عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون
اليعمري التونسي الأصل، المدني المولد.
قرأ القرآن على أبي عبد الله القصري المقرئ، وسمع الحديث بالمدينة على والده، وعلى أبي عبد الله: محمد بن حريث البلنسي، ثم البتي. خطيب سبتة وفقيهها، وعن عز الدين الرندي، والزبير الأسواني، والسراج الدمنهوري، وأبي عبد الله: محمد بن جابر الوادي آشي، وبمكة من زين الدين الطبري، وغير هؤلاء.
وأخذ الفقه والعربية عن والده. وكان يقول: «لازمت تفسير ابن عطية حتى كدت أحفظه»، وكان بارعا في علم العربية؛ وتواليفه فيها شاهدة بذلك.
ولما لقيه أثير الدين أبو حيان، ووقف على شرحه وإعرابه ل «بانت سعاد» قال: «ما أظن أنه يوجد في الحجاز مثل هذا الرجل!» واستعظم علمه، وأثنى عليه.
وكان يقول: «اشتغلت في علم العربية وأنا ابن ثمان عشرة سنة» وتخرج عليه فيها جماعة فضلاء.
وكانت مشاركته في أصول الدين مشاركة عظيمة، وحدث، ودرس، وأفاد، وإليه انتهت رياسة المدينة الألبوية - على ساكنها الصلاة والسلام - بالطائفة المالكية، وانفرد في آخر عمره بعلو الإسناد، فلم يكن في المدينة أعلى سندا منه، وناب في القضاء نحو أربعة وعشرين عاما، وأم في المحرب النبوي بعض الصلوات.
وكان كثير التلاوة ليلا ونهارا، وكان مواظبا على الصلاة في الصف الأول من الروضة النبوية نحو ستين سنة. وحج نحو خمسة وعشرين حجة ولم يخرج من المدينة إلا إلى مكة المشرفة للحج - إلى أن مات بالمدينة.
وكان ممن جمع الله له العلم والعمل، والدين والدنيا. وبهمته وسياسته أزال الله أحكام الطائفة الإمامية من المدينة؛ فعزلت قضاتهم، وانكسرت شوكتهم، وخمدت نارهم؛ وذلك أنه لما باشر الأحكام سنة 746 سعى في عزل؛ قضاتهم فنودى في شوارع المدينة بتعطيل أحكامهم، والإعراض عنهم؛ فكان ذلك أول سبب اضمحلالهم.
وله تواليف عديدة، في أنواع شتى، منها: كتاب «الدر المخلص، من التقصي والملخص» جمع فيه أحاديث الكتابين المذكورين، وشرحه بشرح في أربع مجلدات، «وكشف المغطا، في شرح مختصر الموطا»، وشرح مختصر التفريع لابن الجلاب، سماه: «كفاية الطلاب»، و «نهاية الغاية، في شرح الآية»، و«العدة، في إعراب العمدة» وهو آخر ما ألف، و«التيسير، في علمي البناء والتغيير» في النحو، و«المسالك الجلية، في القواعد العربية»، «وشفاء الفؤاد، في إعراب بانت سعاد» «وقواعد الإعراب لابن هشام» له عليه شرح.
ولما حج آخر حجاته قال: هذه حجة الوداع. فلما أحس بالمرض أمر بحفر قبره في بقعة مخصوصة فظهر مقطع جص لم يدفن فيه أحد قبله، وأوصى أن يعتق عند قبره عبد، وأن يتصدق على الفقراء بصدقة واسعة ولما كان في السياق ذكر؛ فقال: «ما أنا بغافل!؟».
توفي يوم الجمعة عاشر ربيع الأخير سنة 769.
وولد يوم الثلاثاء السادس من جمادى الآخرة سنة 693.