الشيخ أسد الله بن الحاج محمود آل صفا العاملي الزبديني
ولد سنة 1294 في زبدين وتوفي سنة 1353 بمرض الفالج الدماغي في صيدا.
كان عالما كاتبا أديبا شاعرا ذكيا فطنا واشتهر بذكائه وتدقيقه وكثرة جدله قرأ في النباطية في مدرسة العالم الجليل السيد حسن بن يوسف الحبوشي قرأ فيها النحو والصرف والمعاني والبيان والأصول والفقه وراجع الكتب ومارس وباحث حتى صارت له ملكة جيدة في العلوم العربية واطلاع لا بأس به في المسائل الفقهية ونظم وكتب كثيرا فأجاد في نظمه ونثره وكان يميل كثيرا للعزلة. تولى منصب القاضي الشرعي في صيدا. له عدة مقالات في العلم والأدب والنقد واللغة نشرت في مجلة العرفان وله شعر كثير نشر أكثره في المجلة المذكورة وله شعر غير ما نشر في العرفان لم يقع بيدنا وأول ما نشر من نظمه قصيدة عنوانها (الناس والعلم والدين) وهي:
لم ينظر الناس في عقبى أمورهم | ولم يجيلوا بخلق الله أذهانا |
منتهم نفثات الجهل إن يردوا | ماء المسرة من حيث الأسى كانا |
ظنوا المعالي في جمع الحطام وهم | في ذاك قد هدموا للمجد بنيانا |
وحاولوا ظفرا بالجور فاندفعوا | إلى العداء زرافات ووحدانا |
حتى إذا ما أتوا يجنون ما غرسوا | جنوا وما اعتبروا ذلا وخذلانا |
أعد كل امرئ منهم فيوهمني | أن ليس يحسب في التحقيق إنسانا |
باعوا بدنياهم دينا به عقدت | عرى السعادة دنيانا وأخرانا |
إن السعادة أخلاق مطهرة | أضحى لها الدين قسطاسا وعنوانا |
ما إن تجاوزت الذكرى مسامعهم | يوما ولا راقبوا لله سلطانا |
وكل يوم لهم فيمن قضى عظة | تعد أحياءنا اللاهين موتانا |
هل ينظرون بأبصار يرون بها | ملابس العز ما ندعوه أكفانا |
أو يسمعون بآذان تحيل لهم | قوارع الذكر تغريدا وألحانا |
أو يحملون قلوبا يحسبون بها | في القبر صرحا يضاهي قصر غمدانا |
أعمتهم الشهوات المهلكات عن | الباري فسامهم بغيا وكفرانا |
ما جاوزت كلمات الرشد ألسنهم | إذ يدعون الهدى مكرا وإدهانا |
كان اغتنام رضى الرحمن همهم | لو أنهم صدقوا في الله إيمانا |
ألا ترى مستهام الحب يؤنسه | رضى الحبيب وان أقصاه هجرانا |
فكل صعب عليه هان في سبل | الهوى وكل عزيز عنده هانا |
وليس ريبهم في الله منقصة | لله بل كان فيهم ذاك نقصانا |
ما عاب شمس الضحى إن لا ترى | لعمى في الناظرين ولا انحطت بذا شانا |
يا أمة تدعي الإيمان حيث خلت | من ضوء حجته الغراء أذهانا |
أنتم كغيركم في ذا السبيل فما | للفرق أعددتم قولا وتبيانا |
وكيف يصلح دين الله أفئدة | لم تبن إلا على التقليد إيمانا |
ما استقبلوا الله يوما بالقلوب فهم | مستقبلون على التحقيق إنسانا |
لا ينهجون سبيلا قل سالكه | وإن تلوا سنة فيه وقرآنا |
فلا وعيشك لا يأتون من عمل | زاك إذا قل أهلوه وان هانا |
وربما اعتقدوا حقا يدان به | ما لم ينزل به الرحمن سلطانا |
وربما حظروا لا عن دليل هدى | ما كان لو عقلوا للب ميزانا |
مستمسكين بما اعتادوا فحيث دعا | داعي الهداية صموا عنه آذانا |
مثل البهائم إذ عافت على ظما | ورود ما لم ترد من قبل أحيانا |
فأي دين هدى فيه لمثلهم | صلاح أمر وقد ساموه عدوانا |
وكيف ينجع وحي الله في ملأ | يتلون آياته صما وعميانا |
لا يطمئن بذكر الله ذاكره | ما لم يكن من نمير العلم ريانا |
أن يتق الله قوم فالذين به | قلوبهم ملئت علما وعرفانا |
لا قول صلوا ولا شرح الصلاة هما | مما استجيب به لله إذعانا |
لا رواية ما قال الرسول على | من لو تشاء جرى في الريب حيرانا |
أو يستقم نهج ذي علم فمن طهرت | أخلاقه وأقام القسط ميزانا |
لا العلم ينجع والذكرى بمن جعلوا | عليهم للهوى حكما وسلطانا |
وأين ذكراك من قوم قلوبهم | دون النصيح عليها الغي قد رانا |
لو دان كل امرئ للحق حيث بدا | لم يعد فرعون رشدا بابن عمرانا |
ولا بعيسى استراب المستريب ولا | بصدق أحمد لا قبلا ولا الآنا |
ذاك النبي الذي يدلي بحجته | سر العوالم أحيانا فأحيانا |
ذاك النبي الذي أبقى الإله له | إلى المعاد على ما جاء برهانا |
من حكمة بثها الأمي صافية | تزداد علما بها ما زدت إمعانا |
وسر وحي لنا منه بدا نبا | بصدقه وبنفي الريب أنبأنا |
كم جاء بالحجة البيضاء عارية | لا تستطيع لها الأيام كتمانا |
لكن مرامي هوى الإنسان ليس لها | حد ولست لها تسطيع حسبانا |
ورب علم أضاع الرشد صاحبه | ولو نصحت له سرا واعلانا |
أكان يجهل عمرو أو معاوية | وصي أحمد إذ ساماه عدوانا |
لكنها شهوات عد صاحبها | دون البهائم لما عد شيطانا |
شر الخصال عمى ما انفك صاحبه | بخمره ثمل العطفين نشوانا |
إن أم نهج الهدى يوما فما فقدت | في قلبه نفثات الغي الكنانا |
لكن نحا سبل الرشد ابتغاء منى | أو غادر البغي إذ أعياه امكانا |
كم جاء بالعمل الزاكي مخادعة | قوم يعدهم الشيطان أخوانا |
امسك بذكراك عن قوم بهم ثبتت | على الضلال مباني الفخر أركانا |
أن ينذروا سخروا أو يهجروا وتروا | أو ينظروا أوسعوا في الغي ميدانا |
لم ينكروا منكرا يوما ولا أمروا | بالعرف حينا أعز الدين أم هانا |
فلا وربي ما من حكمة عدلت | خوف امرئ ربه سرا وإعلانا |
هل همة المرء إلا خدمة الجسد الداني | إذا لم يكن لله قد دانا |
ولا رزية كالإلحاد ملبسة | غما تلظى به الأحشاء نيرانا |
وهل يقدر كالرجعي إلى عدم | بعد الوجود أولو الألباب خسرانا |
فان نفى ملحد عن نفسه جزعا | فكيف يحيا بدار البؤس محيانا |
قل للكفور بباريه ستعرفه | إذا جزيت عذاب النار ألوانا |
لو كنت تسال برهانا عليه رأت | من كل ما أبصرت عيناه برهانا |
لكنما رمت إطلاق العنان بلا | حجر من الدين أنى رمت عدوانا |
زعمت أنك لو أبصرت ربك ما | أودعت قلبك للرحمان كفرانا |
وكيف تجعل ربا من تراه ولم | يستعل عن شبه في خلقه شانا |
لو كان يبصره راء لكان إذا | قد استحال وجود الذات إمكانا |
هل فوقه قادر يعطيك باصرة | تسطيع رؤية من سواك إنسانا |
ليس الوجود لشيء عين رؤيته | أو بعضها فترى ما شئت إذ كانا |
لو كنت تعقل لم تقدم على خطر | لم يعد محتملا لو جاز رجحانا |
فكيف والعلم قد فاضت أشعته | من حيث عن رؤية الأبصار أغنانا |
أنت ابن يومك لا ابن أمس ولا الغد | عدمان بينهما تروح وتغتدي |
فاربأ بنفسك إن تغادر فرصة | لغد فلا تدري مصيرك في غد |
وإضاعة الفرص السوانح حسرة | من دون لوعتها عناء المقصد |
فإذا ظفرت بفرصة فاسترعها | عينا إذا نام القطا لم ترقد |
واشدد لها الهمم التي إن أخلفت | فعرى الرجاء بغيرها لم تعقد |
وإذا نبا بك بعد صدق عزيمة | حظ فشاهد مجدها لم يجحد |
أعطيت بسط يد وفكر لو به | رمت الثواقب لم تكن بمفند |
لو كان يجمعنا الوفاق على هدى | لم يعينا طلبا مقام الفرقد |
الرأي فاعلم شرط كل عزيمة | فبدونه عضب الشبا كالمرود |
للمستضيء بنوره حيث انجلى | كادت وجوه الغيب تلمس باليد |
هي سابغات الحزم ما عملت يد | فيها ولا هي تشتري بالعسجد |
أوهمت نفسك في الباطلة راحة | تلهي فؤادك عن بلوع السؤدد |
لكن من رضي الأماني موردا | للهم وارد غلة لم تبرد |
والناس حيث يؤمهم داعي الهوى | لم ينظروا إلا بعيني أرمد |
فمتى يتاح لعامل عين بها | يهدى إلى النهج السوي فتهتدي |
ويد بها تنمو بقية مجدها | أن كان ثم بقية لم تنفد |
أبناء قومي والشماتة إن يرى | غرض الملام ربيب ملة أحمد |
بدت الحياة لذي الحياة من الورى | لهوان عيشكم بوجه أربد |
يرتاد في ظل الخمول وليدكم | حتى الردى فكأنه لم يولد |
عجبا لكم تتحاسدون وأنتم | في حال ضيم مثلها لم يحسد |
عجبا لكم تتخاذلون وأنتم | في حاجة تقضي بألفي مسعد |
خلوا التكتم قد بدت أسرارنا | مأثورة عن شملنا المتبدد |
هل تعذرون ولم تكن أسلافكم | في المجد إلا قدوة للمقتدي |
كم قام منكم أروع في عامل | كالشمس ثاقب رأيه لم يخمد |
أس الفضيلة أنتم وبدينكم | يهدى سبيل الرشد كل موحد |
ولكم إذا حق الفخار أئمة | بسواهم باغي الهدى لا يهتدي |
تمضي الدهور وكل فرد منهم | فرد الكمال يعز حجة احمد |
من عشرة واثنين بعدهم لهم | جمع الكمال ومثل ذا لم يوجد |
عجبا لقلب لا يلين لذكرهم | إذ يذكرون ولو غدا كالجلمد |
كنتم ودينكم الحنيف يحوطكم | ويضمكم ضم الأنامل في اليد |
فنبذتموه وراءكم وطلبتم | دنياكم من كل باب موصد |
هذا قليل من كثير قلته | لا يستطاع كثيره لمعدد |
لو لم يكن يا قوم هذا داؤكم | كنتم بدور الحائر المسترشد |
فالأم ننتحل الزهادة والتقى | وببعض ذاك فعالنا لم تشهد |
لو كان هذا القول حقا لم يكن | بين البرية فوقنا ذو سؤدد |
هل سامع لنصيحة فيثيرها | همما تسارع قبل فوت الموعد |
هذا مقام النادمين فان يفت | والحال ما عهدت فموت سرمدي |
إن دام فيكم ما علمتم صرتم | خبرا من الأخبار ينقل في غد |
قد إن أن يستيقظ الغافل | فليستفق من نومه الخامل |
ألا ترى الدهر بأحداثه | يوقظ ما لا يوقظ النابل |
قد أعذر الدهر إلى أهله | حتى متى يعذله العاذل |
وزاد في الأعذار حتى استوى | في ذلك الأخرق والعاقل |
إن كان للجهل شفاء فقد | أتاح ما يشفى به الجاهل |
تروم في ظل الخمول المنى | وذاك فاعلم حدها الفاصل |
قد فاز بالآمال طلابها | غداة لم يحلم بها الكاسل |
إن المقادير لها آخر | ولجة العزم لها ساحل |
اذكر حماة المجد من يعرب | أولاء سفر العبرة الحافل |
هم أنجم الحكمة ما لاح من | أفق سواهم بدرها الكامل |
مدينة العلم هم بابها | وللعلى هم ظلها الشامل |
أولاء يا شرق بنوك الأولى | بهم أتاك الشرف الطائل |
بنوا لك المجد القديم الذي | من دونك الغرب به آهل |
أما وماضي مجدهم لم يكن | لولاه مجد في الورى آجل |
هم مصدر الفضل فلا فاضل | في الدهر إلا عنهم ناقل |
فما عدا يا شرق مما بدا | حتى شأي فارسك الراجل |
أصبحت يا شرقي نهب الأسى | وضل عنك الفرج العاجل |
يداك قد جرت عليك الذي | قاسيت من دنياك يا جاهل |
فالمشرع العذب مباح بها | وأنت من آسنها ناهل |
وأنت حيث العلم داني الجنا | أقصاك عنه جدك الخامل |
فعلت في نفسك ما أنت في | ألد أعداك له فاعل |
تسومها الخسران لا نادما | ومنك ما زال لها خاذل |
سجية يحسب خيرا لمن | تعزى إليه موته العاجل |
سميت بالحي مجازا كما | بالضد يدعو ضده الهازل |
لست من الأحياء لكنما | فيك بحق شبه الباطل |
إن لم تكن ميتا فأنت امرؤ | شر من الموت به نازل |
من لي بان يهدي إلى عامل | نصيحة تهدى بها عامل |
عجلان لا يلوي على صاحب | كلا ولا يلوي به عادل |
يحلو لعينيه سواد الدجى | وان توارى بدره الآفل |
يزيده الليل ارتياحا به | وإذا تغنى طيره الزاجل |
لعله يدرك من عامل | بقية يرجى لها آجل |
فيملأ الأسماع من أهلها | بصرخة يصحو لها الغافل |
يا حاملي أسفار بيت الهدى | كيف تردى منكم الحامل |
يسير نائي الدار في ضوئها | لكنه من بينكم زائل |
يا خلف الزاكين ما ذا عرا | فعاد مراما جنى العامل |
فلو حكى فرع سوى أصله | عداكم في لومه العاذل |
مذ رمتم بالجهل نيل المنى | شرقتم إذ أغرب الآمل |
أدعوكم واليأس ملء الحشا | لكنما الوجد كذا فاعل |
عذرا وان أدمى الحشا مقولي | فإنه عن لوعة ناقل |
إذا شغلت الشعر عن لومكم | فهل لضيم عنكم شاغل |
أمن سجاياك إذا الليل سجا | أن تهجر النوم أم الليل كذا |
أم قصرت ذكرى إخلاء الصفا | عليك من لهو بها طول الدجى |
أم أنت ذو نفس إذا عنها نضت | غواشي الطبع استطاعت ما تشا |
كم أسهرت ليلي دواعي فكرة | جابت بي الأرض وآفاق السما |
أبصرت ما مر وما يأتي معا | وآجل العمر وريعان الصبا |
جاست خلال الدهر في ظلمائه | خواطر حالت ضياء وسنا |
فما رأت عيناي شيئا عجبا | كعالم الإنسان في الدهر أتى |
يشكو الرزايا وهو من أنصارها | لا بل هو الخطب الذي لا يتقى |
متى أرى الناس بالباب ترى | سعادة الدهر أخا في الورى |
هل يبعث الدهر اتحادا بينهم | فيه نرى الفرع على الأصل جرى |
بوحدة الناموس والأصل له | عقد وثيق غير مفصوم العرى |
متى أراهم بالمؤاخاة التي | تدعى بحبل الله قد شدوا القوى |
متى أراهم بالتآخي اعتصموا | من فادح الخطب إذا الخطب عرا |
واستنزلوا الدهر على أحكامهم | واستقبلوا من عيشهم وجه الرضا |
متى يرى الإنسان إن ليس له | بنفسه في هذه الدنيا غنى |
متى أرى الناس كما هم أخوة | لا يفقد الأهل امرؤ حيث ثوى |
يسلو بعيد الدار عن أوطانه | في كل ارض بإخلاء الصفا |
متى أرى الناس صحوا من غمرة | ما استقبلت يوما بهم وجه هدى |
سامتهم البغضاء حتى جرعوا | من لجة العدوان كأسا ما حلا |
وفرقت أبناء أصل واحد | تفريق أضداد فعز الملتقى |
توارثوها خلفا عن سلف | أمانيا كن المنايا لا المنى |
لم تغرب الشمس على ذي مقلة | أبقى لها الخوف هجوعا في الدجى |
وكم لهم من صرف دهر صارف | حتى عن اللهو بأوطار الصبا |
ومن رزايا دهرهم لو فكروا | ما لم يذر في الدهر شيئا يشتهى |
لا تنقضي عنهم إذا العمر انقضى | شواغل الدهر بآلام الأسى |
جنى عليهم حسرة لا تنقضي | تفريقهم والخزي فيما قد جنى |
أعماهم الجهل فهم لو أبصروا | لم ينهجوا في سيرهم نهج العنا |
يهوون رغد العيش إذ تلقاهم | يسعون في الأرض على عكس المنى |
بسنة التفريق أمسى موحشا | بأهله الربع كربع قد خوى |
ولم يكن في الكون لو لم تأتلف | عناصر الأكوان أرض أو سما |
قالوا هي الأديان حالت بيننا | وآفة القول الحديث المفترى |
ما أقدر الناس على توحيدها | لو أعتقوا الألباب من رق الهوى |
هي السجايا لا سواها المنتمى | رقى ذرى العلياء راق أو هوى |
الفضل والنقص وليدان لها | في كل حين وفضول ما عدا |
لا يرعوي الإنسان عن أخلاقه | حتى يحاكي فلق الصبح الدجى |
فإن بدت من ناقص أكرومة | فويل مغرور بما منه بدا |
هم المراءون أعدوا ما ترى | مصايد النفع وأشراك المنى |
والفضل إن ساء صنيعا ربه | فالذنب لا للبدر إن خسف عرا |
قد يهجر الحلم حليم لم يجد | له سوى الجهل من الجهل حمى |
وكافر النعمة يلقى مرتجى | في وجهه باب الجواد المرتجى |
ورب ذي حزم أضاعت رشده | حال غبي القوم منها في هدى |
ورب ضليل يسمى المقتدى | ومهتد هاد به لا يقتدى |
وكم تردى بين قوم باطل | رداء حق وعلى الحق علا |
وهكذا الدهر على علاته | يمضي ومن قبل عليها قد مضى |
فقل لمن نافس بالمال ائتد | فرب فقر كان خيرا من غنى |
وقل لمن بالعلم باهى ربما | جنى امرؤ من علمه مر الجنى |
وأي شيء يحسن الفخر به | وجملة الكون كطيف في الكرى |
والعلم إن أعيت على طلابه | محاسن الأخلاق بئس المفتني |
لا خير في علم وضيع سافل | يزيده العلم اهتداء للأذى |
وما سباع الوحش لولا جهلها | إلا دواه مهلكات للورى |
بالعلم ذو العلم يباهي وهو لا | يدري إلى أين ومن أين أتى |
جهل بقدر العلم أزرى أنه | على جمال العلم والكون قضى |
جهل يسوم الفضل نقصا في الورى | ويبلغ النقص به أقصى المدى |
يا أيها الإنسان إن رمت العلى | بالحق فإنه النفس عن مردي الهوى |
ولا تمن النفس مجدا كاذبا | يسومها الغبن وفي الصدق الغنى |
مهما أتى الحاذق في تمويهه | فالدهر من عاداته برح الخفا |
يا ساهر الليل لهم ينقضي | وغافلا عما إليه المنتهى |
لو تعقل العجماء عقبى أمرها | كما عقلت اغتالها صرف الأسى |
وإن تعزى بإياب مؤمن | فما يرى الجاحد للنفس عزا |
ما أنت والحرص الذي من أجله | تذيق إخوانك أنواع البلا |
يا باحثا في الكون عن أسراره | وسر محياك مصون لا يرى |
بنفسك أبدا وأمط عن سرها | سترا إذا كنت زعيما بالحجى |
رضيت من عيشك بالفاني الذي | ما كان لو فكرت شيئا يرتضى |
زعمت للكون فناء سرمدا | فكيف تحظى بعد هذا بالهنا |
لكنما تحمل قلبا ما حوى | سوى هوى الغيد وجامات الطلا |
وذي الأعاجيب التي أبدعتها | أقوى من الخمرة فعلا في النهى |
لم يستفق نشوانها من سكرة | أنا إذا ما شارب الراح صحا |
أدركت يا إنسان علما زاخرا | كالبحر لكن حال جهلا وعمى |
ما غض منك اللوم طرفا أنه | كساقط الطل على صم الصفا |
سره الدهر لأمر فبكى | لا تلمه فسرور العيش آل |
شاقه الحزن قرينا مذ درى | أن ما يدعى سرورا لا ينال |
إنني جربت أخلاق الورى | وسجايا الدهر حينا بعد حين |
ذقت حلو العيش والمر معا | دائبا بين خلي وحزين |
ورأيت اليوم سفرا قد حوى | شرح ما كان وما سوف يكون |
إنما الدهر سواء كله | لا تخل من فارق بين السنين |
فكأني كنت فيمن سلفوا | وكأني في القرون الآخرين |
فإذا العيش عناء كله | شقي الحي به وهو جنين |
كيف ندعو راحة ما لم تنل | بعضها إلا اكف الخادعين |
إنما جاء مجازا لفظها | أو عزاء لقلوب العالمين |
تلك دنياك فدافع همها | بسجايا العاملين الصابرين |
قصر الآمال إن لم تستطع | بتلها فالحرص للحر عقال |
وارض بالصبر معينا أنه | خير معوان إذا الهم استطال |
ليس يغني عنك شيئا جزع | في الرزايا بل هو الهم الشديد |
ما أصاب الرشد من يبكي على | فائت والعيش لا بد يبيد |
إنما كان جديدا ما غدا | خلقا والشيخ قد كان وليد |
رب حسن فيه أبصار الورى | وقفت ليس لها عنه محيد |
من حسان تتجلى ما على | حسنها فيما علمنا من مزيد |
تملأ العين جمالا فترى | أنها غاية ما يهوى المريد |
ورياض كلما جال بها | رائد الطرف بدا حسن جديد |
وقيان غادرت ألحانها | غير حاسي الراح نشوان يميد |
أدركتها غير الدهر فما | لزمان راق فيها من معيد |
ما جهلنا مذ عرفنا ما العنا | أن رغد العيش وهم أو خيال |
لكن الدنيا أرتنا عجبا | فحسبنا الرنق فيها كالزلال |
قد عشقناها على علاتها | ما لوت عن حبها تلك الكروب |
فغدونا نشتكي آلامها | مثلما يشكو محب من حبيب |
نحسب اللازم من أحزانها | مرضا مر سيمضي عن قريب |
فهي لولا قوة قاهرة | للبرايا ملها كل لبيب |
قد حبست النفس عن لذاتها | مذ بدا لي إنني فيها غريب |
ورضيت الهم فيها صاحبا | مذ بدا لي أنها سجن الأديب |
يقذف البحر الذي جاورته | شررا لو مس ما بي من وجيب |
ومن البأساء يوليني الهنا | حسن صبري وكذا شان الأريب |
صن عن الأوغاد شكواك فهم | بعض أسباب الرزايا والكروب |
انبت الدهر رجالا ما هم | يوم يدعون إلى مجد رجال |
ومضى القوم الذين استسهلوا | طلب المجد على حد النصال |
أكذا العيش أم الحر كذا | أم برا الرحمن خلقي عجبا |
لم أجد فيما مضى من عمري | مطعما طاب وماء عذبا |
قد رأيت الناس في عاداتهم | ألفوا السوء وعافوا الأدبا |
كل من كاشفته ألفيته | يكره الصدق ويهوى الكذبا |
يشتكي الضر وينحو نحوه | ويروم الرغد من حيث أبى |
لا ترى فيهم خليلا صادقا | بلغ السيل من الغدر الزبى |
رب خل كان لي أقصى المنى | سامني الود سحابا خلبا |
جاب فكري كل ارض وسما | صاعدا حتى بلغت الشهبا |
فرأى ما لم تر العين ولم | تسمع الأذن فأملى عجبا |
كل ما في الكون أرض وسما | في جهاد بين حل وارتحال |
في بروج ضربت من دونها | حجب العز وأستار الجلال |
أيها الباغي على أخوانه | حسبهم من بؤس عيش ما لقوا |
لا تخل غير نفوس ما بها | إذ تسام الضيم إلا الرمق |
أصبح الروض هشيما فارتقب | لفحات النار إذ يحترق |
وطغى السيل فما أقرب أن | يتقى إذ ذاك منه الغرق |
يا شبيه الوحش في عدوانه | ما الذي أغنى الحجى والمنطق |
لم يصن عنك الحجى وجه الهدى | بل تعاميت وساء الخلق |
جف أصل العود من ماء فلا | ثمر يرجى له أو ورق |
يا جناة الصاب مما حسبوا | أنه الشهد فخابوا وشقوا |
مثل البنيان في تفويضه | مثل الناس إذا ما افترقوا |
تشتهون الرغد إذ أنتم إلى | منزل البؤس تشدون الرحال |
ما اتقى البغضاء فيكم متق | ولظاها كل حين في اشتعال |
رعى الرحمن في لبنان غيدا | لمثل جليسها خلق السرور |
إذا سفرت فليس هناك إلا | مشير بالصبابة أو عذير |
تضاحكنا الوجوه فلا نبالي | إذا لم تبتسم منها الثغور |
وتشرح من فنون الحب ما لا | يلم ببعضه الفطن الخبير |
وتسكرنا اللحاظ ولا مدام | فتسعدها المعاطف والحضور |
وتصرعنا الخدود ولا مقيل | وان أدمى ملامسها الحرير |
ويقنعنا الخيال من الأماني | إذا ضنت بطلعتها البدور |
ملاك الحب أنت فكل قلب | يكاد إليك من كلف يطير |
وكيف ترد دعوتك البرايا | وأنت على قلوبهم أمير |
عليك بكهرباء الحسن روحي | تدور وما سواك لها مدير |
تناجيك الضمائر كل حين | ولا تدري بما يوحي الضمير |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 289