أبو المظفر مؤيد الدولة مجد الدين أسامة ابن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم ابن سوار بن زياد بن رغيب بن مكحول بن عمرو بن الحارث بن عامر بن مالك ابن أبي مالك بن عوف بن كنانة بن بكر بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن تور ابن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك ابن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان الكناني الكلبي الشيزري وقال ياقوت يكنى أبا أسامة وأبا المظفر.
ولادته ووفاته
ولد يوم الأحد 27 من جمادى الآخرة سنة 488 بقلعة شيزر. وتوفي ليلة الثلاثاء 23 من شهر رمضان سنة 584 بدمشق ودفن شرقي جبل قاسيون على جانب نهر يزيد الشمالي. كذا في تاريخ ابن خلكان وفي النجوم الزاهرة توفي بحماه عن 96 سنة.
نسبته
الشيزري نسبة إلى شيزر بفتح الشين المعجمة وسكون المثناة التحتية وفتح الزاي وبعدها راء، قال ابن خلكان: قلعة بقرب حماه معروفة بقلعة بني منقذ انتهى وقال ياقوت: قلعة تشتمل على كورة بالشام قرب المعرة بينها وبين حماه يوم تعد في كورة حمص وهي قديمة ذكرها امرؤ القيس في قوله: عشية رحنا من حماة وشيزرا وفي شعر قيس الرقيات: أعلى حماه وشيزرا انتهى وفي أنساب السمعاني: شيزر مدينة وقلعة حصينة بالشام قريبة من حمص. وكان هذا الحصن في أيديهم أي بني منقذ يتوارثونه من أيام صالح بن مرداس سنة 419 ثم أخذه الرم ثم استرده منهم بالأمان علي بن مقدو سنة 474 بلقي في أيديهم حتى خرب بالزلازل سنة 552 وقتل كل من فيه من بني منقذ تحت أنقاضه.
عشيرته
قال ياقوت في معجم البلدان: ينسب إلى شيزر جماعة منهم الأمراء من بني منقذ وكانوا ملوكها. وقال في معجم الأدباء وفي منقذ جماعة أمراء شعراء لكن أسامة أشعرهم وأشهرهم وعن العماد في الخريدة لم يزل بنو منقذ ملاك شيزر وقد جمعوا السيادة والفخر وكلهم من الأجواد الأمجاد وما فيهم إلا ذو فضل وبذل واحسان وعدل وما منهم إلا من له نظم مطبوع. ومؤيد الدولة أعرقهم في الحسب وأعرفهم بالأدب. وقال السمعاني: أن أبا أسامة مرشد رزق أولادا كبارا فضلاء شعراء انتهى وقال ابن خلكان خرج من بيت علي بن مقلد جماعة نجباء أمراء فضلاء كرماء انتهى وفي ترجمته المصدر بها كتابه لباب الآداب: بنو منقذ أسرة مجيدة نشا فيها رجال كبار كلهم فارس شجاع وكلهم شاعر أديب وكانوا ملوكا في أطراف حلب بالقرب من قلعة شيزر عند جسر بني منقذ المنسوب إليهم وكانوا يترددون إلى حماه وحلب وتلك النواحي ولهم بها الدور النفيسة والأملاك المثمنة وذلك قبل أن يملكوا قلعة شيزر وكان ملوك الشام يعظمونهم ويكرمونهم وشعراء عصرهم يقصدونهم ويمدحونهم وكان فيهم جماعة أعيان رؤساء كرماء أجلاء علماء انتهى منهم رأس هذه الأسرة مقلد بن نصر بن منقذ قال ابن خلكان رزق السعادة في بنيه وحفدته. وابنه علي بن مقلد جد المترجم. وابنه مرشد بن علي والد المترجم. وأخواه نصر بن علي وسلطان بن علي وأخو المترجم علي بن مرشد ومحمد بن مرشد وابنه مرهف بن أسامة بن مرشد وحميد بن مالك بن مغيث بن نصر بن منقذ بن محمد بن منقذ وإسماعيل بن أبي العساكر سلطان بن علي بن منقذ ويحيى بن سلطان بن منقذ وغيرهم ويذكرون كل في بابه.
أقوال العلماء فيه
قال ابن خلكان: من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم له تصانيف عديدة في فنون الأدب ذكره أبو البركات بن المستوفي في تاريخ إربل وأثنى عليه وعده في جملة من ورد عليه وأورد مقاطيع من شعره. وفي تاريخ دمشق لابن عساكر: أسامة بن مرشد بن علي بن المقلد بن نصر بن منقذ بن نصر بن هاشم أبو المظفر الكناني الملقب بمؤيد الدولة له يد بيضاء في الأدب والكتابة والشعر قدم دمشق سنة 532 وخدم بها السلطان وقرب منه وكان فارسا شجاعا ثم خرج إلى مصر فأقام بها مدة ثم رجع إلى الشام وسكن حماه، واجتمعت به بدمشق وأنشدني قصائد من شعره سنة 558 وقال لي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الملحي أن المترجم شاعر أهل الدهر مالك عنان النظم والنثر متصرف في معانيه ليس يستقصى وصفه بمعان ولا يعبر عن شرحه بلسان فقصائده الطوال لا يفرق بينها وبين شعر الوليد وأما المقطعات فأحلى من الشهد وألذ من النوم بعد طول السهد انتهى وقوله لا يفرق بينها وبين شعر الوليد فيه مبالغة.
وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ: الأمير الكبير مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الشيزري حامل لواء الأبطال وشاعر الشام انتهى وعنه في تاريخ الإسلام أنه قال: أحد أبطال الإسلام ورئيس الشعراء الأعلام. ومر قول ياقوت أنه أشهر أمراء بني منقذ وأشعرهم. وعن عماد الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن حامد الكاتب الأصفهاني في كتاب خريدة القصر وفريدة العصر أنه قال: أسامة كاسمه في قوة نثره ونظمه يلوح من كلامه إمارة الإمارة ويؤسس بيت قريضة عمارة العبارة حلو المجالسة حالي المساجلة عالي النجم في سماء النباهة مطبوع التصانيف وعنه أيضا هذا مؤيد الدولة من الأمراء الفضلاء والكرماء الكبراء والسادة القادة العظماء وهو من المعدودين من شجعان الشام وفرسان الإسلام.
وفي النجوم الزاهرة: كانت له اليد الطولى في الأدب والكتابة والشعر وكان فارسا شجاعا عاقلا مدبرا كان يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب الجاهلية وطاف البلاد ثم استوطن حماه فتوفي فيها.
وفي شذارت الذهب: أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الأمير الكبير مؤيد الدولة أبو المظفر الكناني الشيزري كان من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم له تصانيف عديدة في فنون الأدب والأخبار والنظم وفيه تشيع.
وفي الطليعة: كان جم الفضل حسن التضيف من بيت تشيع أمراء وكان أميرا في مصر إلى آخر أيام الملك الصالح فنزل دمشق وبقي بها مكرما وكان أديبا شاعرا له ديوان.
أحواله
في ترجمته الملحقة بكتابه لباب الآداب أنه نشا في أسرة عربية أكثر رجالها محاربون من الطبقة الأولى وبعد ولادته بنحو سنتين بدأت الحروب الصليبية في بلاد الشام ورباه أبوه على الشجاعة والقوة ومرنه على الفروسية والقتال وكان يخرجه معه إلى الصيد ويدفع به بين لهوات الأسود ويقول هو عن نفسه بعد أن جاوز التسعين يحكي بعض ما لقي من الأهوال كما في كتابه الاعتبار: فهذه نكبات تزعزع الجبال وتفني الأموال والله سبحانه يعوض برحمته ويختم بلطفه ومغفرته وتلك وقعات كبار شاهدتها مضافة إلى نكبات نكبتها سلمت فيها النفس لتوقيت الآجال وأجحفت بهلاك المال. ويقول أيضا: فلا يظنن ظان أن الموت يقدمه ركوب الخطر ولا يؤخره شدة الحذر ففي بقائي أوضح معتبر فكم لقيت من الأهوال وتقحمت المخاوف والأخطار ولاقيت الفرسان وقتلت الأسود وضربت بالسيوف وطعنت بالرماح وجرحت بالسهام وأنا من الأجل في حصن حصين إلى أن بلغت تمام التسعين فانا كما قلت:
مع الثمانين عاث الدهر في جلدي | وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي |
إذا كتبت فخطي جد مضطرب | كخط مرتعش الكفين مرتعد |
فأعجب لضعف يدي عن حملها قلما | من بعد حطم القنا في لبة الأسد |
وأن مشيت وفي كفي العصا ثقلت | رجلي كأني أخوض الوحل في الجلد |
فقل لمن يتمنى طول مدته | هذي عواقب طول العمر والمدد |
سلام على أهل الكساء هداتي | ومن طاب محياتي بهم ومماتي |
بني البيت والركن المخلق من بني | التنسك التقديس والصلوات |
بني الرشد والتوحيد والصدق والهدى | بني البر والمعروف والصدقات |
بهم محص الرحمن عظم جرائمي | وضاعف لي في حبهم حسناتي |
ولولاهم لم يزك لي عملي ولا | تقبل صومي خالقي وصلاتي |
محبتهم لي حجة وولاهم | ألاقي بها الرحمن عند وفاتي |
يا حجج الله التي | لا تستطاع تجحد |
أنتم لنا لبانة | في قصدنا ومقصد |
وعنكم لا صدر | ودونكم لا مورد |
أمكم فاطمة | وجدكم محمد |
وحيدر أبوكم | طبتم وطاب الولد |
وصاحب لا أمل الدهر صحبته | يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد |
لم ألقه مذ تصاحبنا فمذ وقعت | عيني عليه افترقنا فرقة الأبد |
سلطاننا زاهد والناس قد زهدوا | به فكل على الخيرات منكمش |
أيامه مثل شهر الصوم طاهره | من المعاصي وفيها الجوع والعطش |
دار سكنت بها كرها وما سكنت | روحي إلى شجن فيها ولا سكن |
والقبر استر لي منها وأجمل بي | أن صدني الدهر عن عودي إلى وطني |
عجمتني الخطوب حينا فلما | عجزت أن تطيق مني مساغا |
لفظتني وسالمتني فقد عاد | حذاري أمنا وشغلي فراغا |
وأخو الصبر في الحوادث أن لم | يلقه الحين مدرك ما أراغا |
هذا كتاب فتى أحلته النوى | أوطانها ونبت به أوطانه |
شطت به عمن يحب دياره | وتفرقت أيدي سبا أخوانه |
متتابع الزفرات بين ضلوعه | قلب يبوح ببثه خفقانه |
تأوي إليه مع الظلام همومه | وتذوده عن نومه أشجانه |
لكنه لا يستكين لحادث | خوف الحمام ولا يراع جنانه |
ألفت مقارعة الكماة جياده | وسرى الهواجر لا يني ذملانه |
يومان اجمع دهرهأما سرى | أو يوم حرب تلتظي نيرانه |
إن جار دهري فوجهي ضاحك جذل | طلق وقلبي كئيب مكمد باكي |
وراحة في الشكوى ولذتها | لو أمكنت لا تساوي ذلة الشاكي |
أصبحت لا أشكو الخطوب وإنما | أشكو زمانا لم يدع لي مشتكى |
أفنى أخلائي وأهل مودتي | وأبان أخوان الصفاء واهلكا |
عاشوا براحتهم ومت لفقدهم | فعلي يبكي لا عليهم من بكى |
وبقيت بعدهم كأني حائر | بمفازة لم يلف فيها مسلكا |
أحبابنا كيف اللقاء ودونكم | خوض المهالك والفيافي الفيح |
أبكيتم عيني دما فكأنما | إنسانها بيد اح لفراق جريح |
فكان قلبي حين يخطر ذكركم | لهب الضرام تعاورته الريح |
يا مؤيسي بتجنيه وهجرته | هل حرم الحب تسويفي وتعليلي |
يبدي لي الياس تصريحا فتكذبه | الأطماع لي وارى الآمال تحلي لي |
وقد رضيت قليلا منك تبذله | فما احتيالي إذا استكثرت تقليلي |
ومماذق رجع النداء جوابه | فإذا عرى خطب فابعد من دعي |
مثل الصدا يخفى علي مكانه | أبدا ويملأ بالإجابة مسمعي |
أراني نهار الشيب قصدي وطالما | تجاوز بي ليل الشباب سبيلي |
وقد كان عذري أن أضلني الدجى | فهل لي عذر والنهار دليلي |
إذا ما عدا خطب من الدهر فاصطبر | فان الليالي بالخطوب حوامل |
وكل الذي يأتي به الدهر زائل | سريعا فلا تجزع لما هو زائل |
لا تخدعن بأطماع مزخرفة | لك المنى بحديث المين والخدع |
فلو كشفت عن الهلكى بأجمعهم | وجدت هلكهم بالحرص والطمع |
لا در درك من رجاء كاذب | يغترنا بلوامع من آل |
أبدا يسوفنا بنصرة خاذل | ووفاء خوان وعطفة قالي |
ونرى سبيل الرشد لكن ما لنا | عزم مع الأهواء والآمال |
قد كنت مسعر حرب كلما خمدت | أضرمتها باقتداح البيض في القلل |
همي منازلة الاقران أحسبهم | فرائسي فهم مني على وجل |
أمضى على الهول من ليل واهجم من | سيل وأقدم في الهيجاء من اجل |
فصرت كالغادة المكسال مضجعها | على الحشايا وراء السجف والكلل |
قد كدت أعفن من طول الثواء كما | يصدي المهند طول اللبث في الخلل |
أروح بعد دروع الحرب في حلل | من الدبيقي فبؤسا لي وللحلل |
وما الرفاهة من رأيي ولا وطري | ولا التنعم من همي ولا شغلي |
ولست أرضى بلوع المجد في رفه | ولا العلى دون حكم البيض والأسل |
إليك فما تثني شؤونك شأني | ولا تملك العين الحسان عناني |
ولا تجزعي من بغتة البين واصبري | لعل التنائي معقب لتداني |
فلا أسد غيل حيث حلت وإنما | يهاب التنائي قلب كل هدان |
ولا تحملي هم اغترابي فلم أزل | غريب وفاء في الورى وبيان |
وفيا إذا ما خان جفن لناظر | ولم يرع كف صحبة لبنان |
أرى الغدر عارا يكتب الدهر وسمه | ويقرؤه بين الورى الملوان |
ولا تساليني عن زماني فإنني | أنزه عن شكوى الخطوب لساني |
ولكن سلي عني الزمان فإنه | يحدث عن صبري على الحدثان |
رمتني الليالي بالخطوب جهالة | بصبري على ما نابني وعراني |
فما أوهنت عزمي الرزايا ولا لها | بحسن اصطباري في الملم يدان |
وكم نكبة ظن العدى إنها الردى | سمت بي واعلت في البرية شأني |
وما أنا ممن يستكين لحادث | ولا يملأ الهول المخوف جناني |
وإن كان دهر غال رفدي فلم يغل | ثنائي ولا ذكري بكل مكان |
وما كان إلا للنوال وللقرى | وغوثا لملهوف وفدية عاني |
حمدت على حالي يسار وعسرة | وبرزت في يومي ندى وطعان |
ولم ادخر للدهر أن راب أو نبا | وللخطب إلا صارمي وسناني |
لان جميل الذكر يبقى لأهله | وكل الذي فوق البسيطة فاني |
لا تستعر جلدا على هجرانهم | فقواك تضعف عن صدود دائم |
واعلم بأنك أن رجعت إليهم | طوعا وإلا عدت عودة راغم |
وما أشكو تلون أهل ودي | ولو أجدت شكيتهم شكوت |
ملكت عتابهم ويئست منهم | فما أرجوهم فيمن رجوت |
إذا أدمت قوارضهم فؤادي | كظمت على أذاهم وانطويت |
ورحت عليهم طلق المحيا | كأني ما سمعت ولا رأيت |
تجنوا لي ذنوبا ما جنتها | يداي ولا أمرت ولا نهيت |
ولا والله ما أضمرت غدرا | كما قد أظهروه ولا نويت |
ويوم الحشر موعدنا فتبدو | صحيفة ما جنوه وما جنيت |
قالوا نهته الأربعون عن الصبي | وأخو المشيب يحور ثمة يهتدي |
كم حار في ليل الشباب فدله | صبح المشيب على الطريق الأقصد |
وإذا عددت سني ثم نقصتها | زمن الهموم فتلك ساعة مولدي |
لم يبق لي في هواكم ارب | سلوتكم والقلوب تنقلب |
أوضحتم لي سبل السلو وقد | كانت لي الطرق عنه تنشعب |
آلام دمعي من هجركم سرب | قان وقلبي من غدركم يجب |
إن كان هذا لان تعبدني | الحب فقد أعتقتني الريب |
أحببتكم فوق ما توهمه الناس | وخنتم أضعاف ما حسبوا |
يا دهر ما لك لا يصد | ك عن مساءتي العتاب |
أمرضت من أهوى ويأ | بي أن أمرضه الحجاب |
لو كنت تنصف كانت | الأمراض لي وله الثواب |
لو كان صد معاتبا ومغاضبا | أرضيته وتركت خدي شائبا |
لكن رأى تلك النضارة قد ذوت | لما غدا ماء الشبيبة ناضبا |
ورأى النهي بعد الغواية صاحبي | فثنى العنان يريغ غيري صاحبا |
وأبيه ما ظلم المشيب فإنه | أملي فقلت عساه غني راغبا |
أنا كالدجى لما تناهى عمره | نشرت له أيدي الصباح ذوائبا |
حبسوك والطير النواطق إنما | حبست لميزتها على الأنداد |
وتهيبوك وأنت مودع سجنهم | وكذا السيوف تهاب في الأغماد |
ما الحبس دار مهانة لذوي العلى | لكنه كالغيل للآساد |
أنظر إلى حسن صبر الشمع يظهر | للرائين نورا وفي النار تستعر |
كذا الكريم تراه ضاحكا جذلا | وقلبه بدخيل الغم منفطر |
نافقت دهري فوجهي ضاحك جذل | طلق وقلبي كئيب مكمد باكي |
وراحة القلب في الشكوى ولذتها | لو أمكنت لا تساوي ذلة الشاكي |
لئن غض دهر من جماحي أو ثنى | عناني أو زلت باخمصي النعل |
تظاهر قوم بالشمات جهالة | وكم احنة في الصدر أبرزها الجهل |
وهل أنا إلا السيف فلل حده | قراع الأعادي ثم ارهفه الصقل |
لا تحسدن على البقاء معمرا | فالموت أيسر ما يؤول إليه |
وإذا دعوت بطول عمر لامرئ | فاعلم بأنك قد دعوت عليه |
كان قلبي إذا عن ادكاركم | ظل اللواء عليه الريح تخترق |
أحبابنا كيف اللقاء ودونكم | عرض المهامة والفيافي الفيح |
أبكيتم عيني دما لفراقكم | فكأنما إنسانها مجروح |
وكان قلبي حين يخطر ذكركم | لهب الضرام تعاورته الريح |
ذكر الوفاء خيالك المنتاب | فألم وهو بودنا مرتاب |
نفسي فداؤك من حبيب زائر | متعتب عندي له الأعتاب |
ودي كعهدك والديار قريبة | من قبل أن تتقطع الأسباب |
ثبت فلا طول الزيارة ناقص | منه وليس يزيده الأغباب |
حظر الوفاء علي هجرك طائعا | وإذا اقتسرت فما علي عتاب |
وأعجب ما لقيت من الليالي | وأي فعالها بي لم يسؤني |
تقلب قلب من مثواه قلبي | وجفوة من ضممت عليه جفني |
انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها | مغالبا ثم بعد الجمع يرميها |
كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها | حتى إذا مات خلاها وما فيها |
أأحبابنا هلا سبقتم بوصلنا | صروف الليالي قبل أن نتفرقا |
تشاغلتم بالهجر والوصل ممكن | وليس إلينا للحوادث مرتقى |
كأنا أخذنا من صروف زماننا | أمانا ومن جور الحوادث موثقا |
قمر إذا عاينته شغفا به | غرس الحياء بوجنتيه شقيقا |
وتلهبت خجلا فلو لا ماؤها | مترقرقا فيه لصار حريقا |
وأزور عني مطرقا فأضلني | أن اهتدي نحو السلو طريقا |
فليلحني من شاء فيه فصبوتي | بهواه سكر لست منه مفيقا |
أبا الفوارس ما لاقيت من زمني | أشد من قبضة كفي عن الجود |
رأى سماحي بمنزور تجانف لي | عنه وجودي به فاجتاح موجودي |
فصرت أن هزني جان تعود أن | يجني نداي رآني يابس العود |
سقوف الدور في خربرت سود | كستها النار أثواب الحداد |
فلا تعجب إذا ارتفعت علينا | فللحظ اعتناء بالسواد |
بياض العين يكسوها جمالا | وليس النور إلا في السواد |
ونور الشيب مكروه وتهوى | سواد الشعر أصناف العباد |
وطرس الخط ليس يفيد علما | وكل العلم في وشي المداد |
عماد الدين مولانا جواد | مواهبه كمنهل السحاب |
يحكم في مكارمه الأماني | ولو كلفته رد الشباب |
وعذرك في قضا شغلي قضاء | يصرفه فما عذر الجواب |
صديق لنا كالبحر قد أهلك الورى | ولم تنهم أخطاره عن ركوبه |
موداته تحكيه صفوا وخيرها | كمشربه من حوبه وذنوبه |
كنت بين الرجاء والياس منه | اقطع الدهر بين سلم وحرب |
التقي عتبه بأكرم أعتاب | ويلقى ذلي بتية وعجب |
فبدا للملوك إني لو رمت | سلوا لما سلا عنه قلبي |
فتجنى لي الذنوب ولا | والله ما لي ذنب سوى فرط حبي |
أنظر بعينك هل ترى | أحدا يدوم على المودة |
لترى أخلاء الصفاء | عدى إذا تأتيك شده |
تنكرني الأخوان حتى ثقاتهم | وحذرني منهم نذير التجارب |
كأني إذا أودعت سري عندهم | رفعت بنار فوق أعلى المراقب |
ولوا فلما رجونا عدلهم ظلموا | فليتهم حكموا فينا بما علموا |
ما مر يوما بفكري ما يريبهم | ولا سعت بي إلى ما ساءهم قدم |
ولا أضعت لهم عهدا ولا اطلعت | على ودائعهم في صدري التهم |
محاسني منذ ملوني بأعينهم | قذى وذكري في آذانهم صمم |
وبعد لو قيل لي ما ذا تحب وما | تختار من زينة الدنيا لقلت هم |
هم مجال الكرى من مقلتي ومن | قلبي محل المنى جاروا أو اجترموا |
تبدلوا بي ولا أبغي بهم بدلا | حسبي بهم أنصفوا في الحكم أم ظلموا |
يا راكبا تقطع البيداء همته | والعيس تعجز عما تدرك الهمم |
بلغ أميري معين الدين مالكة | من نازح الدار لكن وده أمم |
هل في القضية يا من فضل دولته | وعدل سيرته بين الورى علم |
تضييع واجب حقي بعد ما شهدت | به النصيحة والإخلاص والخدم |
إذا نهضت إلى مجد تؤثله | تقاعدوا وإذا شيدته هدموا |
وأن عرتك من الأيام نائبة | فكلهم للذي يبكيك يبتسم |
وكل من ملت عنه قربوه ومن | والاك فهو الذي يقصى ويهتضم |
أين الحمية والنفس الأبية إذ | ساموك خطة خسف عارها يصم |
هلا أنفت حياء أو محافظة | من فعل ما أنكرته العرب والعجم |
أسلمتنا وسيوف الهند مغمدة | ولم يرو سنان السمهري دم |
وكنت أحسب من والاك في حرم | لا يعتريه به شيب ولا هرم |
وان جارك جار للمسؤول لا | يخشى الأعادي ولا تغتاله النقم |
هبنا جنينا ذنوبا لا يكفرها | عذر فما ذا جنى الأطفال والحرم |
لكن رأيك أدناهم وأبعدني | فليت أنا بقدر الحب نقتسم |
وما سخطت بعادي إذ رضيت به | وما لجرح إذا أرضاكم ألم |
تعلقت بحبال الشمس منك يدي | ثم انثنت وهي صفر ملؤها ندم |
لكن فراقك آساني وآسفني | ففي الجوانح نار منه تضطرم |
فاسلم فما عشت لي فالدهر طوع يدي | وكلما نالني من بؤسه نعم |
ألق الخطوب إذا طرقن | بقلب محتسب صبور |
فسينقضي زمن الهموم | كما انقضى زمن السرور |
فمن المحال دوام حال | في مدى العمر القصير |
شكا ألم الفراق الناس قبلي | وروع بالنوى حي وميت |
وأما مثل ما ضمت ضلوعي | فاني ما سمعت ولا رأيت |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 252