التصنيفات

أشرس بن حسان البكري كان عامل علي عليه السلام على الأنبار فأرسل معاوية سفيان بن عوف الغامدي في ستة آلاف فأغار بها على الأنبار وهي المسماة اليوم الفلوجة ونواحيها سميت بذلك لأن كسرى كان اتخذها أنبارا للحبوب وكان عند أشرس خمسمائة من الجند كانوا قد تفرقوا وبقي معه نحو مائتين فقاتل بهم ثم أذن لمن لا يريد الموت بالهرب وبقي في ثلاثين رجلا أقدم بهم على الموت صابرا محتسبا حتى قتل وقتل الثلاثون فلله درهم وهنيئا لهم الشهادة في سبيل الله. وقد اختلف في اسم عامل علي عليه السلام على الأنبار الذي قتل في هذه الوقعة فقيل اسمه أشرس بن حسان البكري قاله إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات. وقيل كان اسمه حسان بن حسان البكري وهو المذكور في نهج البلاغة حيث يقول أمير المؤمنينعليه السلام في خطبة له يحث فيها على الجهاد ويذكر فضله ويذم أهل الكوفة: وهذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار وقد قتل حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها. وهو الذي رواه المبرد في الكامل فقال في أوله: (انتهى) إلى علي عليه السلام إن خيلا وردت الأنبار لمعاوية فقتلوا عاملا له يقال له حسان بن حسان (انتهى) ويمكن إن يكون اسمه حسان ولقبه أشرس. روى إبراهيم في كتاب الغارات عن ابن الكنود عن سفيان بن عوف الغامدي قال دعاني معاوية فقال أني باعثك في جيش كثيف ذي أداة وجلادة فالزم إلي جانب الفرات حتى تمر بهيت فتقطعها فان وجدت بها جندا فاغر عليهم وإلا فامض حتى تغير على الأنبار فإن لم تجد فيها جندا فامض حتى توغل المدائن ثم أقبل إلي واتق إن تقرب الكوفة واعلم أنك إن أغرت على أهل الأنبار وأهل المدائن فكأنك أغرت على الكوفة إن هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم وتفرح كل من له فينا هوى منهم وتدعو إلينا كل من خاف الدوائر فاقتل من لقيته ممن ليس هو على مثل رأيك وأخرب كل ما مررت به من القرى وأحرب الأموال فان حرب الأموال شبيه بالقتل وهو أوجع للقلب قال فخرجت من عنده فعسكرت وقام معاوية في الناس فخطبهم فقال أيها الناس انتدبوا مع سفيان بن عوف فإنه وجه عظيم فيه أجر سريعة فيه أوبتكم إن شاء الله ثم نزل قال فوالذي لا إله غيره ما مررت ثالثة حتى خرجت في ستة آلاف ثم لزمت شاطئ الفرات فأغذذت السير حتى أمر بهيت فبلغهم أني قد غشيتهم فقطعوا الفرات فمررت بها وما بها عريب كأنها لم تحلل قط فوطئتها حتى أمر بصدوداء ففروا فلم ألق بها أحدا فامضي حتى أفتتح الأنبار وقد نذروا بي فخرج صاحب المسلحة إلي فوقف لي فلم أقدم عليه حتى أخذت غلمانا من أهل القرية فقلت لهم أخبروني كم بالأنبار من أصحاب علي قالوا عدة رجال المسلحة خمسمائة ولكنهم قد تبددوا ورجعوا إلى الكوفة ولا ندري الذي يكون فيها قد يكون مائتي رجل فنزلت فكتبت أصحابي كتائب ثم أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة فيقاتلهم والله ويصبر لهم ويطاردهم ويطاردونه في الأزقة فلما رأيت ذلك أنزلت إليهم نحوا من مائتين واتبعهم الخيل فلما حملت عليهم الخيل وأمامها الرجال تمشي لم يكن شيء حتى تفرقوا وقتل صاحبهم في نحو ثلاثين رجلا وحملنا ما كان في الأنبار من الأموال ثم انصرفت فوالله ما غزوت غزاة كانت اسلم ولا أقر للعيون ولا أسر للنفوس منها وبلغني أنها أرعبت الناس فلما عدت إلى معاوية حدثته الحديث على وجهه فقال كنت عند ظني بك لا تنزل في بلد من بلداني إلا قضيت فيه مثل ما يقتضي فيه أميره وإن أحببت توليته وليتك وليس لأحد من خلق الله عليك أمر دوني قال فوالله ما لبثنا إلا يسيرا حتى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الإبل هرابا من عسكر علي. قال إبراهيم كان اسم عامل علي عليه السلام على مسلحة الأنبار أشرس بن حسان البكري وروى إبراهيم عن عبد الله بن حبيب بن عفيف قال: كنت مع أشرس بن حسان البكري بالأنبار على مسلحتها إذ أصبحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الأبصار منها فهالونا والله وعلمنا إذ رأيناهم أنه ليس لنا طاقة بهم ولا يد فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا فلم يلقهم نصفنا وأيم الله لقد قاتلناهم فأحسنا قتالهم حتى كرهونا ثم نزل صاحبنا وهو يتلو قوله تعالى فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ثم قال لنا من كان لا يريد لقاء الله ولا يطيب نفسا بالموت فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم فان قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب ومن أراد ما عند الله فما عند الله خير للأبرار ثم نزل في ثلاثين رجلا فهممت بالنزول معه ثم أبت نفسي واستقدم هو وأصحابه فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم الله وانصرفنا نحن منهزمين. قال إبراهيم وقدم علج من أهل الأنبار على علي عليه السلام فأخبره الخبر فصعد المنبر فخطب الناس وقال: إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار وهو معتز لا يخاف ما كان واختار ما عند الله على الدنيا فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم فان أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا ثم سكت عنهم رجاء إن يجيبوه أو يتكلم متكلم فلم ينبس أحد منهم بكلمة فلما رأى صمتهم نزل وخرج يمشي راجلا حتى أتى النخيلة والناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم فقالوا ارجع يا أمير المؤمنين ونحن نكفيك فقال ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله فرجع وهو واجم كئيب ودعا سعيد بن قيس الهمداني فبعثه من النخيلة في ثمانية آلاف وذلك أنه أخبر إن القوم جاءوا في جمع كثيف فخرج سعيد بن قيس على شاطئ الفرات في طلب سفيان بن عوف حتى إذا بلغ عانات سرح أمامه هانئ بن الخطاب الهمداني فاتبع آثارهم حتى دخل أداني ارض قنسرين وقد فاتوه فانصرف.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 459