الأمير أبو العباس أحمد بن نصر بن حمدان كان من أمراء بني حمدان المعروفين الممدوحين في عصر الأمير سيف الدولة الحمداني. قال السري الرفا يمدحه:
عوجا على ذاك الكثيب من كثب | فكم لنا في ربوتيه من ارب |
ما عن للعين به سرب مهى | إلا جرى من جفنها دمع سرب |
سرن وقد عوض قلبي طربا | للحزن من فرط السرور والطرب |
واحتجبت في ذلك الرقم دمى | تالف أثناء الحجال والحجب |
جدن بأجياد تحليها النوى | فرائدا من دمع عين منسكب |
صواعد الأنفاس أبقت أنفسا | في صعد منا ودمعا في صبب |
ومخطف يهتز عن ماء الصبا | كأنما يهتز من ماء العنب |
قام وسوق اللهو قد قام به | ينخب اقداح الندامى بالنخب |
ويمزج الكاس بعذب ريقه | حتى تبدى الصبح مبيض العذب |
وجدي به وجد الأمير أحمد | بجمع حمد وبتفريق نشب |
أغر رد الجود وعدا صادقا | من بعد ما كان غرورا وكذب |
يريه أعلى الرأي حزم كامن | فيه كمون الموت في حد القضب |
حسب بني حمدان فخرا انهم | أبناء محمود السماح والحسب |
أسد إذا ما سلبت أسد الوغى | أنفسها عافت نفيات السلب |
حن إلى أرض العراق فامتطى | مطية تسبح في اللج اللجب |
ناجية ترجو النجاء تارة | بسيرها وتارة تخشى العطب |
إذا المطايا قومت رؤوسها | لتهتدي قوم هاديها الذنب |
ركائب أن عرست لم تسترح | وان سرت لم تشك إفراط التعب |
ولم يزر بغداد حتى زارها | بحر ندى يحيا به روض الأدب |
أثرى من المجد فأبقى سعيه | مأثرا تبقى على مر الحقب |
فراح راجيه وقد نال المنى | بنائل فلل أنياب النوب |
شفاه قربا وقد أشفى على العطب | خيال نائية حياه من كثب |
أ لم يتحفه بالورد من خفر | في وجنتيه وبالصهباء من شنب |
فبات عذب الرضا والظلم ليلته | وربما بات مر الظلم والغضب |
إذا تجلى جلا الخدين في خفر | وان تثنى ثنى العطفين من تعب |
وكيف بالجد منها وهي لاعبة | تهدي إلى الصب جد الشوق في اللعب |
تعرضت لك في بيض السوالف لا | يسلفن وعدا ولا يقرفن بالريب |
من بارز بحجاب الصون محتجب | وسافر بنقاب الورد منتقب |
هلا ونحن على كثب اللوى اعترضت | تلك المحاسن من قضب ومن كثب |
أيام لي في الهوى العذري ماربة | وليس لي في هوى العذال من أرب |
سقى الغمام رباها دمع مبتسم | وكم سقاها التصابي دمع مكتئب |
ولو حمدت بها الأيام قلت سقى | ربوعها أحمد المحود في النوب |
سأبعث الحمد موشيا سبابيه | إلى الأمير صحيحا غير مؤتشب |
أن المدائح لا تهدى لناقدها | إلا وألفاظها أصفى من الذهب |
كم رضت بالفكر منها روضة أنفا | تفتح الزهر منها عن جنى الأدب |
إذا الرجا هز أرواح الكلام بها | اتتك أحسن من مهتزة القصب |
أما تراه أبا العباس معترضا | على السها ويدي تجنيه من قرب |
خطى المكارم فرد الحسن مغتربا | يلوذ منه بفرد الجود مقترب |
مقسم بين نفس حرة ويد | مقابل بين أم برة وأب |
مصباح خطب له في كل مظلمة | صبح من العر أو صبح من الحسب |
إذا بلونا عديا يوم عادية | كانت ضرائبها أحلى من الضرب |
قوم هم البيض أفعالا إذا اطردت | جداول البيض في غاب القنا الاشب |
راح الصيام فولى عنك منقبضا | ورحت عنه باجر عير منقضب |
فعاد فطرك في نعماء سابغة | وفي سعود تليها سائر الحقب |
أتاك والجو يجلى في ممسكة | والأرض تختال في أبرادها القشب |
إذا ألح حسام البرق مؤتلقا | في الروض جد خطيب الرعد في الخطب |
فللخمائل بسط غير زائلة | وللسحائب ظل غير مستلب |
تملها يا ابن نصر فهي سيف وغى | ماضي الظبا وشهاب ساطع اللهب |
تسري فتخفق أحشاء العدو لها | كأنها راية خفاقة العذب |
تكاد تبرق لو أن الثناء له | كتيبة برقت من قبل في الكتب |
فلو هتفت بها في يوم ملحمة | قامت مقام القنا والبيض واليلب |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 194