التصنيفات

أبو العباس أحمد بن محمد ابن ثوابة بن خالد الكاتب
هكذا ترجمه ياقوت في معجم الأدباء ثم قال: قال ابن النديم هو أحمد بن محمد بن ثوابة بن يونس. قال ياقوت مات سنة 277 وقال الصولي سنة 273 أقول: وكلا التاريخين لا يكاد يصح لما ستعرف من أنه كتب كتابا إلى وزير المعتضد في وزارته. والمعتضد ولي الخلافة سنة 279.
(آل ثوابة)
وآل ثوابة: أهل علم وفضل وكتابة منهم صاحب الترجمة ومنهم ولده أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ثوابة. ذكره ابن النديم في الفهرست وقال: كان مترسلا بليغا وكان كتب للمعتضد وله كتاب رسائل مدون، وذكره ياقوت في معجم الأدباء في أثناء ترجمة أبيه فقال: وله ابن اسمه محمد بن أحمد كان أيضا مترسلا بليغا وله كتاب رسائل ومنهم أخو صاحب الترجمة جعفر بن محمد بن ثوابة قال ياقوت: تولى ديوان الرسائل في أيام عبيد الله بن سليمان الوزير هو وزير المعتضد ومنهم ولده أبو الحسين محمد بن جعفر بن ثوابة ذكره ياقوت ومنهم ابنه أبو عبد الله أحمد بن محمد بن جعفر قال ياقوت له أيضا ديوان رسائل وهو آخر من بقي من فضلائهم لكن ابن النديم لم يذكر غير ثلاثة صاحب الترجمة وابنه محمدا وأبا الحسين ثوابة قال وهو آخر من رأينا من أفاضلهم وعلمائهم وله كتاب رسائل فجعل أبا الحسين كنية ثوابة وقال أنه آخر من بقي من أفاضلهم وياقوت جعله كنية محمد بن جعفر وجعل آخر من بقي من فضلائهم ابنه أحمد بن محمد بن جعفر، فالظاهر وقوع سقط في نسخة الفهرست المطبوعة في أول الكلام وآخره فان ياقوتا إنما أخذ من الفهرست. قال محمد بن إسحاق النديم في فهرسته: ذكر آل ثوابة بن يونس واصلهم نصارى وقيل أن يونس يعرف بلبابة وكان حجاما وقيل أمهم لبابة. ثم ذكر حكاية تدل على أن جدهم كان حجاما وهي أن صاحب الترجمة تنازع مع علي بن الحسين في ضيعة في مجلس بعض الرؤساء قال واحسبه عبيد الله بن سليمان فرد علي بن الحسين مناظرة أبي العباس إلى أخيه أبي القاسم جعفر بن الحسين فناظرا أبا العباس فاقبل أبو العباس يهاتره ويهزأ به ويصغر من قدره ويقول من أنتم إنما نفقتم بالبذبذة أي الغلبة أو البربرة فالتفت علي بن الحسين إلى صبي كان معه كأنه الدنيا المقبلة فأخذ بيده وقام قائما في موضعه وكشف عن رأسه وقال بأعلى صوته يا معشر الكتاب هذا ولدي من فلانة بنت فلان وهي مني طالق طلاق الحرج والسنة على سائر المذاهب أن لم يكن هذا الشرط الذي في اخدعي شرط جده فلان المزين لا يكنى عن جده ابن ثوابة فاستخذل أبو العباس ولم يحر جوابا وسلم الضيعة ويدل على ذلك أيضا شعر البحتري الآتي.
أحوال صاحب الترجمة
كان المترجم منشئا بليغا جوادا كريما حليما له جلالة وشهرة وذكر له ياقوت في معجم الأدباء ترجمة طويلة مفصلة ويفهم من أثناء كلامه كما يأتي أنه كان بمكانة من العلم وانه تولى كتابة الإنشاء السنين الكثيرة وانه لم يكن له نظير في زمانه في براعة لسانه وانه كان مرضيا عند الأعيان.
تشيعه
ثم أن ياقوت في معجم الأدباء قال في أثناء ترجمة أحمد بن محمد بن ثوابة ما لفظه: كان محمد بن أحمد بن ثوابة كاتبا لبايكباك التركي فلما أغرى المهتدي بالرافضة قال المهتدي لبايكباك كاتبك والله أيضا رافضي فقال كذب والله على كاتبي فشهدت الجماعة عليه فقال كذبتم ليس كاتبي كما تقولون كاتبي خير فاضل يصلي ويصوم وينصحني ونجاني من الموت فغضب المهتدي وردد الإيمان على صحة القول في ابن ثوابة وهو يقول لا لا فلما انصرف القوم من حضرة المهتدي أسمعهم بايكباك وشتمهم ونسبهم إلى أخذ الرشى وأمرببعضهم فنيل بمكروه واستتر ابن ثوابة وقلد المهتدي كتابة بايكباك غيره ونودي على ابن ثوابة واعتذر بايكباك إلى المهدي فصفح عنه وسال بايكباك موسى بن بغا التلطف في المسالة في الصفح عن ابن ثوابة فلما جدد المهتدي البيعة في دار اناجور التركي عاود بايكباك المسالة في كاتبه فوعده بالرضا عنه وقال: الذي فعلته به لم يكن لشيء كان في نفسي عليه يخصني لكن غضبا لله تعالى وللدين فإن كان نزع عما أنكر منه وأظهر تورعا فاني قد رضيت عنه ثم رضي عنه سنة 250 وخلع عليه أربع خلع وقلده سيفا ورجع إلى كتابة بايكباك ميمون بن هارون فانظر إلى أي حد بلغت العداوة لأتباع أهل البيت ومحبيهم حتى صارت الشهادة عليهم بذلك توجب خوفهم واستتارهم ويرى المهتدي أذاهم نصرة للدين بزعمه ثم يعفو عنهم بشفاعة الأتراك المعلوم حالهم وظلمهم في دولة بني العباس وحتى يقول بايكباك في اعتذاره عن ابن ثوابة أنه يصلي ويصوم كان الشيعة لا يصلون ولا يصومون ومنهم ومن مواليهم عرف الورع والصلاة والصوم والفضل والخير والدين وسيعلم الذين ظلموهم أي منقلب ينقلبون. ثم أن قوله أن المهتدي رضي عنه سنة 250 لا يكاد يصح ويحتمل وقوع تحريف فيه من النساخ لما ستعرف من أن بيعة المهتدي كانت سنة 255.
ثم أن الظاهر أن مراد ياقوت بمحمد بن أحمد صاحب هذه الحكاية ولد صاحب الترجمة الذي كان كاتبا للمعتضد كما مر نقله عن ابن النديم فيكون أولا كاتبا لبايكباك في زمن المهتدي الذي بويع سنة 255 وقتل سنة 256 وبقي إلى زمن المعتضد الذي بويع سنة 279 ومات سنة 289 فصار كاتبا له. وهذه الحكاية صريحة في تشيع محمد بن أحمد بن ثوابة ويمكن أن يستظهر منها تشيع أبيه أحمد بن محمد بن ثوابة صاحب الترجمة فان ابنه لم يأخذ التشيع إلا عنه بل الظاهر أن آل ثوابة كلهم شيعة.
وحكى ياقوت في معجم الأدباء عن كتاب الوزراء لهلال بن المحسن حدث علي بن سليمان الأخفش عن المبرد أنه كان في يوم نوبة له عند أبي العباس أحمد بن محمد بن ثوابة حتى دخل عليه غلامه وفي يده رقعة البحتري فقرأها أبو العباس ووقع فيها قال المبرد فرمى بها إلي وإذا فيها:

وإذا قد وقع أبو العباس مقضية والله الذي لا إله إلا هو ولو أتلفت المال وأذهبت الحال. ومما يدل على كرمه وحمله ما في الأغاني قال حدثني أبو الفضل العباس بن أحمد بن محمد بن ثوابة قال قدم البحتري النيل على أحمد بن علي الإسكافي مادحا له فلم يثبه ثوابا يرضاه فهجاه بقصيدته التي يقول فيها:
#وهجاه بقصيدة أخرى وجمع إلى هجائه هجاء بني ثوابة فقال:
وقال يهجو بني ثوابة أيضا:
قال العباس بن أحمد: وبلغ ذلك أبي فبعث إليه بألف درهم وثياب ودابة بسرجها ولجامها، فرده وقال: قد أسلفتكم إساءة فلا يجوز معها قبول صلتكم! فكتب إليه أبي:أما الإساءة فمغفورة والحسنات يذهبن السيئات وما ياسو جراحك مثل يدك وقد رددت إليك ما رددته إلي وأضعفته فان تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا وان لم تفعل احتملنا وصبرنا فقبل ما بعث به وكتب إليه: كلامك الله أحسن من شعري وقد أسلفتني ما أخجلني وحملتني ما أثقلني وسيأتيك ثنائي، ثم غدا عليه بهذه القصيدة:
وقال يمدحه أيضا:
وقال يمدحه أيضا:
قال: فلم يزل أبي يصله بعد ذلك وهذه القصائد لم يذكر منها أبو الفرج إلا أوائلها. قال ياقوت: وقيل لابن ثوابة: قد تقلد إسماعيل بن بلبل الوزارة! فقال أن هذا عجز قبيح من الاقدار! قال الصولي: وكانت بين أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الوزير وبين أبي العباس أحمد بن ثوابة وحشة شديدة ثم ضرب الدهر من ضربه فرأيت ابن ثوابة قد دخل إلى أبي الصقر بواسط فوقف بين يديه ثم قال أيها الوزير لقد آثرك الله علينا وان كنا لخاطئين فقال له أبو الصقر: لا تثريب عليكم يا أبا العباس! ثم رفع مجلسه وقلده طساسيج بابل وسورا فزاد في الدعاء له فما زال واليا إلى أن توفي. وحكى ياقوت في معجم الأدباء عن أبي حيان في كتاب الوزيرين بسنده عن أحمد بن الطيب أن صديقا لأبي العباس أحمد بن ثوابة الكاتب يكنى أبا عبيدة قال له: انك ذو أدب وفصاحة فلو أكملت فضلك بمعرفة البرهان القياسي والأشكال الهندسية وقرأت أقليدس! فقال وما أقليدس؟ قال رجل من علماء الروم وضع كتابا فيه أشكال كثيرة فاتاه برجل يقال له قويري مشهور فأتى إليه مرة ولم يعد، فكتب إليه أحمد بن الطيب اتصل بي جعلت فداك أن رجلا من أخوانك أشار عليك بمعرفة القياس البرهاني وأحضر لك رجلا كان غاية في سوء الأدب، وإماما من أئمة الشرك لاستغرارك واستغوائك فأحببت أعلامي ذلك على كنهه فكتب إليه ابن ثوابة: الأمر كما بلغك أن أبا عبيدة لعنه الله بنحسه اغتالني ليكلم ديني من حيث لا اعلم وينقلني عما اعتقده من الإيمان بالله عز وجل وبرسوله (ص) موطدا إلى الزندقة بسوء نيته بالهندسة فأتى بشيخ ديراني شاخص النظر طويل مشذب محزوم الوسط فأخذ مجلسه ولوى أشداقه فقلت بلغني أن عندك معرفة من الهندسة فهلم أفدنا شيئا منها فقال أحضرني دواة وقرطاسا فأحضرتهما فأخذ القلم ونكت نكتة نقط منها نقطة وقال هذه شيء لا جزء له فقلت أضللتني ورب الكعبة وما الشيء الذي لا جزء له قال البسيط قلت: وما الشيء البسيط قال: كالله وكالنفس قلت: انك من الملحدين أتضرب لله الأمثال والله تعالى يقول ولا تضربوا لله الأمثال أن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ونظرت إلى إمارات الغضب في وجوه الحاضرين فقلت ما غضبكم لرجل يشرك بالله فقال لي رجل منهم إنسان حكيم فغاظني قوله فقال لي آخر أن عندي مسلما يتقدم أهل هذا العلم فأتاني برجل قصير دحداح آدم مجدور الوجه أخفش العينين أجلح أفطس فقلت: ما اسمك قال: أعرف بكنيتي أبو يحيى فتفاءلت بملك الموت عليه السلام وقلت اللهم إني أعوذ بك من الهندسة اللهم فاكفني شرها فإنه لا يصرف السوء إلا أنت وقرأت الحمد والتوحيد والمعوذتين وقلت هلم أفدنا شيئا من هندستك فقال أحضرني دواة وقرطاسا فقلت أ تدعو بالدواة والقرطاس وقد بليت متهما ببلية قال وكيف كان ذلك قلت أن النصراني نقط نقطة كأصغر من سم الخياط وقال إنها معقولة كربك الأعلى فوالله ما عدا فرعون وكفره فقال إني أعفيك من النقطة لعن الله قويري وما كان يصنع بالنقطة وقد بلغت أنت أن تعرف النقطة فقلت استجهلتني ورب الكعبة وقال لغلامه ائتني بالتخت فاتاه به ثم اخرج من كمه ميلا عظيما فقلت أن أمرك لعجيب ولم أر أميال المتطببين كميلك قال لست بمتطبب ولكن أخط به الهندسة على هذا التخت فقلت أتخط على تخت بميل لتميل بي إلى الكذب باللوح المحفوظ قال لست أذكر لوحا محفوظا ولكن أخط فيه الهندسة وأقيم عليها البرهان قلت له أخطط فأخذ يخط وقلبي يجب وجيبا وقال أن هذا الخط طول بلا عرض فتذكرت صراط ربي المستقيم وقلت له والله ما خططت الخط وأخبرت أنه طول بلا عرض إلا ضلة بالصراط المستقيم لتزل قدمي عنه أعوذ بالله وأبرأ إليه من الهندسة وأمرت بسحبه فحسب وأخذت قرطاسا وكتبت يمينا مغلظة أن لا انظر في الهندسة وأكدت بمثل ذلك على عقبي وعقب أعقابهم لا تنظروا فيها ولا تتعلموها ما دامت السماوات والأرض انتهى باختصار.
ثم قال ياقوت قال عبد الله الفقير مؤلف هذا الكتاب لا شك أن أكثر ما في هذه الرسالة مفتعل مزور وما أظن برجل مثل ابن ثوابة وهو بمكانة من العلم بحيث تلقى إليه مقاليد الخلافة فيخاطب عنها بلسانه القاصي والداني ويرتضيه العقلاء والوزراء بحيث لا يرون له نظيرا في زمانه في براعة لسانه تولى كتابة الإنشاء السنين الكثيرة أن يكون منه هذا كله ولكن عسى أن يكون منه ما كان من ابن عباد وهو الذي ساق أبو حيان خبر ابن ثوابة لأجله وهو قوله كان ابن عباد يسب أصحاب الهندسة ويقول جاءني بعض هؤلاء الحمقى فاثبت خمسة وعشرين وخط خطا ووضع شكلا وزعم أنه يعمل برهانا على ذلك فقلت له كنت أعرف أن هذا خمسة وعشرين ضرورة وقد شككت الآن وهذا هو الخسار. ومثل هذا لا يبعد أن يقول مثله من لم يتدرب بهذه الصناعة فأما ما تقدم من حديث ابن ثوابة فهو غاية في التجلف والرجل كان أجل من ذلك وإنما أتى أما من جهة أحمد بن الطيب لأنه كان فيلسوفا وكان ابن ثوابة متعجرفا فأخذ يسخر منه ليضحك المعتضد فان أحمد بن الطيب كان من جلساء المعتضد وأما أن يكون أبو حيان جرى على عادته في وضع ما أكثر من وضعه من مثل ذلك والله أعلم. أقول لا ريب في أن هذه الرسالة موضوعة مفتعلة من أبي حيان أو ابن الطيب وتركنا منها أشياء كثيرة غير ما ذكرناه غاية في السخافة، والاختلاق عليها كالذي ذكرناه منها ظاهر كما أن ما نسب إلى ابن عباد الظاهر أنه موضوع مفتعل من أبي حيان على عادته فابن عباد في علمه وفضله أجل شانا من أن يجهل فوائد علم الهندسة ويسب أصحابها وينسبهم إلى الحمق وما نفى ياقوت عنه البعد هو في غاية البعد.
مؤلفاته
قال ابن النديم في الفهرست وياقوت في معجم الأدباء أن لصاحب الترجمة من التصانيف كتاب رسائل مجموع كتاب رسالته في الكتابة والخط.
شيء من إنشائه
قال ابن النديم كان أبو العباس من الثقلاء البغضاء وله كلام مدون مستهجن مستثقل منه: علي بماء الورد أغسل فمي من كلام الحاجم. ومنه: لما رأى أمير المؤمنين الناس قد تدارسوا وتدقلموا وتذروروا تدسقن.
قال ياقوت ومن كلام أبي العباس: من حق المكاتبة أن يسبقها انس وينعقد قبلها ود ولكن الحاجة أعجلت عن ذلك فكتبت كتاب من يحسن الظن إلى من يحققه.
قال- ومن فصل له إلى عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد: لم يؤت الوزير من عدم فضيلة ولم أؤت من عدم وسيلة ولم أزل أترقب أن يخطرني بباله ترقب الصائم لفطره وأنتظره انتظار الساري لفجره إلى أن برح الخفاء وكشف الغطاء وشمت الأعداء وان في تخلفي وتقدم المقصرين لآية للمتوسمين والحمد لله رب العالمين.
وقال ياقوت: وكتب أحمد بن محمد بن ثوابة إلى إسماعيل بن بلبل حين صاهر الناصر لدين الله الموفق بالله: بسم الله الرحمن الرحيم بلغني للوزير أيده الله نعمة زاد شكرها على مقادير الشكر كما أربى مقدارها على مقادير النعمة فكان مثلها قول إبراهيم بن العباس:
وأنا اسأل الله تعالى أن يجعلها موهبة ترتبط ما قبلها وتنتظم ما بعدها وتصل جلال الشرف حتى يكون أعزه الله على سادة الوزراء موفيا ولجميل العادة مستحقا ولمحمود العاقبة مستوجبا وان يلبس خدمه وأولياءه من هذه الحلل العالية ما يكون لهم ذكرا باقيا وشرفا مخلدا.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 88