أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن الديلمي توفي سنة 406 عن 105 سنين.
قال ابن الأثير كان أبو جعفر أستاذ هرمز من حجاب عضد الدولة وفي ذيل تجارب الأمم في حوادث سنة 374: كان المتولي بعمان في هذا الوقت أبو جعفر أستاذ هرمز من قبل شرف الدولة فما زال ابن شاهويه يفتل له في الذروة والغارب حتى أماله عن شرف الدولة إلى صمصام الدولة وساعد على ذلك إن ولده أبا علي الحسن بن أستاذ هرمز كان ببغداد عند صمصام الدولة فجمع أستاذ هرمز الناس بعمان على طاعة صمصام الدولة، وخطب له على منابرها، فسر صمصام الدولة بذلك وأنفذ إلى أستاذ هرمز العهد بالتقليد مع الخلع والحملان، فأرسل شرف الدولة إليه جيشا مع أبي نصر خواشاذه، فوقعت الغلبة على أستاذ هرمز وأخذ أسيرا. واستولى أبو نصر على رجاله وأمواله وعاد إلى فارس ومعه أستاذ هرمز فشهره بها ثم قرر عليه مالا ثقيلا وحمل إلى بعض القلاع مطالبا بأدائه ثم ذكر في حوادث سنة 381 أن خلف بن أحمد المعروف بابن بنت عمرو بن الليث الصفار صاحب سجستان كان قد ورد العراق في أيام معز الدولة وخلع عليه بالحضرة الخلع السلطانية لولاية سجستان وكان عضد الدولة قرر معه هدنة فلما توفي عضد الدولة تحدثت نفس خلف بالغدر ثم أحجم فلما توفي شرف الدولة وملك صمصام الدولة فارس ووقع الخلف بينه وبين بهاء الدولة قوي طمعه وجهز جيشا مع عمرو ابنه إلى كرمان فملكها ثم جهز صمصام الدولة عسكرا مع العباس بن أحمد الحاجب فانهزم عمرو بن خلف وعاد إلى سجستان وذلك في المحرم سنة 382 فلما دخل إلى أبيه قيده وحبسه ثم قتله بين يديه وغسله وصلى عليه ودفنه ووصل أبو علي الحسن بن أستاذ هرمز إلى فارس فشرع في إنفاذ أبيه أستاذ هرمز إلى كرمان فتوجه إليها واستعيد العباس فلما بلغ ذلك خلف بن أحمد وجم لهذا الخبر ورأى أنه قد رمي بحجره حين لا قدرة له على الدفع لتمزق رجاله واضطراب حاله وعلم أنه متى قصده في عقر داره وهو على هذه الصورة غلبه فعمد إلى الحيلة وكتب كتابا غير معنون أقام فيه العذر لنفسه وجعل حجته في نقض الهدنة العضدية اختلاف صمصام الدولة وبهائها ومن شروط الهدنة أنها منتقلة إلى أولادهما ما لم يختلفوا وانه متى استؤنف معه الصلح أجاب إليه فلم قرئ الكتاب على أستاذ هرمز أجاب إلى الصلح وكتب بينهم بذلك كتاب واتصلت المهادات والملاطفة بين الجهتين وخلف في أثناء ذلك يستعد فلما قويت شوكته نقض العهد واظهر كتاب المعتضد ببلاد كرمان إقطاعا لجده عمر بن الليث الصفار. وكان بسجستان قاض يعرف بأبي يوسف البزاز مقبول القول بين الرعية يعظمونه غاية الإعظام فأرسله خلف إلى أستاذ هرمز وأرسل معه رجلا من الصوفية يعرف بالحلبي كالمؤانس له وأعطى الصوفي سما ليقتله في طعام يحمل إليه من دار أستاذ هرمز لينسب الناس قتله إليه ورتب للصوفي جمازات بين بم وسجستان وقال له إذا قضيت الإرب فاهرب فتوجه أبو يوسف غافلا عما يراد به ووصل إلى أستاذ هرمز وهو ببم فأكرمه فأشار الصوفي على أستاذ هرمز باستدعاء أبي يوسف إلى طعامه ليشاهد فضل مروءته فيتحدث به في بلده ففعل وأفطر عنده في بعض ليالي شهر رمضان واتخذ الصوفي شيئا كثيرا من القطائف فمنه ما عمله على عادة أهل سجستان ومنه على رسم أهل بغداد وجعل السم في البغدادي فلما انصرف أبو يوسف من دار أستاذ هرمز سأله الصوفي عما شاهده فما زال يذكر شيئا شيئا حتى ذكر القطائف فوصف أبو يوسف جودة ما أحضر منه فقال الصوفي ما أظن القاضي أكل مما يصلح عندنا في العراق وقد عملت منه شيئا ليأكله ويعلم إن لبغداد الزيادة على كل بلد وقام وأحضر المسموم فاستدعى أبو يوسف جماعة من أصحابه ليأكلوا معه فقال له الصوفي هذا شيء نجب إن يتوفر عليك وقد عملت لأصحابنا ما يصلح لهم واحضر ما كان عمله على عادة أهل سجستان ودعا القوم إليه واكل أبو يوسف من المسموم وأمعن فيه وخرج الصوفي وركب جمازة معدة بباب البلد ودخل المفازة متوجها إلى سجستان ونام أبو يوسف فما مضت ساعة حتى عمل فيه السم ومات وطلب الصوفي فلم يوجد، وعرف أستاذ هرمز الخبر فقلق لأجله ثم رأى كتمان الأمر وأحسن إلى أصحاب أبي يوسف وأعادهم موفورين، ووصل الصوفي إلى خلف وأخبره فأمره إن يقول في مجمع من الناس أن أستاذ هرمز غدر بأبي يوسف وسمه وقتله وأراد إن يفعل بي مثل ذلك فهربت وقد نقض العهد وعزم على المسير إلى هذه البلاد فأجهش خلف بالبكاء وقال: واأسفاه على القاضي الشهيد، ونادى بالنفير لغزو كرمان وكتب بذلك محاضر إلى الأطراف وشنع على أستاذ هرمز بالغدر والنكث وهو الغادر الناكث، وجهز ولده طاهرا المعروف: بشير بابك في تسعة آلاف إلى كرمان، فوصل إلى نرماشير سحرا وشعر بهم الديلم فرأوا أنهم عاجزون عن مقاومتهم فعزموا على الخروج من البلد وكان السجزية قد أحرقوا أحد أبواب البلد وصعدوا السور، فلما وصل الديلم إلى الباب وجدوا إن السجزية قد دخلوا منه فتلاقوا، فرمى أحد الديلم وكان فارسا شجاعا أحد قواد السجزية فسقط صريعا، ورمى آخر فقتله وثلث، فانهزم السجزية إلى الصحراء وخرج الديلم بأهلهم وأموالهم ومضوا إلى جيرفت ولم يتبعهم فرسان ابن خلف، ودخل طاهر بن خلف نرماسير، وبلغ أستاذ هرمز الخبر وهو ببم وكان في القلعة التي هو بها سلاح كثير، فجمع الديلم وشاورهم فقالوا: لا طاقة لنا اليوم بهذا الرجل فأخذوا من الأسلحة ما قدروا على حمله وأحرقوا الباقي لئلا يأخذه العدو، وبادر إلى جيرفت وأقام بها يستكثر من الرجال ويستعد للقتال. وسار ابن خلف إلى بردسير لأنها قطب كرمان، فجاهد المحامي بها في الذب عنها ثلاثة أشهر، ثم ضاقت الميرة فكتب إلى أستاذ هرمز يعلمه اشتداد الحصار به وانه متى لم يدركه سلم البلد، فسار أستاذ هرمز من جيرفت سنة 374 والزمان شات فلاقى مشقة فلما قرب من بردسير أخذ في لحف الجبل حتى صار بينه وبين القلعة ثلاثة فراسخ وعرف من في القلعة وروده، فضربوا البوقات والطبول وتلاقى السجزية وعسكر أستاذ هرمز واقتتلوا عامة النهار وأستاذ هرمز زاحف بعسكره إلى باب البلد حتى إذا شارفه قلع السجزية مضاربهم من موضعها وتأخروا واختلط المحاصرون بعسكر أستاذ هرمز وقوي بعضهم ببعض وهابهم السجزية وأقاموا يوما واحدا ثم أوقدوا النيران ليلا يوهمون بها أنهم مقيمون ورحلوا، وعرف أستاذ هرمز خبر انصرافهم سحرا فأنفذ أبا غالب ابنه في جماعة من الفرسان، فسار مجدا في طلبهم وقتل منهم جماعة، ورحل أستاذ هرمز يطوي المنازل إلى نرماسير فوصلها وقد دخل طاهر بن خلف المفازة عائدا إلى سجستان. وقال في حوادث سنة 388: أشار على صمصام الدولة نصحاؤه بعرض الديلم وإمضاء كل من كان صحيح النسب أصيلا وإسقاط كل من كان متشبها بالقوم دخيلا والاتساع بما ينحل من الإقطاعات عنهم بهذا السبب فعزم على ذلك، وقيل له إن ديلم فسا يتميزون بكثرة العدد وشدة البطش ولا يقدر على عرضهم إلا أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن فان له معرفة بالأنساب والأصول وهيبة في العيون والقلوب، فاستقرالأمر على استدعائه من كرمان وإخراج أبي الفتح بن أحمد بن محمد بن المؤمل ليقوم مقامه بها، ففعل ذلك وعاد أبو جعفر، فاخرج إلى فسا فلما حصل بها اظهر ما رسم له وبدا بالعرض فاسقط 950 رجلا واسقط أبو الفتح بن المؤمل نحو 400 رجل. وكان ابنا بختيار قد خرجا من القلعة، وملك أبو القاسم أسبام أرجان كما مر في ترجمة أسبام التي قبل هذه الترجمة. وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مقيما بفسا كما تقدم، فلما فعل ابنا بختيار ما مر اجتمع إليه نسوة من نساء أكابر الديلم المقيمين بخوزستان عند ولده أبي علي الحسن وكن يجرين مجرى الرجال في قوة الحزم وأصالة الرأي والمشاركة في التدبير، فقلن له: أنت وولدك اليوم صاحبا هذه الدولة ومقدماها وقد لاحت لنا أمور نحن مشفقات منها ومعك مال وسلاح وإنما يراد مثل ذلك للمدافعة عن النفس والجاه فالصواب إن تفرق ما معك على هؤلاء الديلم الذين هم عندك وتأخذهم وتمضي إلى شيراز وتسير صمصام الدولة إلى الأهواز وتخلصه من الخطر الذي قد أشرف عليه فإنك إذا فعلت ذلك أحييت الدولة وقضيت حق النعمة وتقربت الرجال إلى قلوب رجالنا المقيمين هناك ومتى لم تقبل هذه المشورة وثب هؤلاء الديلم عليك ونهبوك وحملوك إلى ابني بختيار فلا المال يبقى ولا النفس تسلم. فشح أستاذ هرمز بهما معه وغلب عليه حب المال فغطى على بصيرته حتى صار ما اخبر به حقا، فنهب داره وإصطبله ونجا بنفسه واستتر في البلد فدل عليه وأخذ وحمل إلى ابن بختيار ثم احتال لنفسه فتخلص من يده وذكر في حوادث سنة 389 إن ابن بختيار لما قبض على أبي جعفر أستاذ هرمز قرر أمره على ألف ألف درهم وأدى أكثرها، ثم حصل عند لشكرستان كور موكلا به مطالبا بالبقية، فاحتال صاحب له طبري في الهرب به إلى دار أحد الجند ثم احضر قوما من الأكراد وأخرجه إليهم فساروا به وألحقوه بأبي علي بن إسماعيل فلحقه في بعض الطريق (انتهى).
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 258