أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي المصيصي المعروف بالنامي الشاعر المشهور من شعراء سيف الدولة
توفي بحلب سنة 399 أو 370 أو 371 وعمره تسعون سنة. الدارمي بالدال المهملة والألف والراء المكسورة والميم نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير من تميم والمصيصي نسبة إلى المصيصة مدينة على ساحل البحر الرومي قرب طرسوس.
أقوال العلماء فيه
قال ابن خلكان كان من الشعراء المفلقين ومن فحولة شعراء عصره وخواص مداح سيف الدولة بن حمدان. وكان عنده تلو أبي الطيب المتنبي في المنزلة والرتبة وله مع المتنبي وقائع ومعارضات في أناشيد وكان فاضلا أديبا بارعا عارفاباللغة والأدب وقال الثعالبي في اليتيمة شاعر مفلق من فحولة شعراء العصر وخواص شعراء سيف الدولة وكان عنده تلو المتنبي في المنزلة والرتبة وذكره السيد ضياء الدين يوسف بن يحيى الصنعاني المتوفى سنة 1121 في كتابه نسمة السحر فيمن تشيع وشعر وذكر في ترجمته ما ذكره ابن خلكان من غير زيادة ولا نقصان. ويأتي في ترجمة الناشي علي بن عبد الله بن وصيف أنه كان معاصرا وان الناشي لما وفد إلى سيف الدولة وقع فيه النامي فقال هذا يكتب التعاويذ.
تشيعه
ليس عندنا ما يدل على تشيعه سوى ذكر نسمة السحر فيمن تشيع وشعر له في كتابه لكنه لم يذكر مأخذا لحكمه بتشيعه ولم نجد أحدا ذكره في شعراء الشيعة سواه فلم يتحقق عندنا كونه من موضوع كتابنا لا سيما أنه لم يؤثر عنه بيت واحد أو أكثر في أهل البيت ولم يذكره ابن شهراشوب في شعراء الشيعة وإنما أدرجناه في كتابنا لذكر صاحب نسمة السحر له وربما يستدل بعضهم على تشيعه بكونه من شعراء سيف الدولة وفيه ما لا يخفى.
مشايخه
قال ابن خلكان له أمال أملاها بحلب روى فيه عن أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش وابن دستوريه وأبي عبد الله الكرماني وأبي بكر الصولي وإبراهيم بن عبد الرحمن العروضي وأبيه محمد المصيصي.
تلاميذه
قال ابن خلكان روى عنه أبو القاسم الحسين بن علي بن أسامة الحلبي وأخوه أبو الحسين أحمد وأبو الفرج الببغا وأبو الخطاب بن عون الحريري وأبو بكر الخالدي والقاضي أبو طاهر صالح بن جعفر الهاشمي.
مؤلفاته
(1) الأمالي مر عن ابن خلكان أن له أمالي أملاها بحلب
(2) كتاب القوافي قال ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة إبراهيم بن عبد الرحيم العروضي حكى عنه أبو العباس أحمد بن محمد النامي في كتاب القوافي
(3) ديوان شعره.
أشعاره
في اليتيمة وقد أخرجت من ديوانه ما هو شرط الكتاب من عقائل شعره وفرائد عقده فمن ذلك قوله من قصيدة:
له من هواها ما لصب متيم | وذمة حب عهده لم يذمم |
أفارق نفسي شعبة بعد شعبة | فريقين باتا منجدا بعد متهم |
فقد كثرت في كل ارض ديارهم | ككثرة عذالي علي ولومي |
ولم أر يوما كان اثلم للحشى | من اليوم بين الجزع والمتثلم |
لكم يا بني العباس سيف على العدا | حسام متى يعرض له الداء يحسم |
أخف إلى يوم الوغى من حمامة | وأثبت من شوق بقلب متيم |
أحقا أن قاتلتي زرود | وان عهودها تلك العهود |
وقفت وقد فقدت الصبر حتى | تبين موقفي إني الفقيد |
وشكت في عذالي فقالوا | لرسم الدار أيكما العميد |
إليك صدعن أفئدة الليالي | وفيهن السخائم والحقود |
فعيدان الأراك لها عظام | واسقية السنان لها جلود |
وشعر لو عبيد الشعر أصغى | إليه لظل لي عبدا عبيد |
كان لفكره نشر ابن حجر | ونودي من حفيرته لبيد |
خلقت كما أرادتك المعالي | فأنت لمن رجاك كما تريد |
عجيب أن سيفك ليس يروى | وسيفك في الوريد له ورود |
وأعجب منه رمحك حين يسقي | فيصحو وهو نشوان يميد |
إلمامة بمغاني داره لمم | إذ لا إمامة من دار لها أمم |
أحدى الحسان أساءت بي وقد صرمت | يوم الحمى وهواها ليس ينصرم |
كان قلبي معار للنوى جزعا | من قلب قرن علي وهو منهزم |
ناط الحمائل في ليث ولي قمر | وفي الحمائل قد نيطت به الهمم |
يا مظمئ الخيل أو تروي ذوابله | والخيل تشرب من أشداقها اللجم |
إذا ملائكة النصر اختلطت بها | تشابه العالم النوري والنسم |
لا يكتم النصر يوما أنت شاهده | واليوم من نقعه قد كاد ينكتم |
النصر أسرجها والعزم ألجمها | والحزم امسك بالإسراج لا الحزم |
قال النهار له والشمس مغمدة | وللمنايا شموس غمدها القمم |
هذا عجاج فأين الأفق وهو قنا | وتلك خيل فأين الأرض وهي دم |
في ناظر الشمس أن عنت له رمد | ومسمع الدهر أن أصغي له صمم |
يردها ونظام الملك متسق | والموت في خرز الأعناق ينتظم |
أسعد بعيد إذا كارمته حكمت | لك المعالي وأمضى حكمها الكرم |
عيد وفتح ملك والأمير له | دامت سلامته ما أورق السلم |
الله أعطاك أقسام الفخار فما | خلق يساميك مذ خيرت لك القسم |
لو كان يرضى لك الدنيا لما فنيت | ونلت فيها خلودا أنت والنعم |
بحد سيفك سيف الدولة انحطمت | قواعد الشرك والأرواح تنحطم |
يحدث الذئب ذئب وهو مبتهج | ويخبر النسر نسر وهو مبتسم |
قد أرضعتك ثدي الحرب درتها | ورمحك ابن رضاع ليس ينفطم |
ألست من معشر قامت مدائحهم | على القنا وهي بالأرواح تنتظم |
من آل حمدان حيث الملك مقتبل | والمال مقتسم والحمد مغتنم |
قوم إذا حكموا يوما لأنفسهم | جار السماح عليهم في الذي حكموا |
أمن علا أم ندى أدعو كما بهما | فأنتما ذو الندى والصارم الخذم |
وان تانيت عزما لم تفتك عدى | أن الأسود تمطى ثم تعتزم |
أن لم أقم أمما للمدح من فكري | فشك فيك يقيني انك الأمم |
وما علي إذا ما كنت ناظمها | فعطلت كل ما قالوا وما نظموا |
أمرن هوانا أن يصح لنسقما | وأدمى قلوبا صاديات إلى الدمى |
أرتنا جنى العناب للورد ظالما | ومن أقحوان مرمض متظلما |
طوى البين ديباج الخدود ونشرت | يد البين وشيا للخدود منمنما |
تقسمت الأهواء قلبي كما غدا | نوال علي في الورى متقسما |
ويوم كأجياد العذارى حليه | فريد ندى في جيده قد تنظما |
جلونا به وجهي عروس وكاعب | على طفل زهر قد بكى وتبسما |
وأخرس يصيبنا بخمسة ألسن | إلى أيها مد البنان تكلما |
لدن غدوة حتى إذا الشمس ودعت | مغاربها واستأذنتها التصرما |
ثوبنا كانا بعض أبناء قيصر | غدا فيهم سيف الأمير محكما |
أطعت العلى حتى كأنك عبدها | وان كنت مولاها كنت لها ابنما |
مكارم لا تنفك تتعب حاسدا | يؤخره سعي لها قد تقدما |
ذكت فكري فيها وأينع هاجسي | فظلت على أهل القريض مقدما |
وولد شعري فيك شعرا لمعشر | فكنت عليهم مثل نعماك منعما |
دليل له نجم كليل عن السرى | تحير لا يهدى لقصد ولا يهدي |
إلى أن رأيت الفجر والنسر خاضب | جناحيه ورسا عل بالعنبر الوردي |
وحلت يد الجوزاء عقد وشاحها | إزاء الثريا وهي مقطوعة العقد |
فقلت: اخيل التغلبي مغيرة | أم الفجر يرمي الليل سدا على سد |
فتى قسم الأيام بين سيوفه | وبين طريفات المكارم والتلد |
فسود يوما بالعجاج وبالردى | وبيض يوما بالفضائل والمجد |
أمير العلا أن العوالي كواسب | علاءك في الدنيا وفي جنة الخلد |
يمر عليك الحول سيفك في الطلى | وطرفك ما بين الشكيمة واللبد |
ويمضي عليك الدهر فعلك للعلا | وقولك للتقوى وكفك للرفد |
جهدت فلم أبلغ مداك بمدحه | وليس مع التقصير عندي سوى جهدي |
رياحين أذهان سماحك غارس | لها فاحنها بالغرس من روضة الحمد |
من المذهبات الدارميات شرد | تدق معانيها على الملك الكندي |
تزيد على شاوي زياد وجرول | وقد غودر ابن العبد في نظمها عبدي |
وازهر يبيض الندي منه في الرضى | وتحمر أطراف القنا حين يغضب |
أمير الندى ما للندى عنك مذهب | ولا عنك يوما للرغائب مرغب |
إذا فاخرت بالمكرمات قبيلة | فتغلب أبناء العلى بك تغلب |
سالت بالفراق صبا وما | ينبئها بالفراق مثل خبير |
هو بين الحشى صدوع وفي | الأعين ماء جمرة في الصدود |
نال منا يوم الفراق كما نال | من الناكثين سيف الأمير |
في خميس للنصر فيه لواء | عقده من لوائه المنصور |
رجله كالدبا وفرسانه | كالأسد بأسا وخيله كالصقور |
وسجاياك يا أبا الحسن الغر | واتعابهن شكر الشكور |
سر على السعد تستظل من | الأيام ظلى سلامة وحبور |
بين فرضين من جهاد وشهر | أنت في الناس مثله في الشهور |
أنتم دارة العلى يا بني حـ | ـمدان سكان بيتها المعمور |
فتجيوا بمدحتي ريحانه | حمد تبقى بقاء الدهور |
ومنازلين إذا بدوا في شارق | شبوا ضياء وقوده بوقود |
ردوا على داود صنعة سرده | لغناهم بالصبر عن داود |
لا يصحبون إذا انتضوا بيض الظبا | وشبا القنا غير المنايا السود |
يد في بريءها برء الأيادي | ووعك للطريف وللتلاد |
يد الحسن التي خلقت سماء | موكلة بارزاق العباد |
رأيت في الرأس شعرة بقيت | سوداء تهوى العيون رؤيتها |
فقلت للبيض إذ تروعها: | بالله! إلا رحمت غربتها |
فقل لبث السوداء في وطن | تكون فيه البيضاء ضرتها |
اتاني في قميص اللاذ يسعى | عدو لي يلقب بالحبيب |
وقد عبث الشراب بمقلتيه | فصير خده كسنا اللهيب |
فقلت له: بما ذا استحسنت هذا؟ | لقد أقبلت في زي عجيب |
أحمرة وجنتيك كستك هذا | أم أنت صبغته بدم القلوب |
فقال: الراح أهدت لي قميصا | كلون الشمس في شفق المغيب |
فثوبي والمدام ولون خدي | قريب من قريب من قريب |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 107