الشيخ أحمد ابن الشيخ محمد ابن عطية البحراني الأصبغي
في أنوار البدرين: لم أقف على من ذكره سوى شيخنا الشيخ يوسف في كتابه الكشكول في المكاتبة التي صدرت منه لتلميذه العالم الشيخ صلاح الدين ابن العلامة الشيخ علي بن سليمان القدمي وكفاه هذا الكتاب فضلا وعلما وأدبا ونبلا الذي تصدى لشرحه في كتاب مستقل بعض العلماء السادة من توبلي وهو السيد علي بن السيد حسين الأديب اللغوي وهذه المكاتبة في أعلى طبقات البلاغة نثرا وشعرا ويكفيه أيضا تلمذ مثل الشيخ صلاح الدين عليه ووصف الشيخ يوسف له بالشيخ الفاضل الأمجد.
(أقول) كتابته الآتية لا تستحق كل هذه المبالغة ولا بعضها نثرها ونظمها وقد حذفنا منها بعض ألفاظ لا يليق ذكرها وبينا في الهامش انتقاد بعضها وتركنا الباقي لمعرفة القارئ وتلمذ الشيخ صلاح الدين عليه في صغره لا يدل على كبره وليس قصدنا الحط من شأنه، ويكفي شهادة الشيخ يوسف له بالفضل في دخوله في موضوع كتابنا، لكن الغرض بيان أن هذه المبالغات التي اعتادها كثير من المؤلفين في التراجم قد أوجبت عدم الوثوق بأقوالهم في وصف من يترجمونه ونشا منها اختلاط الحابل بالنابل. ورحم الله الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي نزيل سامراء حيث قال: الزيادة على الواقع تذهب الواقع. قال ولا باس بنقل ذلك الكتاب لما فيه من البلاغة والأدب. قال الشيخ يوسف في كشكوله ما لفظه: هذا كتاب أرسله الشيخ الفاضل الأمجد الشيخ أحمد ابن المرحوم الشيخ محمد بن عطية البحراني الأصبغي لجناب الشيخ الكامل العلامة الشيخ صلاح الدين ابن العلامة الشيخ علي بن سليمان البحراني القدمي وكان الشيخ صلاح الدين المذكور في صغره يقرأ على الشيخ أحمد المزبور فعذله قوم معاندون للشيخ أحمد على درسه عليه وقراءته لديه وقالوا له كيف يجوز أن يتقدم المفضول على الفاضل أم كيف يجوز أن يسود الناقص على الكامل فتأخر الشيخ صلاح الدين عن ملازمته فكتب إليه الشيخ أحمد عاتبا عليه وناصحا له فلما وصل الكتاب إلى الشيخ صلاح الدين رجع إلى ما كان عليه من الدرس على الشيخ أحمد المذكور وقد شرحه السيد الشريف السيد علي بن السيد حسين العلامة المشهور الكتكتاني التوبلي البحراني وهذه صورة الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمدا لله وان كلب الزمان وخانت الأخوان واختلفت الأهواء وتشتت الآراء والسلام على رسوله الذي صدع بالرسالة وبالغ في الدلالة وجاهد في سبيل الله حق جهاده وأدأب نفسه في إرشاد عباده لم يبال بشقاق مشاق ولا خذل خاذل ولم تأخذه في الله لومة لائم ولا عذل عاذل وآله الذين سقوا كؤوس الخذلان وتجرعوا ذعاف الهوان واحتملوا في الله عظيم الأذى وأغضوا على أليم القذا وشرفوا نفوسهم في طاعة الجبار واشتروا بدار الدنيا دار القرار فقد اصطفيتك من الأخوان وجعلتك إنسان عين الزمان وغذيتك من لبان العلم والحكمة ما يبريء الأبرص والأكمه وصيرت ودك ألصق من الجود بحاتم والشرف بهاشم وانقضت ظهري في تأديبك وتهذيبك وبذلت جهدي في تاريبك وتشذيبك حتى ضارعت قسا وسحبان بعد أن كنت وباقلا رضيعي لبان واحتملت فيك كيد فلان وهو داهية وصهره الذي هو أدهى وأمر وصبرت منهما على ضرب أخماس لأسداس وعذت من شرهما برب الناس وقد كانا أظهرا لي المودة ولم أدر أن الذئب يسمى أبا جعدة حتى لقيت منهما الأهوال ما وددت تعويض يسيره بالسمام ورميت من الأوجال بما يزيد عشيرة بين أبناء سام غير أن الله نجاني بلطفه من مكائدهما وأنقذني من حبائلهما ومصائدهما وكان الغادر لم يع ما قال ربه ومن يتوكل على الله فهو حسبه مع ما لقيت منك من إدلال الصبوة وجفوة النخوة وما زلت مع ذلك ارأف بك من والدك وانصر لك من ساعدك فكان جزائي منك أن تركتني كما ترك ظبي ظله وحملتني على شاة آلة خير حلابك تنطحين أبعد الوهي ترقعين وأنت مبصرة أما والدي له الحمد والشكر ما لي ذنب إلا ذنب صخر ولعمري لم نجد الأخيار يجزون جزاء سنمار وهبك أبدلتني بنظرة ذي حنق أسرق العلم أم فسق أم ظهر منه بعد الوقار الطيش والنزق حتى استوجب أن تشفع هجري بهجره وتطرح مع اطراحي عظيم فخره.
إلا من يشتري سهرا بنوم | ويتبع دهره دوما بيوم |
ألا قم واسع للعليا لعلك | لعلك أن تحوز المجد علك |
فليس بنافع بأبيك فخر | كذا التحقيق أن لازمت جهلك |
أتلبث في الجفون وأنت عضب | إذا ما سل يوم الروع أهلك |
وتقنع بالخمول وأنت ممن | ترى من ذا الورى بالعلم أملك |
لقد أمتك أبكار المعالي | وقد طلبت غواني الفضل وصلك |
وجئتك قد بسمن لك ابتهاجا | وما أسفرن للخطاب قبلك |
فهل لك من معانقة الغواني | على سرر العلى والعز هل لك |
وهل لك أن تذل إليك قوم | تراهم حاولوا ذا اليوم ذلك |
وفي قول الأفاضل بعد درس | أدام الله للعلياء ظلك |
وخلدك المليك مدى الليالي | وأغزر في أديم الأرض وبلك |
دونك كأس النصح فاشرب #بها | ووجه النفس إلى ربها |
فان أبت إلا خلاف الهدى | فاكفف هداك الله من غربها |
وذكرنها عرصات البلا | وموقفا تسال عن ذنبها |
وحر نار نورها ظلمة | أعوذ بالرحمن من لهبها |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 128