائقا بالحال فلما أنكره سارعت إلى الامتثال وجلست في النيابة عن الوزير على الكره منه فأجلسني في الديوان مكرما وعلى الصدور مقدما لكن الوزير اعتقد أني للسلطان عليه عين فهو يستثقلني وكانت صحبته لي على مضض وصدور الديوان عن يمينه ويساره مؤثرون لايثاره يبدون لي بشرا ويضمرون لي شرا واتفقت كلمتهم مع اختلاف طبايعهم على مضادتي فما اشتريت بشعيرتين سبالهم ولا شغلت بالي بما شغلوا به بالهم. ولما عجزوا عن إيقاعي في مصائد المكايد شرعوا في تعويق الرسوم والفوائد وتوقفوا في توجيه واجباتي من الديوان وتوافقوا على قطع ما أطلق لي من صلات السلطان فكنت أتسلى بقول القائل
ولم أخل من قصد الجماعة وكانت تأتي منهم قوارص الأذية ثم قال إن السلطان تغير رأيه في وزيره الخطير فعزله وسجنه وجمع أمراء دولته وفاوضهم في وزير يفوض إليه وزارته قال أنوشروان فاجمعوا على إن أكون المتكلم عنهم وكان رأيي مائلا إلى مثل ما حكي عن المعتضد أنه كان قد حرض على عبيد الله بن سليمان وسعي عنده عليه وكان يقول إذا فكرت فيما ينقض من التدبير ويضيع من الأمور بين صرف وزير وتقليد وزير وإن كان المتقلد اكفى اضربت عن نكبته فاتفقوا على إن أكون الناظر في الأمور وبقيت الرعية مرعية والسيرة رضية مرضية والدهماء ساكنة والغبراء آمنة قال أنوشروان وكان قد بقي من أيام عمر السلطان أربعون أو خمسون يوما وقد استحصد زرعه وانتسخ شرعه واتفق موت الكفاة وتناثروا تناثر ورق الخريف وتفرقوا تفرق سحاب المصيف ثم مات السلطان أواخر سنة 511 وجلس مكانه ابنه محمود. قال أنوشروان وتقدم الوزراء للتهنئة وأنا أيضا أقمت رسم التهنئة واستوزر كمال الملك ثم قتل سنة 515 فاستوزر شمس الملك وانشد فيه أنوشروان:
المستشفى السيار في الإسلام قال
أنوشروان وتولى أحمد بن حامد منصب الاستيفاء (وزارة المالية) ومن جملة مبتدعاته في الخير أنه جعل للمعسكر السلطاني بيمارستان يحمل آلاته وخيامه وأدويته والأطباء والغلمان والمرضى وغير ذلك.
دار الأيتام في الإسلام
ومن جملتها أنه بنى بمحلة العتابين ببغداد مكتبا للأيتام ووقف عليه وقوفا والأيتام مكفولون منها إلى إن يبلغوا الحلم بالنفقة والكسوة والطعام وتعلم الآداب وحفظ القرآن ومعرفة الحلال والحرام.
قال وتولى أبو القاسم الأنساباذي ديوان العرض وكان أنوشروان عارضا وهو غائب وفي مقامه عنه نائب. قال أنوشروان كنت أنا قد تخلفت في بغداد في ذلك الأوان لشغل فاجتمع هؤلاء القوم واغتنموا غيبتي وأخذوا بأخذي وتعويقي توقيعا وشنعوا على عملي وعملوا شنيعا وكان مضمون المثال السلطاني إن أنوشروان إن كان في حدود بغداد ألزم بيته بباب المراتب ومنع الناس من لقائه وان كان قد وصل إلى بلاد الجبل فيقعد في ولاية الأمير برسق بقلعة كفراش ويشترط عليه إن لا يطلب المنصب والمعاش ويحضر مماليكه إلى الدركاة لينتقلوا إلى الخواص منالأمراء ويحمل ثقلهم عنه مع الانزواء وكتب الوزير بخط كاتبه إن شغل العرض قد فوض إلى الدركزيني فتختم جميع دفاتر العرض وأوراقها وتنفذ حتى تسلم إليه. قال أنوشروان وانهضوا إلى طريقي جماعة من الفرسان لولا إعظام الأمر السلطاني المطاع لما رعيت حرمة أولئك الرعاع ولعادوا وحكموا أنهم لقوا مني رجلا ولركبوا من الخوف الليل جملا فامتثلت الأمر وسلمت إليهم موجودي وخرجت من مالي كالشعرة من العجين ووقع الهجان بتوقيع الهجين وسلمت نفسي إلى الحبس ثم إن السلطان قتل الوزير شمس الملك في آخر ربيع الأول سنة 517 بباب بيلقان. قال أنوشروان وكان الذي جرى علي من الأخذ والنهب بباب حلوان أيضا في آخر ربيع الأول سنة 516
قال أنوشروان وفي تلك المدة استدعاني السلطان إلى بابه وانتهت شدة حالي وانقضت مدة اعتقالي وأنقذني اللطف الرباني من كيد الخصوم وعرفتني التجارب أنه لا محيد من المحتوم وعلمت أنه لا يجدي طلب العز في زمان الذل ولا يوجد الخصب في سنة الأزل وصممت في الاعتزال حد العزم ونزلت على آل المهلب ذوي الكرم والفضل والعلم كما قيل
ويعني أنوشروان بال المهلب الإمام صدر الدين عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي بأصفهان وكان أجود الأمجاد وأمجد الأجواد فلما ضافه أنوشروان أكرم مثواه وقبله وآواه. قال أنوشروان فصرف إلي الأصدقاء الهمم، وحقق إكرامهم عندي الكرم، واستقرضت من تاجر غريب جملة، وكتبت له علي وثيقة، فجاءني بعد حين إنسان وقال مخذومي عز الدين يسلم عليك، وقد نفذ هذه الوثيقة إليك، وقال لك ابطلها فان الدين قد قضي، وصاحبه قد رضي، فعجبت كيف توسل إلى إسداء هذه اليد إلي، وإفضاله علي فبقيت مدة في تلك الضيافة، آمنا من المخافة، سالما من الآفة، حتى استدعاني السلطان بعد قتل الوزير، وأهلني للتدبير، فامتنعت أياما وطلبت من الخطر ذماما، ولما وصلت إلى الدركاة رأيت كلا من الجماعة، يقول ما استحضر إلا لسبب، وما استقدم إلا لا رب. قال فراجعت فكري وندمت في أمري، وقلت أعمال السلطان عواري لا بد من ارتجاعها، وملابس لا بد من انتزاعها، ولو خلصت فرحت فرحت، ولو استخرجت الله في الانزواء لاسترحت. وكان السلطان في الإذن لي متوقفا، وأنا قد ملت إلى الوحدة والانفراد، وقصرت همتي على هذا المراد، فما زلت به حتى استأذنت منه فأذن في الانصراف، وخصني من مواعيد عوائده الجميلة بالألطاف، فساعدني أرباب الدولة من الخيل وغيرها بما حمل أثقالي، ومن الأزواد وغيرها بما ثقل أحمالي، وتوجهت من أصفهان إلى بغداد، وعدمت الملاذ لأجل الملاذ، فلما وصلت إلى حضرة الخلافة وجدت الإكرام والإنعام والاحترام. قال
واستوزر السلطان محمود الوزير الدركزيني سنة 518 ثم قبض عليه واعتقله واستدعى شرف الدين أنوشروان بن خالد بن محمد من بغداد فلما حضر واستوزر حمل الدركزيني إلى داره على حاله وصيره في اعتقاله. وكانت في أنوشروان ركاكة ظاهرة ووضاعة لخلق الرفعة قاهرة فلما تسلم الدركزيني ضرب له في داره الخركاه وأذن لكل صاحب له إن يدخل إليه ويلقاه وكان في كل يوم يدخل إليه ويجلس بين يديه ويخاطبه بيا مولانا وأنت أولى منا بالمنصب الذي خصنا به السلطان وأولانا فسقطت حرمته وذهبت هيبته واتضعت وزارته وعرفت حقارته وخيف عود الدركزيني بعد سلامته فشرعوا في إعادته وهو جالس في دار أنوشروان والناس منتابون إليه فما شعر أنوشروان حتى اخرج من داره ورد إلى الوزارة وأذن لأنوشروان في العود إلى موضعه فرأى الغنيمة في الإياب وكانت وزارته سنة واحدة قال المؤلف لا يجوز نسبة أنوشروان في ذلك إلى الوهن والضعف كما يظهر من صاحب الكتاب بل ظاهر حاله أنه لم يوقع مكروها بالدركزيني من قتل فما دونه تورعا وخوفا من الله تعالى أو حبا بالعفو والحلم لا قلة تدبير وضعف عزم، قال والآن اذكر ما ذكره أنوشروان عن نفسه في كتابه. قال أنوشروان كنت اتخذت بغداد مدينة السلام دار المقام وأنا من حفظ الله في أوفى ذمام فجاءني كتاب السلطان محمود وخاتمه ووصل رسوله وخادمه يستحثني في الوصول إليه ويستعجلني في المثول بين يديه فحين حضرت الخدمة شافهني بالتقليد وخصني بأمره الأكيد وكمل لي تشريف الوزارة وخلعها وأدواتها محلاها ومرصعها ودواة الذهب والسلاح المجوهر. فجلست في الوزارة سنة وأشهرا لا أقدر على الخطاب في مصلحة. ولا على التنفس بفائدة مترجحة. وصاحبا يميني ويساري الشهاب أسعد الطغراني والصفي أبو القاسم المستوفي والأمير الحاجب الكبير حينئذ أرغان. وامرأته خلف الستر قهرمانة السلطان. فلما رأيت اتفاقهم على ما هم فيه قلت في نفسي لا يظهر لي مع الناقصين فضل. ولا يقبل منهم صرف ولا عدل. فاستعفيت واخترت العزل على التولية. وأخذت نفسي عن الولاية بالتعزية والتسلية. ونقضت يدي من صحبتهم. وقلت العفاء على تربتهم ورتبتهم. وعاد الدركزيني إلى الوزارة فإنه أرغب أرغان الحاجب بالرشى. ومشى به غرضه فمشى. ورجع كالكلب الكلب. والبغل الشغب. وهابه من لم يكن يهابه. وامتلأ باللؤم والشر إهابه. قال فعدت إلى بغداد مستأنسا بالوحشة. آلفا بالوحدة. فلما وصل الدركزيني إلى بغداد اجتهد إن ينالني شره. فعصمني الله من كيده لإساءة إليه مني سبقت. ولا لضغينة علي بقلبه علقت. فاني كنت أسلفته في حال حبسه وعزله إحسانا. وقلدته امتنانا. ولم اترك في الإنعام إمعانا. ولما كلأني الله من غائلته مد يده إلى مالي وأنزل النوائب بأسبابي. وقد كنت بنيت على دجلة دارا فادعاها لنفسه ملكا. واستحضر عدولا شهدوا له بالملكية زورا وإفكا. وانتقل إلى الدار بحكم الشرع. وصير باطله حقا ببيناته الكاذبة في الأصل والفرع.
ثم خرج السلطان محمود من بغداد فمرض في الطريق وتوفي في شوال سنة 525 وجلس بعده على سرير الملك بهمذان أخوه طغرل بن محمد بن ملكشاه في جمادى الآخرة سنة 526 ووزيره أبو القاسم ناصر بن علي الدركزيني الأنسابادي ثم قتله طغرل واستوزر علي بن رجاء ثم توفي طغرل أوائل سنة 528 وجلس بعده على سرير السلطنة أخوه مسعود بن محمد بن ملكشاه وكان مسعود قد وصل إلى دار الخلافة في حياة أخيه وخطب الخليفة المسترشد بالله له آخر المحرم سنة 527 وكان المسترشد قد استوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد، فلما وصل مسعود إلى دار الخلافة خطب له سفر أنوشروان وهو وزير الخليفة في مهامة وقال له المسترشد من لم يحسن سياسة نفسه لم يصلح لسياسة غيره قال الله تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره؛ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} فأعاد عليه الوزير بالفارسية فأكثر من الدعاء. ثم رأي الخليفة عزل أنوشروان واستيزار علي بن طراد الزينبي فجلس في بيته مكرما ثم اجتمع بالسلطان مسعود فاستوزره ولم تطل أيامه في الوزارة وكان معهد الملك به غير مستتب العمارة ولا لنقص فيه بل لتغير القواعد وتكدر الموارد فعزل وما انتقل عن داره حتى تحول إلى جوار ربه وانتقل (انتهى ما ذكر في تاريخ آل سلجوق من أحوال أنوشروان الوزير).
وقال في كتاب تجارب السلف ما ترجمته الخواجة أنوشروان بن خالد أصله من كاشان وكان يصرف غالب أوقاته بمخالطة الأفاضل والعلماء وبنى في كاشان مدرسة جميلة ووقف عليها كثيرا من الكتب والأملاك، ومن مصنفاته كتاب نفثة المصدور في فتور زمان الصدور وصدور زمان الفتور وهو مع هذا الاسم مختصر، وفي سنة 674 لما كان هذا الفقير مصنف الكتاب تجارب السلف حاكما في كاشان نيابة عن أخي سيف الدولة الأمير محمود كانت هذه المدرسة معمورة، أما الآن في المحرم سنة 724 فقد سمعت إن هذه المدرسة قد صارت خرابا والمكتبة تلفت غفر الله لمن يعيدها (انتهى).
ولا ندري إن كان كتاب تاريخ السلاجقة هو كتاب نفثة المصدور نفسه أم غيره، والظاهر أنه غيره.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 504

أنوشروان وزير المسترشد أنوشروان بن خالد بن محمد القاشاني أبو نصر الوزير، ولد بالري سنة تسع وخمسين وأربعمائة وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. تنقلت به الأحوال إلى أن ولي وزارة السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه سنة سبع عشرة وخمسمائة، وقدم معه بغداد واستوطنها وكان يسكن الحريم الظاهري في دار على شاطئ دجلة، وعزل عن الوزارة ثم أعيد إليها وكاتبه السلطان بالتوجه إلى المعسكر، فمضى إلى حضرة السلطان وأقام معه وزيرا ومدبرا إلى أن عزله، ثم قبض عليه واعتقله، ثم أفرج عنه وعاد إلى بغداد واستوزره الإمام المسترشد أواخر سنة ست وعشرين، وأقام مدبرا إلى أن عزل سنة ثمان وعشرين وأذن له في عوده إلى داره بالحريم الظاهري فمضى معزولا مكرما، وأقام في منزله إلى حين وفاته. وكان من الصدور الأفاضل موصوفا بالجود والإفضال محبا لأهل العلم، وكان قد أحضر إليه أبا القاسم ابن الحصين إلى داره ليسمع أولاده منه مسند ابن حنبل بقراءة أبي محمد ابن الخشاب وأذن للناس عامة في الحضور لسماعه، فحضر الجم الغفير وسمعه خلق كثير. وقد حدث ببغداد بشيء يسير عن أبي محمد عبد الله بن الحسين الكامخي الساوي. ولابن جكينا البرغوث. -وهو الحسن بن أحمد- فيه أمداح وأهاجي، فمن أمداحه فيه قوله:

وكتب إليه القاضي ناصح الدين الأرجاني يطلب منه خيمة فلم يكن عنده، فبعث إليه صرة فيها خمسمائة دينار، وقال: اشتر بها خيمة! فقال الأرجاني:
وكان يتشيع. وكان هو السبب في عمل مقامات الحريري، وإياه عنى الحريري بقوله: فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 9- ص: 0

أنو شروان ابن خالد، الوزير الكبير، أبو نصر القاشاني.
وزر للمسترشد، ووزر للسلطان محمود بن محمد.
وكان عاقلا سائسا رزينا، وافر الجلالة، حسن السيرة، محبا للعلماء.
أحضر ابن الحصين إلى داره، فسمع أولاده ’’المسند’’ بقراءة ابن الخشاب، وسمعه خلق.
وقد حدث عن الساوي.
روى عنه الحافظ ابن عساكر.
ثم أسن وتضعضع، ولزم المنزل، وكان مهيبا، عظيم الخلقة.
توفي سنة اثنتين وثلاثين وخمس مائة.

  • دار الحديث- القاهرة-ط 0( 2006) , ج: 14- ص: 433