قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري الأكمه
يحيى بن الحسن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن صفوان
يحيى بن الحسن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن صفوان
ابن عبد الرحمن بن يحيى بن مزدوغة بن محمد بن عبد الله بن دعامة بن عرار القيسي، يكنى أبا بكر. وهو الفقيه الأجل الوزير أبو بكر بن صفوان، مشهور الحسب، جليل المقدار، قديم الرياسة، معلوم المكان. يتصل نسبه بعرار المتقدم الذكر. وعرار هو الداخل في طالعة بلج. وقد تقدم ذكر والد أبي بكر في باب الحسن. ولم يزل عقب عرار يتمادى ويتّصل، ويتوالى ولا ينفصل، إلى أن أعقب أبا بكر يحيى المذكور. وكان أكثرهم عدّا، وأولهم جلالة ومجدا. انتظم به سلك فخارهم، وكملت به مكارم أخبارهم. فاق أهل زمانه سياسة ونباهة، وبرعهم عناية ووجاهة. كان رحمه الله أحسن الناس خلقا وأنداهم يدا وأشدّهم تسرّعا لقضاء الحوائج وأسرعهم إلى فعل الخير. وكان رحمه الله مقسّم المال على الأصحاب والخدّام، معظّما عند الملوك والسادات، مشارا إليه، سنيّ الهمة، ذا شارة حسنة، كثير الفضائل.
حدّثت أنّ بعض خدامه كان يتفقّده في الجمع بحوت نفيس رغبة في وجاهته، وطلبا في عنايته (به)، إلى أن انقطع عنه ذلك الرجل مدة. فبينما هو جالس في بعض الأيام، وإذا بامرأة قد جاءت تشكو له بحالها، وأنّ عندها بنتا تحتاج إلى الزواج، وما لها بما تجهّزها (به)، وعرّفته أنها زوجة ذلك الرجل، وأنه قد مات.
فقال لها: اقعدي حتى أخرج إليك، فمكث ساعة ثم خرج إليها بزمام في يده، ونحو من ثلاثين دينارا. فقال لها: يا هذه خذي هذه الدراهم، واصلحي بها (حال) نفسك فشكرته. وترامت عليه (تقبّل يده). فقال لها: يا هذه، لا تشكريني على هذا، فإن تلك الدراهم من مال زوجك. فقالت له: يا مولاي، وكيف؟ فأخبرها أنه عند ما كان زوجها يأتيه بذلك الحوت النّفيس كان يعرضه على من يقدّره له، ويقيّد عند ذلك، حتى اجتمع في الحوت وغيره من الهدايا ذلك العدد، فدفعه إليها، وقال لها: إذا كانت الصبية للزواج، فجهازها عندي. فكان (الأمر) كذلك.
وهذا غاية في الفضيلة والكرم. ومكارمه وإحسانه أكثر من هذا.
وبقي رحمه الله ببلده مالقة. فلما كان في أيام الأمير أبي (محمد) عبد الواحد المخلوع حمل بيعة مالقة. ولقي الوزير الأجلّ أبو بكر يحيى منه من القبول والإكرام ما رقّى درجته، ورفعه وأظهر أثر العناية عليه. ثم وصل خبره أنه مات بأحواز مربلّة، ووصل إليها ابنه أبو جعفر، فأخبر أنه مات بعد هدء من الليل ليلة يوم الاثنين الثامن عشر من رجب الفرد من عام إحدى وعشرين وستمائة. وأوصله ولده المذكور ميتا في الظهر من يوم الثلاثاء التاسع من الشهر المذكور. وكانت وفاته في زورق على ظهر البحر بناحية استبونة، ودفن بمالقة، عند صلاة المغرب من اليوم المذكور. والله يجدد عليه الرحمة بمنّه. ورثاه رحمه الله جملة من الشعراء. وممّن رثاه خالي رحمة الله عليه بهذا الرّثاء: [بسيط]
أمّا الحمام فمحتوم ومقدور | فالصّبر أولى، ومن ينفث فمصدور |
دع عنك زخرف عيش لا بقاء له | كأنّه فوق ظهر الماء تصوير |
واخلع ثياب الأماني فهي كاذبة | دنوّها - وإن امتدّ المدى زور |
لا يترك الموت ذا عزّ لعزّته | ولا الذي هو مذلول ومحقور |
سيّان للموت: آساد وغيد فلا | وذو التّواضع منّا والجبابير |
من لم يصبه غدا وافاه بعد غد | فما يفيدك تقديم وتأخير |
دع التّعمّق في فعل وفي كلم | فذو البلاغة عند الموت محصور |
والموت لا يعرف الإعراب عامله | فيستوي فيه مرفوع ومجرور |
سلا خبيرا بهذا الدّهر إنّ له | عجائبا هي للألباب تذكير |
واستنطقا اثر الماضي ففيه، وإن | لم يسطع النّطق، تعريف وتعبير |
فهل عدا الموت عادا عند ما كثروا | فلم تفد قوة فيهم وتكثير |
وعن ثماد ثمود هل تحيّنها | من حادث الدّهر تعطيل وتعذير |
واذكر أخا الحضر إذ أمسى بقنّته | فما تصبّح إلاّ وهو محشور |
وسل معافر إذ طالت سنوه أما | غدا بترب المنايا وهو معفور |
واستفهما لبدا عن طول مدّته | أخلّدته فأمسى وهو منظور |
وعن ربيع وما يغشاه من مطر | ومن رياح أسفّته الدّهارير |
وعن لبيد وقد أبدى السّآمة من | طول الحياة، ألم يلحقه تغيير |
وعن جديس وطسم كم تطمّس من | آثارها فهي إن أبصرتها بور |
وعن معدّ وما عدّوه من ولد | له، أمنهم مع الأحياء مذكور |
كم قد أشادوه من قصر وكم عمروا | فمنهم اليوم بطن الأرض معمور |
قد مات (منهم) لعمر الله منتجه | إنّ الجميع بسهم الموت مقهور |
أعد أحاديث هذا الموت فهي لنا | أنس، وهنّ لذي السّلوان تكدير |
وهوّن الأمر، إنّ الموت من عظم | معروفه في نفوس الخلق منكور |
فاذكر فقيدا أتتنا كلّ فادحة | بفقده فنظام الأنس منثور |
وقابلتنا وجوه العيش فاسدة | وأبصرتنا عيون للمها عور |
وأضرمت بلهيب الشّوق واتّقدت | صدورنا فهي تشبيها تنانير |
وأرسلت سحب الأجفان أدمعها | فكلّ خدّ بماء الدّمع ممطور |
على الذي إن يطل وصف الرّثاء له | فإنّما هو في التّحقيق تقصير |
على المقدّم في الأمر الجليل، له | في المشكلات إذا أشكلن تصدير |
على الذي انتثرت شهب السّماء له | ودكّ في الأرض من أرزائه الطّور |
على الصّفيّ ابن صفوان ومن شرفت | به اليراع بهاء والمحابير |
ايه أبا بكر الأعلى وكم طمعت | نفسي بما لو تؤتّيها المقادير |
ألفّ عنك قضيب المجد في كفن | عليه كلّ حنوط الطّيب مذرور |
ما كان أغناك عن هذا وذاك فمن | ثناك ترب ومن ريّاك كافور |
قد أظلمت بعدك الآفاق من وله | كأنّما اتّصلت فيها الدّياجير |
إذا ذكرت فأنفاس مصعّدة | كأنّ ذاكرك الملهوف مهجور |
من المؤمّل، أما ذو الدّنى فله | شغل وذو الدّين في دنياه مقهور |
وكنت في ذين مضّاء العزائم قد | أصاب كلّ عسير منك تيسير |
ما كنت كالنّاس لكن إن يقل بشر | ففضّة قد حكاها اللّون قزدير |
لو كان صفوك للماء القراح لما | بدا بصفحيه للورّاد تكدير |
أو كان عندك للسّيف الحسام لما | بدا به من قراع الهند تأثير |
أو كان جودك في زهر الرّياض لما | حمى جنى الورد من شوك سنانير |
بنى لك الله بين الخلق منزلة | لها العلاء أساس والتّقى سور |
يا مخلصا وضع الله القبول له | حتّى استوى منه منهيّ ومأمور |
لو بعض حبّك بين الخلق كلّهم | مقسّم لم يكن في النّاس مهجور |
ما زلت تحسن حتّى في الممات فقد | أصبحت والكلّ منّا فيك مأجور |
أقمت بالعدوة القصوى وأنفسنا | لها من الذّعر تسبيح وتكبير |
حليف حصرين إمّا من سيوف عدى | محصّر، ومن الأمراض محصور |
وكلّ ذلك إن حقّقته عرض | قد انقضى، وهو عند الله مذخور |
جرت ودائرة الأفلاك تحسرها | في اليمّ تحملك الفلك المواخير |
ومن لها بك بدر لو تسير به | لم يعقب الشّمس في الأفلاك ديجور |
لو يعلم الفلك ما يحويه من كرم | لم تستطع سيره الفتخ الكواسير |
سلّت عليك ضلوع منه فانتفضت | حزنا، وفارق جنبيه الدّساتير |
وقد بدا منه إشعار، فمن وله | أنينه وهو عند الله تصوير |
وكنت مجتمع البحرين فاجتمعت | ثلاثة هي في الأرض المشاهير |
فاثنان ماؤهما ملح لشاربه | وثالث منه ماء المزن معصور |
عذب يفيض على العافي عوارفه | درّا، وكلّ نوال البحر منزور |
إني أظنّهما جارا به حسدا | وكلّ ذي حسد لا شكّ مدحور |
كأنّ زورقه الجاري (بصفحته) | جفن قد استلّ من إنسانه النّور |
لمّا انحدرت إلى شطّ المجاز وقد | تقدّمتك التّهاني والتّباشير |
وهبّت الرّيح طيبا عند ما فصلت | به الرّكائب في البيداء والعير |
فطار فينا سرور لو يخوض بنا | في لجّة البحر أضحى وهو معبور |
فمن مقيم، إلى لقياك مرتقب | ومدلجين لهم جدّ وتشهير |
فبينما نحن في أنس وفي فرح | والكلّ منّا بقرب الدّار مسرور |
وافى المصاب بباك وهو مبتسم | وهائم منه في الضّدّين تفكير |
يبكي ويضحك لا عقل ينبّهه | كما تحرّق دون القصد مخدور |
يا واصلا لم يصل والنّاس قد وصلوا | كأنّما هو طيف، زار، مذعور |
أستودع الله منك القبر أيّ فتى | على الفضائل والآداب مفطور |
مبارك لو ينيل التّرب سائله | لعاد تبرا تساويه الدّنانير |
له من الجنّ تسخير يخلّصه | ومن تناوله الميمون إكسير |
حسيب ريّة من قوم لهم شرف | تزهى الدّواوين منه والدّفاتير |
سيوفهم فتحتها وهي مغلقة | حتّى اشتفى الدّين منها وهو موتور |
قيس وما القيس إلاّ سادة نجب | تزهى القبائل منهم والعشائير |
توارثوا المجد من جدّ إلى ولد | يأتي أكابر إن مرّت أكابير |
حتّى أتيت أبا بكر قد اجتمعت | لك الفضائل منهم والمآثير |
فرد تفتّق عنه كلّ مكرمة | كما تفتّق في الرّوض الأزاهير |
يبكيك كلّ طريد الدّار منتزح | عن الأقارب أعيته المعاذير |
قد كان منك إلى ظلّ ومستند | يأوي، ويعقبه، المعسور، ميسور |
يبكيك طالب حاجات معذّرة | (له) لبابك إدلاج وتهجير |
فالآن يرجع لا ما رام أدركه | منها فحبل رجاء الحاج مبتور |
إنّي لأبكيك عن خبر ومعرفة | فأنت عندي معلوم ومخبور |
إن يؤثر الفضل في الأقوام عن فرق | شتّى، فعنك جميع الفضل مذخور |
أو يوصف النّاس أفرادا بمكرمة | فأنت بالكلّ موصوف ومشهور |
قد أقفرت أربع الإكرام منه وقد | سفّت عليها لأرواح البلى مور |
وعند ما كان غصنا مثمرا كرما | هبّت عليه من البلوى أعاصير |
ومدّ في القبر لكن ..... | لأنّه فيه حتّى الحشر مقصور |
يا روضة باهر الأفضال ناب بها | عن البهار وعن خيريّها الخير |
تيهي على الدّهر طول الدّهر والتزمي | إعظام أعظم من في التّرب مقبور |
فقد تانّس سكّان القبور به | كما توحّش من في الدّور، والدّور |
بين المعزّين كأس الحزن دائرة | فالنّاس مخمورة: سكرى ومخمور |
عزّيت فيك لأنّ النّاس قد علموا | أنّي، إذا متّ وجدا فيك، معذور |
زجّوا عن الغمض منك الجفن (وائتربوا) | فالكلّ منهم من الأرزاء موفور |
هذا شقيقك لا صبر يؤنّسه | كأنّه لسماع الحزن مصدور |
وذا خليلك فوق التّرب منعفر | كأنّه بسيوف الحتف معقور |
فيا بنيه اخلفوا فينا مراتبه | فالزّهر تجلو الدّجى والبدر مستور |
ولتلزموا كلّ فعل كان يلزمه | من المعالي فسيروا مثله سيروا |
حيّى ضريحا حواه، كلّ منهمر | ولا تعدّاه تقديس وتطهير |
وحلّ روضة خلد لا زوال لها | تغدوا عليه (بها) الولدان والحور |
إنّ القلوب إليه الدّهر مائلة | وأعين النّاس وجدا نحوه حور |
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، دار الأمان للنشر والتوزيع، الرباط - المغرب-ط 1( 1999) , ج: 1- ص: 367