الأخباريون أو الأخبارية هم فرقة من الشيعة الإمامية الاثني عشرية يمنعون الاجتهاد في الأحكام الشرعية ويعملون بالأخبار ويرون أن ما في كتب الأخبار الأربعة المعروفة للشيعة قطعي السند أو موثوق بصدوره فلا يحتاج إلى البحث عن سنده ولا يرون تقسيمها إلى أقسام الحديث المعروفة من الصحيح والحسن والموثق والضعيف وغيرها بل كلها صحيحة ويوجبون الاحتياط عند الشك في التحريم ولو مع عدم سبق العلم الإجمالي ويسقطون من الأدلة الأربعة المذكورة في أصول الفقه دليل العقل والإجماع ويقتصرون على الكتاب والخبر ولذلك عرفوا بالإخبارية نسبة إلى الأخبار ولا يرون حاجة إلى تعلم أصول الفقه ولا يرون صحته ويقابلهم الأصوليون أو المجتهدون وهم أكثر علماء الإمامية وهم القائلون بالاجتهاد وبان أدلة الأحكام أربعة الكتاب والسنة و الإجماع ودليل العقل وان الأخبار المشتملة عليها الكتب الأربعة في أسانيدها الصحيح والحسن والموثق والضعيف وغيرها وانه يجب البحث عن أسانيدها عند إرادة العمل بها ويقولون بالبراءة عند الشك في الوجوب أو التحريم إلا أن يسبق العلم الإجمالي بالوجوب أو التحريم ويشك في الواجب أو المحرم فيجب الاحتياط.
متى ظهرت مقالة الإخبارية
ويظهر أن أول من أثار المقالة الإخبارية هو الملا محمد أمين بن محمد شريف الأسترآبادي صاحب الفوائد المدنية المتوفي سنة 1036 فإنه زعم أن أول من قال بالاجتهاد واتبع أصول الفقه من الإمامية الحسن بن أبي عقيل العماني ومحمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي كلاهما من أهل المائة الثالثة إلى الرابعة وينسب إلى ثانيهما العمل بالقياس وان الشيخ المفيد لما اظهر حسن الظن بتصانيفهما بين أصحابه ومنهم المرتضى والشيخ الطوسي شاعت طريقتهما بين متأخري أصحابنا حتى وصلت النوبة إلى العلامة فالتزم في تصانيفه أكثر القواعد الأصولية وهو أول من قسم أحاديثنا إلى الأقسام الأربعة المشهورة ووافقه الشهيد الأول والشيخ علي الكركي والشهيد الثاني وولده والشيخ البهائي والسبب في ذلك غفلة من أحدثه عن كلام قدمائنا لألف ذهنه بما في كتب غيرنا انتهى. ثم قال بمقالة الإخبارية من مشاهير العلماء أصحاب الوسائل والوافي والحدائق وغيرهم وقد ظهر في المائة الثانية عشرة رجل يسمى ميرزا محمد بن عبد النبي النيسابوري الشهير بميرزا محمد ألأخباري تعصب لطريقة الإخبارية وجرت بينه وبين الفقيه الشيخ جعفر النجفي ردود وقتل في الكاظمية حوالي 1233 والقائلون بمقالة الإخبارية إنما قالوا بها لشبهة دخلت عليهم نبينها:
ملخص الخلاف بين الأصوليين والإخباريين
يتلخص الخلاف بين الأصوليين والإخباريين في أمور:
’’الأول’’ الاجتهاد والتقليد فأوجب الأصوليون الاجتهاد كفاية وأوجبوا على العامي تقليد المجتهد ومنع الإخباريون من الاجتهاد ومن تقليد المجتهد وقالوا يلزم الرجوع إلى الإمام بالرجوع إلى الأخبار المروية عنه للأخبار الناهية عن الأخذ بآراء الرجال وعن المقاييس والقائلة بان دين الله لا يصاب بالرأي وعقول الرجال ولا بالقياس وان أصل علم الأصول من غيرنا ولم يرد به نص من أئمتنا. والحق أن الاجتهاد كان موجودا في عصر الأئمة عليهم السلام وقد ألقوا كثيرا من قواعد الأصول إلى أصحابهم كالبحث عن الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والعام والخاص وذكر في أخبارهم الاجتهاد وشروطه وشرائط من يصح تقليده وحجية الظواهر وجواز العمل بالعام والمطلق ونحوهما وجواز التفريع على الأصول والقواعد الكلية وأصالة البراءة والاستصحاب وفي الشبهة المحصورة وحجية خبر الثقة وبطلان القياس وعلاج الأخبار المتعارضة وغير ذلك مما ذكرناه في الجزء الأول من هذا الكتاب. والرأي الصرف والقياس لا يقول به الأصوليون وقد نظروا في علم الأصول فأخذوا بما قام عليه الدليل وتركوا غيره كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغير ذلك وقد بينا أن علم الأصول مأخوذ جل قواعده عن أئمتنا وهب أن وضعه من غيرنا فلا يوجب ذلك تركه بعد قيام الدليل على ما صح منه وكأنهم ظنوا من كلمة الاجتهاد أن الأصوليين يأخذون بالرأي الصرف ولذلك سمي اجتهادا وهو ظن فاسد وإنما يأخذون بما استفادوه من الكتاب والسنة والإجماع الصحيح وحكم العقل القاطع. والعمدة فيه الكتاب والسنة فهم في الحقيقة مرجحون لا مجتهدون. وأمر واضح سهل يبطل الزعم أن التقليد للإمام وهو أن العامي المحض الذي لا يفقه معنى الأخبار ولا حجيتها ولا علاج تعارضها كيف يقلد الإمام ويأخذ بقوله. قولكم أن العالم يروي له الخبر ويجمع بين متعارضاته ويفسره له ويقول له هذا قول الإمام فقلده قلنا فهذا هو الاجتهاد الذي أنكرتموه وهذا هو التقليد الذي منعتموه فالعالم قد اجتهد في أن هذا الخبر حجة وانه أرجح من معارضة وان الأمر الذي فيه للوجوب أو النهي الذي فيه للتحريم إلى جميع ما هنالك والعامي لا يعرف شيئا من ذلك لكنكم لا تسمونه اجتهادا وهو اجتهاد ولا أخذ العامي به تقليدا وهو تقليد ونحن نسميها بذلك.
(الثاني) تقليد الميت منعه الأصوليون ابتداء واختلفوا في جوازه دواما ونظرهم في ذلك إلى أن التقليد على خلاف الأصل ولم يقم الدليل على جواز تقليد الميت وقال الإخباريون أن الحق لا يتغير بالموت والحياة وحلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه كذلك وجوابه أن الحق الذي لا يتغير هو الواقعي لا الظني وزعمهم أنهم لا يعملون إلا بالعلم زعم فاسد.
(الثالث) الأخبار فزعم الإخباريون أن أخبار الكتب الأربعة كلها صحيحة لأن جامعيها قد انتقوا الأخبار وحذفوا منها ما رواه الضعفاء والمجروحون وغيرهم واثبتوا ما رواه الثقات فقط أو قامت عندهم قرائن على صحته وان قدماء أصحابنا كانوا على ذلك وان أول من قسم الخبر إلى الأقسام الأربعة المعروفة وغيرها هو العلامة الحلي أو شيخه جمال الدين بن طاوس وقبل ذلك لم يكن لهذا التقسيم اثر وقال الأصوليون أن فيها الصحيح والحسن والموثق والضعيف والمرسل وغيرها وإذا رأينا في أسانيدها الضعاف والمجروحين ورأينا فيها المرسل والمقطوع فما الذي يسوع لنا أن نعمل بها كلها ونحكم بصحتها ولا نبحث عن أسانيدها. ولو سلمنا أن جامعي هذه الكتب قد انتقوا أحاديثها كما قالوا فهم قد فعلوا ذلك بحسب اجتهادهم واعتقادهم الذي يجوز عليه الخطأ فإذا بان لنا خطؤهم كيف يسوع لنا تقليدهم (والقول) بان أقوال الجارحين والمعدلين لا تفيد أكثر من الظن فكيف قبلنا في الجرح والتعديل ولم نقبلها في تصحيحهم ما رووه يرده مع التسليم أن قصارى ذلك أن يتعارض قولهم مع أقوال الجارحين لا أن يؤخذ بقولهم ويطرح ما عداه ويكفي لرد قولهم أن من خرجت هذه الأخبار من تحت أيديهم قد يردون بعضها بضعف السند كالشيخ الطوسي وغيره.
(الرابع) دليل العقل كقبح التكليف بما لا يطاق وقبح العقاب بلا بيان وهذا له موارد كثيرة في علم الأصول معروفة لا حاجة بنا إلى بيانها ومن موارده نفي الوجوب عند الشك في الوجوب مع عدم سبق العلم الإجمالي بالوجوب والشك في الواجب كالشك في وجوب غسل الجمعة مثلا وعدم العثور على دليل يفيد الوجوب بعد الفحص وهذا ادعى صاحب الحدائق أحد رؤساء الإخبارية أنه لا خلاف ولا إشكال في صحة الاستدلال هنا بالبراءة الأصلية لنفي الوجوب لان الوجوب يستلزم تكليف ما لا يطاق وللأخبار الدالة على أن ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم والناس في سعة ما لم يعملوا ورفع القلم عن تسعة أشياء وعد منها ما لا يعلمون ومن موارده نفي التحريم عند الشك في التحريم وعدم سبق العلم الإجمالي والشك في المحرم كالشك في تحريم التدخين مثلا وهذا اتفق الأصوليون على العمل بالبراءة فيه لقبح العقاب بلا بيان يصل إلى المكلف وهذا ادعى صاحب الحدائق اتفاق الإخبارية على وجوب التوقف والاحتياط فيه واختاره واحتج عليه بأشياء عمدتها استفاضة الأخبار بان الأشياء حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك ولو جاز العمل بالبراءة الأصلية لما تم التثليث ودخل المشكوك في الحلال البين وتكاثر الأخبار بل تواترها بأنه مع عدم العلم بالحكم الشرعي يجب التوقف والوقوف على جادة الاحتياط.
وأول ما يراد على تفرقته بين الشك في الوجوب والشك في التحريم أن الأدلة التي ذكرها لنفي الوجوب جارية بعينها في نفي التحريم وما ذكره لوجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية من دلالة الأخبار على أنه مع الجهل بالحكم الشرعي يجب التوقف أن تم جرى في الشبهة الوجوبية لان الجهل بالحكم الشرعي حاصل في المقامين والحق عدم وجوب الاحتياط في المقامين لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وأخبار التوقف محمولة على التوقف عن الحكم بالوجوب أو التحريم واقعا لأنه قول بغير علم لا عن الحكم ظاهرا وفي مقام العمل والأمر بالاحتياط يمكن حمله على الاستحباب لمعارضته بحكم العقل.
(الخامس) الاستصحاب فقد جعله صاحب الحدائق في مقدمات حدائقه من موارد الخلاف بين الأصوليين والإخباريين وهذا يمكن أن يكون له وجه بالنسبة إلى أقوال القدماء من الأصوليين أما عند المتأخرين الذين يستدلون على الاستصحاب بإطلاق قوله عليه السلام إذا كنت على يقين من شيء فلا تنقض يقينك بالشك فلا مجال لأحد إلى إنكار حجية الاستصحاب.
وقد ذكر بفضهم للفرق بين الأصوليين والإخباريين تسعة وعشرين وجها وعمدتها ما ذكرناه والباقي راجع إليه.
والحاصل أنه لا مناص في معرفة الأحكام غير الضروريات من الاجتهاد ولا مناص لمن يريد الاجتهاد من معرفة علم الأصول ليعلم هل يجوز استعمال المشترك في أكثر من معنى وهل يجوز استعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي وهل الأمر للوجوب والنهي للتحريم وهل يمكن اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد شخصي وهل يقتضي الأمر بالشيء النهي عن ضده إلى غير ذلك من مسائل الأصول فان هذه الأمور لا بد من معرفتها لمن يريد معرفة الأحكام الشرعية سواء قلنا بان الأخبار كلها صحيحة أم لم نقل فان القول بصحتها لا يغني عن معرفة هذه الأمور كما هو واضح ولكن علم الأصول قد دخله تطويلات كثيرة من غيرنا ومنا لا لزوم لها وقد اختصر جملة منها صالب المعالم واتى بما يناسب ما وصلت إليه الأفكار ذلك العصر واستدرك عليه من جاء بعده استدراكات نافعة ولكنهم أطالوا أطالات توجب ضياع العمر من عهد صاحب القوانين في المائة الثانية عشرة إلى اليوم مع صعوبة العبارة وحقق فيه الشيخ مرتضى الأنصاري تحقيقات نافعة جدا ولكنه أطال واتى بما يمكن الاستغناء عنه واختصره وحققه شيخنا وأستاذنا الشيخ ملا كاظم الخراساني في كتابه الكفاية لكنه أتى فيها بعبارات مغلقة ومزج مسائله بجملة من مسائل الحكمة وكان على المتأخرين أن يهذبوا ما ألفه المتقدمون ويختصروه لا أن يأتوا بمثل ما أتوا به ويزيدوا في التطويل والتعقيد ولو كانت المؤلفات فيه مهذبة ومختصرة لكفى لمعرفته من الزمن عشر ما كان يعرف فيه على الأقل.
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 222