أبو العباس المعتضد أحمد بن طلحة الملقب بالموفق ابن المتوكل جعفر ابن المعتصم محمد ابن هارون الرشيد ابن موسى الهادي ابن محمد المهدي ابن عبد الله المنصور أبن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب العباسي أحد ملوك بني العباس.
ولد في ذي الحجة سنة 242 وتوفي بمدينة السلام يوم الأحد لسبع بقين من ربيع الآخر سنة 289 وله سبع وأربعون سنة، وبويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه عمه المعتمد وهو يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة 279 فكانت خلافته تسع سنين و9 أشهر ويومين قاله المسعودي وقال ابن الأثير كانت خلافته 9 سنين و5 أشهر و13 يوما.
أمه أم ولد رومية اسمها ضرار ووزيره عبيد الله ابن سليمان بن وهب ثم ولده القاسم بن عبيد الله وقاضيه إسماعيل بن إسحاق ويوسف بن يعقوب وابن أبي الشوارب وحاجبه خفيف السمرقندي.
أقوال المؤرخين فيه
قال ابن الأثير: كان المعتضد أسمر نحيف الجسم معتدل الحلق قد وخطه الشيب وكان شهما شجاعا مقداما ذا عزم وفيه شح وكان مهيبا عند أصحابه يتقون سطوته ويكفون عن الظلم خوفا منه (أه) وقال المسعودي لما أفضت الخلافة إلى المعتضد سكنت الفتن وصلحت البلدان وارتفعت الحروب ورخصت الأسعار وهدأ الهرج وسالمه كل مخالف وكان مظفرا قد دانت له الأمور وانفتح له الشرق والغرب وأديل له في أكثر المخالفين عليه والمنابذين له وكان صاحب المملكة والقيم بأمر الخلافة بدر مولاه وخلف المعتضد في بيوت الأموال تسعة آلاف ألف دينار وأربعين ألف ألف درهم ومن الدواب اثني عشر ألف رأس وكان مع ذلك بخيلا شحيحا ينظر فيما لا ينظر فيه العوام وكان قليل الرحمة كثير الإقدام سفاكا للدماء شديد بالرغبة في أن يمثل بمن يقتله وذكر أمورا كثيرة من تمثيله بالناس نعرض عن نقلها قال واتخذ المطامير وجعل فيها صنوف العذاب وجعل عليها الحرمي المتولي ولم يكن له رغبة إلا في النساء والبناء فإنه أنفق على قصره المعروف بالثريا أربعمائة ألف دينار وكان طوله ثلاثة فراسخ (أه) وفي نسمة السحر: كان المعتضد يلقب بالسفاح الثاني لأن دولتهم تجددت في أيامه وكان شديد القوى بحيث يساور الأسد وحده وفيه يقول ابن الرومي:
هنيئا بني العباس إن إمامكم | إمام التقى والبر والجود أحمد |
كما بأبي العباس أنشئ ملككم=كذا بأبي العباس أيضا يجدد
أراد بأبي العباس الأول السفاح قال وكان المعتضد أديبا شاعرا شجاعا سائسا مهيبا شديد العقوبة ’’أه’’.
تشيعه
كان المعتضد محسنا إلى آل أبي طالب قال المسعودي: ورد مال من محمد بن زيد من بلاد طبرستان ليفرق في آل أبي طالب سرا فغمز بذلك إلى المعتضد فأحضر الرجل الذي كان يحمل المال إليهم فأنكر عليه إخفاء ذلك وأمره بإظهاره وقرب آل أبي طالب وكان السبب في ذلك قرب النسب ولما أخبرنا به أبو الحسن محمد بن علي الوراق الأنطاكي الفقيه المعروف بابن الغنوي بأنطاكية قال أخبرني محمد بن يحيى ابن أبي عباد الجليس قال: رأى المعتضد بالله وهو في سجن أبيه كان شيخا جالسا على دجلة يمد يده إلى ماء دجلة فيصير في يده وتجف دجلة ثم يرده من يده فتعود دجلة كما كانت قال فسألت عنه فقيل لي هذا علي ابن أبي طالب عليه السلام فقمت إليه وسلمت عليه فقال يا أحمد إن هذا الأمر صائر إليك فلا تتعرض لولدي ولا تؤذهم فقلت السمع والطاعة يا أمير المؤمنين (أه) قوله وكان السبب في ذلك قرب النسب غير صحيح فكل أهل بيته الذين آذوا العلويين قريبو النسب ولم يسبب قرب نسبهم تقريب آل أبي طالب بل سببه توفيق من الله ليسعد من سعد ويشقى من شقي.
وقال الطبري: في تاريخه في سنة 282 وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار ليفرقها على أهله ببغداد والكوفة ومكة والمدينة فسعي به فأحضر دار بدر وسئل عن ذلك فذكر أن يوجه إليه في كل سنة بمثل هذا المال فيفرقه على من يأمره بالتفرقة عليه من أهله فأعلم بدر المعتضد ذلك وأعلمه أن الرجل في يديه والمال فذكر عن أبي عبد الله الحسني أن المعتضد قال لبدر يا بدر أما تذكر الرؤيا التي أخبرتك بها فقال لا يا أمير المؤمنين فقال ألا تذكر أني حدثتك أن الناصر دعاني فقال لي إعلم أن هذا الأمر سيصير إليك فانظر كيف تكون مع آل علي بن أبي طالب عليهم السلام ثم قال لي رأيت في النوم كأني خارج من بغداد أريد ناحية النهروان في جيشي وقد تشوف الناس إلي إذ مررت برجل واقف على تل يصلي لا يلتفت إلي فعجبت منه ومن قلة اكتراثه بعسكري مع تشوف الناس إلى العسكر فأقبلت إليه حتى وقفت بين يديه فلما فرغ من صلاته قال لي أقبل فأقبلت إليه فقال: أتعرفني؟ قلت: لا:قال: أنا علي بن أبي طالب خذ هذه المسحاة فاضرب بها الأرض لمسحاة بين يديه فأخذتها فضربت بها ضربات فقال لي إنه سيلي من ولدك هذا الأمر بقدر ما ضربت بها فأوصهم بولدي خيرا قال بدر فقلت بلى يا أمير المؤمنين قد ذكرت قال: فأطلق المال وأطلق الرجال وتقدم إليه أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه ما يوجه به إليه ظاهرا وأن يفرق محمد بن ورد ما يفرقه ظاهرا وتقدم بمعونة محمد على ما يريد من ذلك ’’أه’’ قال المسعودي ولما قتل محمد بن هارون محمد بن زيد العلوي أظهر المعتضد النكير لذلك والحزن تأسفا على قتله (أه) وفي نسمة السحر أنه أمر أن يكتب على المنابر خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم علب بن أبي طالب عليه السلام.
قال الطبري وفي سنة 283 لعشر بقين من جمادى الأولى أمر المعتضد بالكتاب إلى جميع النواحي برد الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام وإبطال ديوان المواريث وصرف عمالها فنفذت الكتب بذلك وقرئت على المنابر ’’أه’’ (أقول) وهذه هي مسألة التعصيب وما أمر به المعتضد فيها موافق لمذهب أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين صح عنهم أنهم قالوا الزائد عن السهام يرد على أصحاب السهام والعصبة في فيه التراب.
قال الطبري وفي سنة 284 عزم المعتضد بالله على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر وأمر بإنشاء كتاب بذلك يقرأ على الناس فخوفه عبيد الله ابن سليمان بن وهب (وزيره) اضطراب العامة وأنه لا يأمن أن تكون فتنة فلم يلتفت إلى ذلك من قوله وأول شيء بدأ به المعتضد حين أراد ذلك الأمر بالتقدم إلى العامة بلزوم أعمالهم وترك الاجتماع والشهادة عند السلطان إلا أن يسألوا عن شهادة إن كانت عندهم وبمنع القصاص من القعود على الطرقات وعملت بذلك نسخ قرئت في الجانبين من مدينة السلام في الأرباع والمحال والأسواق ثم منع يوم الجمعة القصاص من القعود في الجانبين ومنع أهل الحلق في الفتيا وغيرهم من القعود في المسجدين ونودي في الجامعين يوم الجمعة بأن الذمة بريئة ممن اجتمع على مناظرة أو جدل وتقدم إلى الذين يسقون الماء في الجامعين أن لا يترحموا على معاوية ولا يذكروه بخير وتحدث الناس أن هذا الكتاب يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر فلما صلى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يقرأ فذكر أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر بإنشائه بلعن معاوية فأخرج له من الديوان فأخذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب وذكر أن عبيد الله ابن سليمان (الوزير) أحضر يوسف بن يعقوب القاضي وأمره أن يعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد فمضى يوسف فكلم المعتضد في ذلك وقال له يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيين الذين هم في كل ناحية يخرجون ويميل إليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم وفي هذا الكتاب إطراؤهم أو كما قال وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميل وكانوا هم أبسط ألسنة وأثبت حجة منهم اليوم فأمسك المعتضد فلم يرد عليه جوابا ولم يأمر في الكتاب بعده بشيء (أه) وهذه صورة الكتاب برواية الطبري في تاريخه:
صورة الكتاب الذي أمر به
المعتضد بالله في شأن بني أمية
بسم الله الرحمن الرحيم الرحيم الحمد لله العلي العظيم الحليم الحكيم العزيز الرحيم المنفرد بالوحدانية الباهر بقدرته الخالق بمشيئته وحكمته الذي يعلم سوابق الصدور وضمائر القلوب لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى قد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا وضرب لكل شيء أمدا وهو العليم الخبير والحمد لله الذي برأ خلقه لعبادته وخلق عباده لمعرفته على سابق علمه في طاعة مطيعهم وماضي أمره في عصيان عاصيهم فبين لهم ما يأتون وما يتقون ونهج لهم سبل النجاة وحذرهم مسالك الهلكة وظاهر عليهم الحجة وقدم إليهم المعذرة واختار لهم دينه الذي ارتضى لهم وأكرمهم به وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعروته أولياءه وأهل طاعته والعاندين عنه والمخالفين له أعداءه وأهل معصيته ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم والحمد لله الذي اصطفى محمدا رسوله من جميع بريته واختاره لرسالته وابتعثه بالهدى والدين المرتضى إلى عباده أجمعين وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين وتأذن له بالنصر والتمكين وأيده بالعز والبرهان المتين فاهتدى به من اهتدى واستنقذ به من استجاب له من العمى وأضل من أدبر وتولى حتى أظهر الله أمره وأعز نصره وقهر من خالفه وأنجز له وعده وختم به رسله وقبضه مؤديا لأمره مبلغا لرسالته ناصحا لأمته مرضيا مهتديا إلى أكرم مآب المنقلبين وأعلى منازل أنبيائه المرسلين وعباده الفائزين فصلى الله عليه أفضل صلاة وأتمها وأجلها وأعظمها وأزكاها وأطهرها وعلى آله الطيبين والحمد لله جعل أمير المؤمنين وسلفه الراشدين المهتدين ورثة خاتم النبيين وسيد المرسلين والقائمين بالدين والمقومين لعباده المؤمنين والمستحفظين ودائع الحكمة ومواريث النبوة والمستخلفين في الأمة والمنصورين بالعز والمنعة والتأييد والغلبة حتى يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم وفساد قد لحقهم في معتقدهم وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم ونطقت بها ألسنتهم على غير معرفة ولا روية وقلدوا فيها قادة الضلالة بلا بينة ولا بصيرة وخالفوا السنن المتبعة إلى الأهواء المبتدعة قال الله عز وجل
{فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} خروجا عن الجماعة ومسارعة إلى الفتنة وإيثارا للفرقة وتشتيتا للكلمة وإظهارا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة وبتر منه العصمة وأخرجه من الملة وأوجب عليه اللعنة وتعظيما لمن صغر الله حقه وأوهن أمره وأضعف ركنه من بني أمية الشجرة الملعونة ومخالفة لمن استنقذهم الله به من الهلكة وأسبغ عليهم به النعمة من أهل البيت البركة والرحمة قال الله عز وجل
{يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} فأعظم أمير المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك ورأى في ترك إنكاره جرحا عليه في الدين وفسادا لمن قلده الله أمره من المسلمين وإهمالا لما أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين وتبصير الجاهلين وإقامة الحجة على الشاكين وبسط اليد على العاندين وأمير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بأن الله عز وجل لما ابتعث محمدا صلى الله عليه وسلم بدينه وأمره أن يصدع بأمره بدأ أهله وعشيرته فدعاهم إلى ربه وأنذرهم وبشرهم ونصح لهم وأرشدهم فكان من استجاب له وصدق قوله واتبع أمره نفر يسير من بني أبيه من بين مؤمن بما أتى به من ربه وبين ناصر له وإن لم يتبع دينه إعزازا له وإشفاقا عليه لماضي علم الله فيمن اختار منهم ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته وإرث نبيه فمؤمنهم مجاهد ببصيرته وكافرهم مجاهد بنصرته وحميته يدفعون من نابذه ويقهرون من عازه وعانده ويتوثقون له ممن كاتفه وعاضده ويبايعون له من سمح بنصرته ويتجسسون له أخبار أعدائه ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأي العين حتى بلغ المدى وحان وقت الاهتداء فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله والإيمان به بأثبت بصيرة وأحسن هدى ورغبة فجعلهم الله أهل بيت الرحمة وأهل بيت الدين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ومعدن الحكمة وورثة النبوة وموضع الخلافة وأوجب لهم الفضيلة وألزم العباد لهم الطاعة وكان ممن عانده ونابذه وكذبه وحاربه من عشيرته العدد الأكثر والسواد الأعظم يتلقونه بالتكذيب والتثريب ويقصدونه بالأذية والتخويف ويبارزونه بالعداوة وينصبون له المحاربة ويصدون عنه من قصده وينالون بالتعذيب من اتبعه وكان أشدهم في ذلك عداوة وأعظمهم له مخالفة وأولهم في كل حرب ومناصبة ورأسهم في كل إجلاب وفتنة لا يرفع على الإسلام راية إلا كان صاحبها وقائدها ورئيسها في كل مواطن الحرب من بدر وأحد والخندق والفتح أبا سفيان بن حرب وأشياعه من بني أمية الملعونين في كتاب الله ثم الملعونين على لسان رسول الله في عدة مواطن وعدة مواضع لماضي علم الله فيهم وماضي حكمه في أمرهم وكفرهم ونفاقهم فحارب مجاهدا ودافع مكابدا وأقام منابذا حتى قهره السيف وعلا أمر الله وهم كارهون فتقول بالإسلام غير منطو عليه وأسر الكفر غير مقلع عنه فعرفه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وميز له المؤلفة قلوبهم فقبله وولده على علم منه بحاله وحالهم فمما لعنهم الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابا قوله
{والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا} ولا اختلاف بين أحد أنه أراد بها بني أمية، ومنه قول الرسول عليه السلام وقد رآه مقبلا على حمار ومعاوية يقود به ويزيد ابنه يسوق به لعن الله القائد والراكب والسائق، ومنه ما يرويه الرواة من قوله يوم بيعة عثمان يا بني عبد شمس تلقفوها تلقف الكرة فما هناك جنة ولا نار وهذا كفر صراح يلحقه به اللعنة من الله كما لحقت الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، ومنه ما يروون من وقوفه على ثنية أحد بعد ذهاب بصره وقوله لقائده ههنا رمينا محمدا وقتلنا أصحابه، ومنه الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم فوجم بها فما رؤي ضاحكا بعدها فأنزل الله:
{وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} فذكروا أنه رأى نفرا من بني أمية ينزون على منبره نزوة القردة، ومنه طرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم ابن أبي العاص لمحاكاته إياه في مشيته وألحقه الله بدعوة رسوله آية باقية حين رآه يتخلج يحكيه فقال له كن كما أنت فبقي على ذلك سائر عمره إلى ما كان من مروان في افتتاحه أول فتنة كانت في الإسلام واحتقابه لكل دم حرام سفك فيها أو أريق بعدها.
ومنه أنزل الله على نبيه في سورة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر من ملك بني أمية، ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يطلع من هذا الفج رجل من أمتي يحشر على غير ملتي فطلع معاوية، ومنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه، ومنه الحديث المرفوع المشهور أنه قال إن معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها ينادي يا حنان يا منان فيقال له الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، ومنه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإسلام مكانا وأقدمهم إليه سبقا وأحسنهم فيهم أثرا وذكرا علي بن أبي طالب ينازعه حقه بباطله ويجاهد أنصاره بضلاله وغواته ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه من إطفاء نور الله وجحود دينه ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون يستهوي أهل الغباوة ويموه على أهل الجهالة بمكره وبغيه اللذين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر عنهما فقال لعمار: تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار، مؤثرا للعاجلة كافرا بالآجلة خارجا من ربقة الإسلام مستحلا للدم الحرام حتى سفك في فتنته وعلى سبيل ضلالته ما لبا يحصى عدده من خيار المسلمين الذابين عن دين الله والناصرين لحقه مجاهدا في عداوة الله مجتهدا في أن يعصى الله فلا يطاع وتبطل أحكامه فلا تقام ويخالف فلا يدان وأن تعلو كلمة الضلالة وترتفع دعوة الباطل وكلمة الله هي العليا ودينه المنصور وحكمه المتبع النافذ وأمره الغالب وكيد من حاده المغلوب الداحض حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما أتبعها وتطوق تلك الدماء وما سفك بعدها وسن سنن الفساد التي عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة وأباح المحارم لمن ارتكبها ومن الحقوق أهلها واغتره الإملاء واستدرجه الإمهال والله له بالمرصاد، ثم مما أوجب الله له به اللعنة قتله من قتل صبرا من خيار الصحابة والتابعين وأهل الفضل والديانة مثل عمرو بن الحمق الخزاعي وحجر ابن عدي الكندي فيمن قتل من أمثالهم في أن يكون له العزة والملك والغلبة ولله العزة والملك والقدرة والله عز وجل يقول:
{ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} ومما استحق به اللعنة من الله ورسوله إدعاؤه زياد بن سمية أخا ونسبته إياه إلى أبيه جرأة على الله والله يقول
{ادعاهم لأبائهم هو أقسط عند الله} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ملعون من ادعى إلى غير أبيه وانتمى إلى غير مواليه ويقول: الولد للفراش وللعاهر الحجر، فخالف حكم الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم جهارا وجعل الولد لغير الفراش والعاهر لا يضره عهره فأحل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وفي غيرها من النساء من سفور وجوه ما قد حرمه الله، وأثبت بها قربى قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله مما لم يدخل على الإسلام خلل مثله ولم ينل الدين تبديل شبهه ومنه إيثاره بدين الله ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد السكير الخمير صاحب الديوك والفهود والقرود وأخذه البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدد والرهبة وهو يعلم سفهه ويطلع على خبثه ورهقه ويعاين سكراته وفجوره وكفره، فلما تمكن فيما مكنه منه ووطأة له وعصى الله ورسوله فيه طلب بثارات المشركين وطوائلهم عند المسلمين فأوقع بأهل الحرة الوقيعة التي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش مما ارتكب من الصالحين فيها وشفى بذلك عند نفسه غليله وظن أن قد انتقم من أولياء الله وبلغ الثأر لأعداء الله فقال مجاهرا بكفره ومظهرا لشركه:
ليت أشياخي ببدر شهدوا | جزع الخزرج من وقع الأسل |
قد قتلنا القرم من ساداتكم | وعدلنا ميل بدر فاعتدل |
فأهلوا واستهلوا فرحا | ثم قالوا يا يزيد لا تشل |
لست من خندف إن لم أنتقم | من بني أحمد ما كان فعل |
لعبت هاشم بالملك فلا | خبر جاء ولا وحي نزل |
هذا هو المروق من الدين وقول من لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله، ثم من أغلظ ما انتهك وأعظم ما اجترم سفكه دم الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع موقعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة اجتراء على الله وكفرا بدينه وعداوة لرسوله ومجاهدة لعترته واستهانة بحرمته فكأنما يقتل به وبأهل بيته قوما من كفار الترك والديلم لا يخاف من الله نقمة ولا يرقب منه سطوة فبتر الله عمره واجتث أصله وفرعه وسلبه ما تحت يده وأعد له من عذابه وعقوبته ما استحقه من الله بمعصيته، هذا إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكامه واتخاذ مال الله دولا بينهم وهدم بيته واستحلال حرمه ونصبهم المجانيق عليه ورميهم إياه بالنيران لا يألون له إحراقا وإخرابا ولما حرم الله منه استباحة وانتهاكا ولمن لجأ إليه قتلا وتنكيلا ولمن آمنه الله به إخافة وتشريدا حتى إذا حقت عليهم كلمة العذاب واستحقوا من الله الإنتقام وملأوا الأرض بالجور والعدوان وعموا عباد الله بالظلم والاقتسار وحلت عليهم السخطة ونزلت بهم من الله السطوة أتاح الله لهم من عترة نبيه وأهل وراثته من استخلصهم منهم لخلافته مثل ما أتاح الله من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين فسفك الله بهم دماءهم مرتدين كما سفك بآبائهم دماء آباء الكفرة المشركين وقطع الله دابر القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين ومكن الله المستضعفين ورد الله الحق إلى أهله المستحقين كما قال جل شأنه
{ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} واعلموا أيها الناس أن الله عز وجل إنما أمر ليطاع ومثل ليتمثل وحكم ليقبل والزم الأخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليتبع قال الله تعالى:
{إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا} وقال:
{أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} فانتهوا معاشر الناس عما يسخط الله عليكم وراجعوا ما يرضيه عنكم وارضوا من الله بما اختار لكم والزموا ما أمركم به وجانبوا ما نهاكم عنه واتبعوا الصراط المستقيم والحجة البينة والسبل الواضحة وأهل بيت الرحمة الذين هداكم الله بهم بديئا واستنقذكم بهم من الجور والعدوان أخيرا وأضاركم إلى الخفض والأمن والعز بدولتهم وشملكم الصلاح في أديانكم ومعائشكم في أيامهم، والعنوا من لعنه الله ورسوله وفارقوا من لا تنالون القرب من الله بمفارقته اللهم إلعن أبا سفيان ابن حرب ابن أمية ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وولده اللهم إلعن أئمة الكفر وقادة الضلالة وأعداء الدين ومجاهدي الرسول ومغيري الأحكام ومبدلي الكتاب وسفاكي الدم الحرام اللهم إنا نتبرأ إليك من موالاة أعدائك ومن الإغماض لأهل معصيتك كما قلت
{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} يا أيها الناس اعرفوا الحق تعرفوا أهله وتأملوا سبل الضلالة تعرفوا سابلها فإنه إنما يبين عن الناس أعمالهم ويلحقهم بالضلال والصلح آباؤهم فلا تأخذكم في الله لومة لائم ولا يميلن بكم عن دين الله استهواء من يستهويكم وكيد من يكيدكم.
وطاعة من تخرجكم طاعته إلى معصية ربكم، أيها الناس بنا هداكم الله ونحن المستحفظون فيكم أمر الله ونحن ورثة رسول الله والقائمون بدين الله فقفوا عندما نقفكم عليه وأنفذوا لما نأمركم به فإنكم ما أطعتم خلفاء الله وأئمة الهدى على سبيل الإيمان والتقوى وأمير المؤمنين يستعصم الله لكم ويسأله توفيقكم ويرغب إلى الله في هدايتكم لرشدكم وفي حفظ دينه عليكم حتى تلقوه به مستحقين طاعته مستحقين لرحمته، والله حسب أمير المؤمنين فيكم وعليه توكله وبالله على ما قلده من أموركم استعانته ولا حول لأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله والسلام عليكم وكتب أبو القاسم عبيد الله بن سليمان في سنة 284.
أشعاره
من شعره يرثي جارية له:
يا حبيبا لم يكن | يعدله عندي حبيب |
ليس لي بعدك في | شيء من اللهو نصيب |
أنت عن عيني بعيد | ومن القلب قريب |
لك من قلبي على | قلبي وإن غبت رقيب |
لو تراني كيف حالي | بي نحول ونحيب |
وفؤادي حسوه من | حرق البعد لهيب |
لتيقنت بأني | فيك محزون كئيب |
وفي نسمة السحر: حكى أبو بكر العلاف الضرير النهرواني الشاعر المشهور قال: بتنا ليلة في دار الخلافة في أيام المعتضد، فلما نمنا وهدأت العيون سمعنا فتح الأقفال والأبواب فدخل علينا خادم فقال أمير المؤمنين يقول لكم أرقت الليلة فعملت بيتا وهو:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى | إذا الدار قفرا والمزار بعيد |
ثم ارتج علي فمن أجازه فله الجائزة فقلت بديها:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي | لعل خيالا طارقا سيعود |
فغاب الخادم وجاء وقال: يقول لك أمير المؤمنين أحسنت وقد أمر لك بجائزة وفي شذرات الذهب: كان شجاعا مهيبا حازما فيه تشيع كان قد حلب الدهر أشطريه وتأدب بصروف الزمان وكان من أكمل الخلفاء المتأخرين.
قال ابن الفرات: كان المعتضد من أكمل الناس عقلا وأعلاهم همة مقداما عالما سخيا (وهو ينافي قول ابن الأثير المتقدم وفيه شح وقول المسعودي المتقدم هناك كان بخيلا سحيما) وضع عن الناس السقايا (السعايات ظ) وأسقط المكوس التي كانت تؤخذ بالحرمين وكانت الخلافة قد وهى أمرها فعزت بالمعتضد (انتهى).