معين الدين أبو نصر أحمد الكاشاني وزير السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقي
في مجالس المؤمنين ما تعريبه: عده الشيخ عبد الجليل الرازي في كتاب نقض الفضائح في وزراء الشيعة وقال أن ما له من الآثار والخيرات ولأخويه بهاء الدين ومجد الدين من المدارس والمساجد والقناطر والرباطات والمشاهد ورد المظالم والصلات لا يحتمله هذا الكتاب ثم نقل عن كتاب تاريخ الوزراء وغيره أنه كان متصفا بأنواع الفضائل والكمالات منزها عن الأفعال الردية والأوصاف الدنية كالعجب والنخوة والكبر والخسة وخاله أبو طاهر إسماعيل الذي هو من أكابر مشاهير كاشان كان بسبب وفور جوده وسخائه وكثرة عطائه ومروته قد زرع المحبة لنفسه في قلوب أرباب الدولة وفي أيام سلطنة ملك شاه فوضت إلى أبي طاهر النيابة عن الأمير قماج الذي كان من جملة أعيان المملكة وجعل يترقى يوما فيوما حتى آل الأمر إلى أن اقطعه ملكشاه ولاية كاشان مجانا فترك خراجها للرعية أربع سنين وأجزل العطايا لأصحاب البيوتات القديمة وتفقدهم وأدى ديونهم وبنى المستشفيات والمدارس في كاشان وأبهر وزنجان وكنجة فلما توفي ملكشاه وولي السلطنة بعده بركيارق وكان الأمير اياز من عظماء أركان الدولة ومقربيها فقتل اياز أبا طاهر طمعا في أموال كاشانأما ابن أخته معين الدين المترجم فمع أن والده كان يصرف أكثر أوقاته في الطاعة والعبادة ويمنع أولاده من خدمة السلطان اشتغل بملازمة السلطان بمقتضى ما قيل الولد الحلال يشبه الخال وتولى منصب منشيء ومستوفي الممالك ناظر المالية وجعل يترقى يوما وفي ذلك الوقت الذي رجع فيه السلطان سنجر من مملكة العراق إلى خراسان استندت ولاية الري إلى معين الدين فظهرت كفاءته وقدرته على تحصيل الأموال السلطانية من الرعايا وجعل يرسل الأموال والتحف والهدايا إلى السلطان وأركان الدولة فجذب قلوبهم إليه ولما عزل السلطان محمد بن سليمان من الوزارة أرسل فخر الدين طغيان بك وأمره باحضار معين الدين من الري فحضر وعين فخر الدين مكانه لولاية الري وخرج معين الدين مع السلطان إلى خراسان وكلما وصل إلى بلد غمر أهله بالاحسان فلما وصل إلى مرو الشاهجان اختلى به السلطان وشاوره في بعض المهمات فظهر منه غاية الكياسة وجودة الرأي فازداد السلطان فيه حسن عقيدة ودعاه لتقلد الوزارة فاستعفى من ذلك فأرسل إليه السلطان مع بعض خاصته يقول إنني قلدت الوزارة فخر الملك فقتله الباطنية فقلدتها صدر الدين محمدا اثنتي عشرة سنة فظهرت خيانته خصوصا في خزائن آل سبكتكين وذهب إلى الدار الآخرة فقلدتها عبد الرزاق الطوسي ومع علمه وفضله ظهرت منه في أيام وزارته أمور لا تصدر من عوام الناس فأغمضت عنه حتى توفي فقلدتها شرف الدين أبا طاهر لاشتهاره بالأمانة والديانة فمات في عنفوان وزارته فقلدتها محمد بن سليمان ثم عزلته لعدم كفاءته وأنت اليوم بحمد الله أهل للوزارة بأمانتك وكفايتك فكن مطمئن الخاطر من قبلنا ولا يعلق بذهنك شيء فلما سمع ذلك معين الدين قبل الوزارة فخلع عليه وأرسل إليه الدواة الذهبية والطبل والعلم حسب العادة وقام بأعباء الوزارة وبسط العدل والإنصاف وأزال الظلم والاعتساف جهده وبنى المدارس والخوانق الكثيرة ووقف القرى والضياع التي ابتاعها من خالص ماله وفي آخر أيامه أقام مناديا ينادي في جميع المملكة كل من كان له حق عند الوزير معين الدين أو أوصل إليه شيئا من نقد أو عروض على سبيل الرشوة أو المصانعة أو غير ذلك فليحضر وليقبضه من وكلائه واحضر القضاة والأعيان وأمرهم أن يبذلوا جهدهم في سبيل ايصال ذلك إلى أهله وجعل يحرض السلطان على استئصال شافة الإسماعيلية الملاحدة فاهتم الإسماعيلية لذلك وأرسلوا رجلين منهم فدخلا في خدمته مع سائسي دوابه وجعلا ينتظران الفرصة لقتله فلما كان يوم النوروز واشتغل الوزير بتهيئة الهدية للسلطان فأمر باحضار خيوله ليختار منها جوادين يهديهما للسلطان فاحضر الباطنيان امامهما جوادين في غاية القوة فجرت بينهما مهاوشة واشتغل الخدم بمنعهما هجم عليه الباطنيان فقتلاه ثم قال أن صاحب تاريخ الوزراء جعل تحريض معين الدين على قمع الملاحدة مبنيا على رسوخه في التسنن لأنه لا يعد غير أهل التسنن من المسلمين ولم يعلم أن كل كاشي من معرفة الاغيار له متحاشي والله كاشف الغواشي.
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 3- ص: 67