التصنيفات

السيد أمير علي‏ ولد في موهان من إقليم أود في 6 نيسان 1849 م وتوفي أول آب سنة 489 1928 م هو علم من اعلام التفكير الإسلامي، القاضي الهندي الأشهر توفي فجاة في مصيفه في سوسكس من أعمال انكلترا بعد حياة باهرة في التشريع والتفكير والكتابة، ففقدت الهند بفقده زعيما من أنبه زعمائها وفقد الإسلام قطبا من أقطاب تفكيره ودعوته.
قضى أمير علي زهاء نصف قرن يجاهد في سبيل الإسلام، وبث دعوته والتعريف عن مبادئه وأحكامه، وفي العمل على إنهاض الشعوب الإسلامية وتقدمها المعنوي ورفاقتها المادية، وكان سلاحه في ذلك قلمه الفياض ثم نفوذه السياسي الذي غنمه بذكائه وبيانه واعتداله.
وربما كانت السبيل التي اختارها أمير علي لتحقيق هذه الأمنية خير سبيل يوم ان نشط إلى الجهاد فقد كانت الأمم الإسلامية يومئذ ترزح تحت ضروب مرهقة من الانحطاط العقلي والمادي، وكان الغرب قد أحكم أغلاله حول أعناقها من كل صوب، ولم تكن قد جاشت بعد بنزعات قوية إلى التحرير والاستقلال وكانت أوروبا تعامل الشعوب الإسلامية بروح التعسف والتحامل وهو ما يرجع من وجوه كثيرة إلى خطا في فهم روح الإسلام ومبادئه وآدابه، وإلى التمسك بكثير من الآراء والنظريات العتيقة التي ورثتها أوروبا الحديثة عن العصور الوسطى فكان أجل ما تخدم به الشعوب الإسلامية في مثل هذه الظروف هو التعريف عن الإسلام وروحه ومبادئه الحقة والتعريف عن تاريخ المجتمعات الإسلامية وما قامت به في سبيل العلم والمدنية.
وهذا ما أخذه أمير علي على نفسه. وربما كان أمير علي بنشاته وتكوينه الفكري خير من يؤدي هذه المهمة وكان في الواقع خير من أداها من مفكري الإسلام المحدثين فهو سليل أسرة عربية تنتمي إلى آل البيت استقرت أولا في فارس وكان عميد الاسرة محمود صادق خان من كبراء البلاط الفارسي في عهد الشاه عباس وأنظم أحد بنيه أحمد فاضل إلى جيش نادر شاه حينما غزا السند في أواسط القرن الثامن عشر ثم دخل في خدمة سلطان دهلي حينما ارتد نادر شاه إلى فارس وأمير علي هو الحفيد الرابع لهذا الجندي.
ولد من أب مسلم هو سعادة علي وأم انجليزية هي ايزابيل ادا.
ودرس أولا في كلية جوهلي في كلكوتا ونال أعلى درجاتها في‏التاريخ‏والأدب‏ ثم ذهب إلى لندن ودرس‏القانون‏و نال اجازته في سنة 1873 واشتغل بالمحاماة في كلكوتا بادئ الأمر فظهر فيها ولم يلبث ان اختاره ولاة الأمر استاذا للشريعة الإسلامية في كلية كلكوتا ثم عين مديرا لمدرسة الحقوق بها.
وفي سنة 1890 عين مستشارا في محكمة البنغال العليا فكان أول هندي جلس في هذا الكرسي وفي سنة 1904 اعتزل القضاء وعاد إلى انجلترا وأقام في لندن وكان اسمه قد ذاع يومئذ. ولفت أنظار ولاة الأمر في الهند وانجلترا بخدماته القضائية وكتابته‏الفقهيةو مقدرته النادرة في الكتابة الإنجليزية فعين في سنة 1909 مستشارا ملكيا في المجلس المخصوص وانتدب للعمل في لجنته القضائية واعترض بعض ذوي الكلمة يومئذ على اختياره لمنصب لم يتشرف بتقلده حتى اليوم سوى الإنجليز ولكن الحكومة البريطانية رأت بحق أن يشترك اعلام المشترعين في مصالح الملايين من الهنود فكان أمير علي أول من ظفر بهذا المنصب السامي وقد أبدى في تقلده كفاية تسجلها له أحكامه القوية وما تضمنت من منطق متين وفقه مستنير.
ولم ينس أمير علي أثناء حياته‏الفقهيةالطويلة ان يخص بكثير من نشاطه الفكري والسياسي أمنيته الكبرى التي جاشت بها نفسه منذ الساعة الأولى وقد رأيت ان هذه الأمنية هي العمل على إنهاض الشعوب الإسلامية وترقيتها من الوجهتين المادية والمعنوية وذلك من طريق بث الدعوة الإسلامية والتعريف عن الإسلام في أوروبا وإيجاد نوع من العطف على الشعوب الإسلامية يستند إلى تقدير سليم لتراثها الروحي والعقلي بل لقد شغلت هذه المهمة نشاط هذا المفكر الكبير حتى ملأت كل فراغ حياته الحافلة.
وغدا اسمه علما لها في الغرب، وتفقه في‏الكلام‏و الشريعة والأدب العربي‏ وبرع في‏القانون‏و الآداب الإنجليزية.
وكانت أقلام المستشرقين تعرض من الإسلام ومجتمعاته على أوروبا صورا مختلفة ولكنها غالبا تطبع بطابع العقلية الغريبة وكثيرا ما تشوبها نزعات من التحامل. ولكن أمير علي كان نموذجا فريدا للمفكر الإسلامي الكبير أشربت نفسه مبادئ الإسلام الحقة، واستنار مع ذلك بالروح العلمية الغربية، فكان لهذا المزيج السعيد أثره العميق في كل ما أخرج للغرب من آثار ترمي كلها إلى التعريف عن الإسلام وتراثه وشعوبه.
والواقع ان أمير علي وقف قلمه القوي الفياض على أداء هذه المهمة.
فلم يكتب الا في الإسلام وأحكامه وفي سيرة النبي العربي ومناقبه وفي تاريخ الأمم الإسلامية وقد نزل هذا الميدان منذ فتوته ولم يترك التجوال فيه مدى حياته. فاخرج منذ سنة 1872 باكورة جهوده في رسالة نقدية في حياة النبي وتعاليمه أحرزت نجاحا لاسلوبها المتين ومنطقها القوي وفي سنة 1889 اخرج كتابه في مختصرتاريخ‏المسلمين وهو صورة بديعة لتاريخ الدول الإسلامية صيغت في بيان متين يفيض بلاغة ورقة، وفي مقدمته يقول: ان المسلمين أقرب إلينا في العصر من جميع الأمم القديمة التي دفعت الفتح إلى قارات شاسعة وتركت من أعمالها في صحف التاريخ آثارا لا تمحى وأفاضت على عالم التفكير من اكتشافها وعلمها. وما زالت أوروبا الحديثة تهتدي بالوصية التي تركوها وبالتراث العقلي الذي خلفوه. فمن دواعي الأسف إذا ان يكون العلم بتاريخهم في الغرب قاصرا في الغالب على الاخصائيين بينما هو لا يكاد يعرف في الهند وهي بلد كان في عصر من العصور ميدان نفوذهم وحضارتهم.
ويجب لكي نلفت النظر ونستمد العطف ونثير الاهتمام ان نعني بأكثر من سرد مجرد الحروب والغزوات، خصوصا بالنسبة لشعب لم يجر التعريف به منذ الطفولة كما هو الشأن بالنسبة للرومان واليونان ورب كتاب يعنى بدرس ما استقته الحضارة المحدثة من حضارتهم يفيد في إزالة كثير من ضروب التحامل وشي‏ء من المرارة التي خلفتها خصومات القرون. في هذه العبارة يفصح أمير علي عن غايته بجلاء ومن يقرأ هذا المجلد الضخم الذي يصفه مؤلفه بالمختصر يدرك إلى أي حد وفق أمير علي في كتابة هذا التاريخ الذي هو أحدث وأدق وأمتن خلاصة كتبت في تاريخ الإسلام ومدنيته.
وقد رأيت أن أمير علي تخصص في دراسةالقانون‏و تفقه في الشريعة الإسلامية وحاز مراتب القضاء إلى ارقاها، فكان طبيعيا ان تحرك الذهنية الفقهيةقلمه. على انه لم يغفل هنا أيضا مهمة التعريف عن الإسلام فعمد إلى شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية في كتاب ضخم ذي 490 مجلدين واتبعه بمختصر الشريعة للطلبة فجاء مجهوده في هذا السبيل خدمة جليلة للقضاء الشرعي في الهند رفعت كثيرا من الغموض الذي كان يقترن بتدريس الشريعة وتطبيقها على يد قضاة من الإنجليز قلما يدركون روح التشريع الإسلامي وما زال كتاباه إلى اليوم حجة الطلاب والقضاة.
وفي سنة 1893 أخرج أمير علي أقوى كتبه وأعظمها وهو كتاب روح الإسلام أو حياة محمد وتعاليمه وهو مؤلف ضخم يعرض فيه بالدرس والتحليل لترجمة النبي عليه الصلاة والسلام وأصول الإسلام وفرائضه وفكرته في الالوهية وأحكامه في الأحوال الشخصية والاجتماعية، وفكرته في البعث، وروحه القومية، والسياسة والعلم والأدب والفرق الإسلامية وفلاسفة الإسلام، وفيه يبلغ ذروة الافتنان والاجادة في دقة التصوير وسلامة التدليل، وروعة البيان، ولا سيما في مقدمته التي هي قطعة من أقوى وأبدع فصول الكلام. أما ناحية الإسلام الاخلاقية فقد تناولها في كتاب آخر ظهر في نفس السنة هو آداب الإسلام الذي يعتبر تتمة لكتاب روح الإسلام.
ويجب ان نعرف أن أمير علي أخرج كتبه كلها باللغة الإنجليزية، وانه كتبها جميعا بأسلوب فصيح قوي أفسح له مكانة مرموقة في الآداب الإنجليزية ومن ثم كان لما أحرزته مؤلفاته من التقدير والذيوع أثر كبير في سبيل التعريف الحق بالإسلام والمجتمع الإسلامي وإزالة كثير من ضروب التحامل والادعاء التي كانت تصيب هيبة الإسلام والمسلمين في الغرب.
ولم ينس أمير علي أن يطرق باب السياسة ليسعى إلى تحقيق نفس الأمنية التي سعى إليها بقلمه. وكان يعمل أثناء الأعوام الطويلة التي سلخها في قضاء الهند وادارتها على تحقيق أمنية عزيزة له هي تقدم مواطنيه مسلمي الهند، وقد بذل في هذا السبيل جهودا شتى وكان اعتداله وحزمه وكفايته تمهد سبيل الترحيب بارائه. وكان لمساعيه ودعوته في هذا السبيل نصيبها من الفوز أيام اللورد مورلي حيث رأت الحكومة البريطانية ان تدخل طائفة كبير من الاصطلاحات الدستورية والتشريعية في حكومة الهند تحقيقا لاماني المعتدلين وتهدئة للاضطرابات الوطنية التي وقعت يومئذ.
على أن أمير علي كان في جهوده السياسية بالنسبة للإسلام مسلما قبل كل شي‏ء ففي جميع الخطوب التي كانت تدهم الإسلام أو الأمم الإسلامية كان صوته يرتفع في بريطانيا وأوروبا، وكان لهذا الصوت أثره خصوصا بعد أن تبوأ أمير علي مكانته في المجلس المخصوص ونال ما ناله من الاحترام والنفوذ في دوائر لندن السياسية.
ومنذوكان أمير علي يعمل بكل ما أوتي من بلاغة ونفوذ ليثير العطف على تركيا وكان له قسط محمود في الدعوة إلى جمعية الهلال الأحمر ولكن جاء دخول تركيا في‏إلى جانب ألمانيا ضربة قوية لآماله. وكان يعتبر انسلاخ تركيا عن الحلفاء نتيجة مباشرة لخطا السياسة البريطانية فلما انتهت الحرب عاد إلى نشاطه ليحارب شروط الصلح التي فرضت على تركيا. وكان شديد الوطأة في حملاته يومئذ على سياسة بريطانيا والحلفاء في الشرق الأدنى حتى ان السير فالانتين تشيرول الصحفي الانكليزي الأشهر كثيرا ما احتج على هذه الدعوات في جريدة التيمس وأنكر على قاض في مجلس الملك المخصوص ان يعمل هذا النحو لاثارة الهياج بين المسلمين في أنحاء الامبراطورية ولكن أمير علي لم يعبا بهذا
الاحتجاج وكان يرى أن إعطاء اليونان مكدونية وأزمير من الاخطاء الفادحة التي لا تغتفر ويؤكد في كتاباته ان الترك يؤثرون ان يقوموا بآية تضحية لاستعادة الصداقة البريطانية على أن يتركوا غنيمة باردة لاستعباد أعدائهم وكثيرا ما سعى في هذا السبيل لدى رؤساء الحكومة البريطانية ولدى ذوي النفوذ من أصدقائه. وكان فوز تركيا وتعديل شروط الصلح. وكان لنفوذ أمير علي أثره في التوجيه السياسي في‏و نتائجه ولقد كان يرى أن استنبول القسطنطينية انما هي مدينة الإسلام للإسلام لا يجوز ان تسلخ عنه. وكان قليل الايمان بما يذاع عن الاعتداء على النصارى. ولما نشبت‏كتب في آب سنة 1922 يقول: في الأناضول آلاف مؤلفة من المسلمين يفرون من الذبح ليموتوا في المنفي جوعا وان المساجد والمزارات والمدارس تخرب بالمئات.
ولكن، وما ترتب عليها من محو الخلافة وإلغاء النظم والرسوم الدينية كان خيبة أمل جديدة لأمير علي لأنه كان يرى دائما أن نفوذ الخلافة الروحي ضروري لسلامة سلطان تركيا السياسي وعماد للتضامن الإسلامي. ولما نشبت، وأرغم الأمير عبد الكريم على مواجهة الجيوش الاسبانية والفرنسية معا وجه أمير علي إلى رئيس الجمهورية الفرنسية خطابه المشهور يناشد فيه فرنسا ان لا تقضي على تحقيق أماني شعب صغير مجاهد.
ولم تذهب الأعوام الطويلة شيئا من نشاط هذا المفكر الكبير، فقد شرح قبل وفاته باسابيع فقط مطالب المسلمين أمام لجنة سيمون الدستورية، وفي نفس اليوم الذي توفي فيه نشرت له التيمس خطابا يتحدث فيه عن لوائح الصيد الهندية.
وكان يرى الاعتدال خير سلاح للهند في نيل أمانيها القومية وكان اعتداله مثار ريب المتطرفين من مواطنيه وبغضهم أحيانا وكان كثير من الزعماء المسلمين المحافظين يعترضون على أساليبه في التفكير وأذواقه في الحياة بأنها غربية خارجة عن تقاليد الشرق.
وقد تزوج السيد أمير علي من ايزابيل كونسيان، وهي سيدة انجليزية فرزق منها بولدين كان يشغل أكبرهما منصبا كبيرا في الحكومة الهندية ويشتغل الصغير بالمحاماة في كلكوتا.
وإنا لنختتم كلمتنا في المفكر الكبير بما اختتمت به التيمس ترجمتها إياه: كان مضيفا ساحرا وقد لبث منزله في كودوجان أعواما طويلة كعبة بهجة لكل من هم صفوة في العالم الغربي والهندي وكانت المكانة التي أحرزها لنفسه فريدة في تاريخ جنسه.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 489