الشيخ أحمد صندوق ولد في دمشق سنة 1315 وتوفي بها سنة 1375.
دراسته
تلقى دراسته الابتدائية في المدرسة العلوية التي أنشأها مؤلف هذا الكتاب بدمشق، ثم حالت ظروف حياته بينه وبين إتمام الدراسة فانصرف إلى أموره المعاشية، ولكنه لازم المؤلف فقرأ عليه علوم اللغة العربية وآدابها والمنطق وبعض الدراسات الإسلامية.
وبالغرم من قساوة الحياة عليه وسعيه ليعيش كريما وما اقتضاه ذلك من عناء وجهد فإنه لم ينصرف عن المطالعة والتتبع والبحث حتى تكونت له ثقافة عميقة واسعة جعلت منه شاعرا مجيدا وكاتبا مبدعا وباحثا بعيد الغور.
ولو قدرت له الظروف المواتية من اطمئنان للعيش وظهور في المجتمع لعرف في سورية كألمع ما يعرف حملة الأقلام ولكن الأيام ظلمته فآثر العزلة وانطوى على نفسه ولم ينطلق في الميادين الرحبة المفروض أن ينطلق فيها أمثاله، لذلك ظلت آثاره دفينة لم يكتب لها الانتشار والذيوع.
ولكن توليه التدريس في المدرسة المحسنية بدمشق كون له طلابا استفادوا من دروسه، وقد ظل يدرس في هذه المدرسة دروس التاريخ الإسلامي واللغة العربية حتى أواخر أيامه وذلك طيلة ثلاثين سنة.
آثاره
لم يتيسر للمترجم في ظروفه أن يكتب مؤلفا كاملا، وكل ما كتبه بحوثا متفرقة في الأدب والتاريخ واللغة، وحتى هذه البحوث ظل معظمها مسودات لم يطلع عليها إلا أصحابه وعشراؤه.
وتتميز
دراساته التاريخية الإسلامية برحابة الأفق والنفاد إلى صميم الأحداث وبالتعليل السليم والاستنتاج الصحيح.
ومع أنه لم يكتب- كما أسلفنا- كتابا في موضوع من المواضيع التي حذقها، فإن ما كتبه من مقالات متفرقة يصلح لأن يكون كتابا فريدا، لو قدر له من يجمعه وينشره.
شعره
ظروف الحياة التي عاناها هي التي حددت مواضيع شعره، ولولا الحلقات التي كانت تعقد في مجالس مؤلف هذا الكتاب فيكون منها حافز للنظم لما قدر لكثير من شعر المترجم أن يظهر للوجود وهكذا نرى أن من أوسع المواضيع التي نظم فيها المترجم وأجاد في النظم هي ما كان يدور حول المؤلف سواء في التحدث عن مآثره أو وصف مجالسه أو رثائه، ويمكن القول أن صفوة شعر المترجم كانت في هذا السبيل، ولكي تدرك مقدار فجيعته بأستاذه اقرأ رثاءه للمؤلف ذاك الرثاء الذي يعتبر أفضل ما نظمه من الشعر أسلوبا وفكرة وواقعية، ويمكن القول كذلك بما نظمه في مدحه وليس هذا المديح مديحا تقليديا مبعثه الرغبة أو الرهبة، بل هو مديح أصيل مبعثه الإعجاب والتقدير، مديح نابع من أعماق النفس.
وإذا تجاوزنا هذا الموضوع نرى أن المترجم قد عاش أحداث وطنه فهو إذا كان قد آثر العزلة في حياته الخاصة، فإنه لم يبتعد أبدا عن آلام بلاده وآمالها بل تأثر بها.
وهزته فاجعة فلسطين فنظم فيها عدة قصائد، كما شارك في الأفكار الشعبية فصور إحساس الشعب السوري حيال الاختلاسات الحكومية التي وقعت سنة 1946 في قصيدته الفائية كما صور إحساس هذا الشعب حيال مآدب الإفطار التي كانت تقام في القصور بشهر رمضان.
كذلك كان لآلامه النفسية نصيب وافر من شعره فصور في أبياته العينية ما ينال المعلم أحيانا من عقوق، كما صور في أبياته البائية بعض ما كان يلقاه من الناس من صدمات وأذى، ويتجلى وفاؤه لأصحابه في رثائه لتربه وعشيره أديب التقي وفي رثائه لكل من ماتوا من أصدقائه.
وهناك موضوع تقليدي شغل حيزا من مجموعة شعره هو (التاريخ) فقد كان إخوانه يقصدونه ليؤرخ لهم شعرا أحداث الزواج والولادة والوفاة، وإذا كان هذا الموضوع يبدو جافا لا أثر للفن فيه فقد استطاع المترجم أن يجعل من بعض ما نظمه في التاريخ قطعا جميلة سنرى بعضها فيما يلي، كما جاء بعضها طريفا كما في هذا التاريخ:
يا قبر جادتك الغوادي همعا | وسقتك أصواب الهداية أجمعا |
فلنعم أجر ناله أرخه لي | في نصف شعبان نهار الأربعا |
شقراء باكرك النسيم إذا سرى | وسقى ربوعك للغمام عميم |
حصباؤك الدر اليتيم لناظر | وثراك للمستنشقين شميم |
فيك الهداية والتقى فيك المكا | رم والندى فيك الصلاح مقيم |
تيهي على الدنيا بأروع ماجد | هو للفضائل والكمال زعيم |
عقدت عليه بنو الزمان أمورها | طفلا ولم تعقد عليه تميم |
فصل الخطاب ترى بحكم يراعه | إن قام معترك ولج خصوم |
نجم الهدى طود الحجى إن أظلمت | نوب وطاشت للأنام حلوم |
حاط الشريعة منه علم زانه | رأي يصرفه أغر حكيم |
يا ابن البهاليل الغطارفة الأولى | طابت مآثرهم وطاب الخيم |
الواهبين اليسر إما أجدبت | سنة وضن بما لديه لئيم |
طال الفراق فكم جفون قرحت | سهدا وقلب طاح وهو كليم |
سقيت ليالي الأربعاء وليتها | كانت تعو بأنسها وتدوم |
كانت بجيد الدهر طوق لآلئ | بعظيم فضلك عقدها منظوم |
ما لذ للأحباب بعدك مورد | ولو أنه السلسال والتسنيم |
إن فرقت عنك الجسوم فلم تزل | منا النفوس على حماك تحوم |
لا زال في أفق الفضائل منكم | أقمار هدي للورى ونجوم |
يا سيدا بالروح يفدى | اجعل لهذا العتب حدا |
فلئن أسأنا في الروا | ح وما أصبنا فيه رشدا |
وعددته ذنبا تخر | له الجبال الشم هدا |
فالله يعلم أنه | ما كان منا ذاك عمدا |
ولك المناقب أعجزت | كل الورى حصرا وعدا |
فأدر علينا من كؤ | س رضاك البانا وشهدا |
واصفح وإن عدنا فسو | طك والعصا حدا وجلدا |
ويلاه ما أقسى الحياة | وما أمر وما أشدا |
ويلاه إن عدنا وقد | زودتنا لدمشق صدا |
أو لم نجدد سيدي | للتوب والإخلاص عهدا |
فبارك الله ما آتاك من نعم | وزادك الله تقديسا وتطهيرا |
تزهو بك الملة السمحاء مشرقة | والأرض مخضرة والبيت معمورا |
كما بيمنك يبدو الكون غالية | والترب مسكا ووجه الأفق كافورا |
مولاى نظرة عطف منك تنعشنا | ودعوة تتخطى الربع ممطورا |
آل الأمين نجوم الأرض إن لكم | في نصرة الدين إقداما وتشميرا |
كم ذدتم كم تداعيتم لنصرته | وكم سعيتم وكان السعي مشكورا |
زينت في مدحكم شعري فلا عجب | إن نافس الدر منظوما ومنثورا |
لا يستطيع بياني وصف كنهكم | مهما تفننت تسطيرا وتحبيرا |
لي مقول كشبا البتار أعهده | جربته فانثنى البتار مبتورا |
وصاح لما رأى الأنوار تبهرني | حار اللسان ففز بالطرف موفورا |
عرفت حدي في شعري وما خطري | إن كان مدحكم في الذكر مسطورا |
أنعت ليلة ضفت ستورها | وسد آفاق الفضا ديجورها |
رياحها تزجي الصبا دبورها | ويلفح الوجوه زمهريرها |
بروقها يعشي العيون نورها | رعودها يصمنا هديرها |
أمطارها يعمنا قطورها | ويح دمشق زحزحت قصورها |
سالت بها ساحاتها ودورها | كأنما فار بها تنورها |
طاب بها لعصبة مسيرها | مسرعة لملجأ يجيرها |
دار لإبراهيم عال سورها | فتم في ساحته سرورها |
أقصى مناها طرفة تثيرها | كروضة فاض بها غديرها |
قد صافحت كف الصبا زهورها | فاح من أمامها عطورها |
ونا جيلة بدا خريرها | يرقص في أحشائها نميرها |
يحبس غالي دمعها ضميرها | يستر حر وجدها قتيرها |
إذا أضاع سرها زفيرها | ضاع شذاه ساطعا بخورها |
واكؤس من لؤلؤ تديرها | يملأها من قهوة طهورها |
يهزم لظى مأمونة شرورها | يطفئ نيران الجوى سعيرها |
بنت ثوان لم تطل عصورها | يحكي العقيق ذائبا عصيرها |
ذر على لجيها إكسيرها | فدق عن أفهامنا تصويرها |
فلو بدت في جنة شذورها | هام بها ولدانها وحورها |
يا حسنها من ليلة بدورها | أوفى على شمس النهار نورها |
قد شنفت أسماعنا طيورها | غنى الهزار وشدا شحرورها |
أقسمت بالسحب ومن يثيرها | والأنجم الزهر ومن ينيرها |
آل الأمين للورى بحورها | يوم الندى وفي الوغى نسورها |
أقمار هدي إن دجا عسيرها | أو ناب من خطوبها خطيرها |
أثمار دوحات زكت جذورها | وأخصبت إذ كرمت بذورها |
’’محسنها’’ كهف التقى ظهيرها | سباق غايات العلا أميرها |
به الشريعة استوت أمورها | والتأمت بجده فطورها |
وصفحة الحق بدا نشورها | توضح منهاج الهدى سطورها |
قل لعداه قد دنا ثبورها | قد جاءنا لو ترعوي نذيرها |
قد صرصر البازي فما صفيرها | وزأر الليث فما هريرها |
لي في علاه مدح بحورها | يعيى بصوغ مثلها جريرها |
روائع سماعها أجورها | عرائس قبولها مهورها |
العيد أقبل سيدي | فهنأ وضح وفز بعيدك |
ما العيد إلا أن أكحل | ناظري بسنا سعودك |
لم يعرف التوحيد لو | لا ما تقدم من جدودك |
ولطاح سر لبابه | لولا المقدس من جهودك |
خلدت في ’’أعيانه’’ | أثرا يدل على خلودك |
وذكرت فيه فوارسا | هي في الحقيقة من جنودك |
لولا الغلو لقلت | أسرار الإمامة في برودك |
فاسلم لهذا الدين | والصيد الأكارم من أسودك |
والبس برود العز والإقبا | ل وارفل في جديدك |
واطلع على الدنيا مع | الأمار وازدد في صعودك |
باليمن والإسعاد | والأقدار فيها من عبيدك |
نبأ تطاير في البلاد فهزها | فالأرض مائلة على الأرجاء |
قالوا ’’الأمين’’ فقلت غابر أمة | سحب الزمان عليه ذيل عفاء |
وربيع ايام ودنيا حكمة | ولى وآذن عيشه بقضاء |
قدر أغار على الأمين وغاله | أصمى القلوب بأفدح الأرزاء |
وطوى به على السجل كتابه | علم الجهاد وفارس الهيجاء |
مستأصل داء الجهالة في الورى | بجهاده أمسى صريع الداء |
حمال أعباء الإمامة والهدى | في الأرض أصبح مثقل الأعياء |
محيي الفضائل في النفوس بقوله | وفعاله أضحى رهين فناء |
هلا وقته الحتف عند نزوله | مهج تتتبع داءها بدواء |
هلا وقته من الردى بنفوسها | عصب تعاهدها بحسن رعاء |
هلا حمته من النوائب ملة | دان الفداء لها بيوم فداء |
وأرامل ومعاهد وملاجئ | كان الملاذ لها لدى الغماء |
يا ناصر الإسلام كيف تركته | بيد النوازل بعد حسن بلاء |
إن يبك يومك بالنجيع فطالما | كنت المعاذ له من الأسواء |
ولقد رأيتك والمنية تدني | فتئن من سقم ومن إعياء |
فعرفت كيف تدك أطواد العلى | ويغيب نور الكوكب الوضاء |
وسوائر لك في القوافي شرد | أعيت صياغتها على الشعراء |
هن النسيم إذا رضيت سلاسة | فإذا غضبت فهبة النكباء |
المرقصات بمدح آل محمد | والفالقات الصخر عند رثاء |
النازلات على الموالي رحمة | والمرسلات لظى على الأعداد |
لك في المدائح والمراثي فيهم | سحر الوليد ولوعة الخنساء |
وإذا وعظت فأنت أبلغ واعظ | وإذا خطبت فسيد الخطباء |
وإذا يراعك جال سال حقائقا | وقضى على الأوهام والأهواء |
وإذا أجلت الرأي في متشابه | فالفجر شق دياجر الظلماء |
طلبوا تراث موزع أمواله | ما بين كسب مثابة وثناء |
يهب الألوف نهاره متهللا | ويبيت ليلا طاوي الأحشاء |
بناء أجيال تنازع همه | أحكام آساس ودعم بناء |
ومقصرين وما دروا أن العلى | ملك لكل مشمر بناء |
وتفننوا في ستر فضلك ضلة | والشمس لا تخفى على البصراء |
ما زلت تولي النشء قرط عناية | حتى سموت به على الجوزاء |
وتهيب بالواني فتملأ صدره | عزما كصدر الصعدة السمراء |
وخفضت للأيتام جانب رأفة | هي رأفة الآباء بالأبناء |
فأست جراحهم بنان مؤمل | كلف بمسح مدامع البؤساء |
وتركت للتاريخ سفرا خلدت | أعيانه في زمرة الأحياء |
نار الأسى لك في فؤادي سعرت | فطعنت بسورتها على الإطفاء |
أبكى لأطفئها واعلم أنني | مذك لواعجها بحر بكائي |
قد كنت أخشى أن يفاجئني الردى | واليوم آنف أن يطول بقائي |
زانوا (وساميهم) بنعش متوج | بالفضل سباق إلى العلياء |
ومشى على هام الجموع مشيعا | بدم القلوب وزفرة الأحشاء |
لم يحملوه على الرقاب وإنما | هذا البراق يهم بالإسراء |
قبر أقيم بروض بنت المرتضى | غنيت جوانبه عن الأنواء |
تتنزل الأملاك حول ضريحه | زمرا مع الإصباح والإمساء |
لنزيله ازدهت الجنان وأشرقت | والكون قنعه الدجى برداء |
أيها النجم ما غربت ولكن | جزت ما لا تسمو إليه العيون |
أيها القلب ما سكنت ولكن | ساد هذا الكون الحزين السكون |
ضمن هذا الضريح بأس علي | وتقاه وعلمه المخزون |
ومجن السمحاء في كل خطب | مدلهم والصارم المسنون |
صقلته كف الحكيم وسنت | قدرة الله غربه لا القيون |
وعماد الإسلام حامي حماه | في البرايا أمينه المأمون |
شمسه تاجه حلاه علاه | بدره صبحه المنير المبين |
وللباب المختار من عترة | المختار فينا والجوهر المكنون |
فليمزق للمجد أرخت قلب | فعماد الإسلام هذا الدفين |
روض الأمين شقاه مشمول الحيا | يهمي عليه مجلجلا هتانا |
أدرى الردى لما طواه بأنه | للمجد هد وللعلا أركانا |
الحق نادى محسنا فأجابه | وجزاه من إحسانه إحسانا |
أعطاه في دار الكرامة روضة | وحباه أرخنا بها الغفرانا |
غرفة ضمت إمام المحسنين | طاهر الأعراق من آل الأمين |
آية الله ونبراس الهدى | حجة الإسلام والشرع المبين |
أرضها مسك وفي أجوائها | قبس من نور رب العالمين |
تهبط الأملاك في أنحائها | فادخلوها بسلام خاشعين |
جد في نهبك يا شعب فخف | عقمت أمك أن تأتي بعف |
تهب المال وتمسي طاويا | وبيوت المال في نشر ولف |
كم عديم بات منها مثرا | ووضيع حاز أعناق الشرف |
ما على القاني صحاف ذهبا | إن شكا جيرانه فد الخزف |
هكذا الميزان إن مال به | ثقل من جانب شال طرف |
أعولي أيتها الأم فقد | عق أبناؤك ميثاق السلف |
شرف الماضي وما في ضمنه | أودعوه اليوم في بطن جدف |
تربت أيدي رجال عرضت | ثروة الشعب لخسر وتلف |
قد بلونا فإذا ليس لها | غير نهب المال هم أو هدف |
أمعني أيتها الأيدي فقد | آمنوك اليوم من قطع وكف |
لا تخافي دركا أو عنتا | فمطايا العزم في العدل عجف |
صم سمع العدل عن صيحاتنا | وتعامى عن أذانا منه طرف |
قد خلا الجو فقري أعينا | لن تنالي بهوان أو بصرف |
ثروة الأمة بحر فاعرفي | لا تضير البحر كف المغترف |
أيها السائل عن ثروتنا | قد كتبنا عندها فاز المخف |
قد جمعناها بغالي دمعنا | وبذلنا كل ما عز وخف |
وائتمناهم عليها بعد أن | بيع فيها كل ما عون وخف |
فاستحلوها وأضحت مغنما | تجتلي فيه أفانين الترف |
قد عذرناكم بأن نافستم | باللآلي وصدفتم عن صدف |
وتجاوزنا ولو جاوزتم | في التمادي كل غايات السرف |
لذة الثروة أمر عجب | وكذا من ذاق ما ذقتم عرف |
لا تلام البهم في رقص إذا | أولع الراعي بمزمار ودف |
كف من غربك يا طرف إذا | هاجك الحزن بدمع فوكف |
حي أسلافا كراما تركوا | خلفا بعدهم بئس الخلف |
يا أيها الموسر والمثري | هلم يمم ساحة القصر |
يا حسنها والوجوه ناضرة | تفيض فيها بالأنس والبشر |
يا حسنها والعيون لامعة | فهل أحست بليلة القدر |
حيث عيون القوم في روضها | مبثوثة والصدر في الصدر |
حيث تحف الجنود في ربها | كما تحف النجوم بالبدر |
ترى على محياه بدر سما | ما ضرها أن تضن بالقطر |
أسرع يجنبك أذى عسرة | يا بعد بين العسر واليسر |
حيث الطعام اللذ في صفحة | يعرض بالبخس وبالنزر |
يشرى به الجدان من عصبة | تبيع فيه الشبر بالفتر |
غاية ما قد يقتضى بذله | بعد امتلاء سجدة الشكر |
أو بعض ركعات قصار المدى | يؤتى بها بالشفع والوتر |
أو نشر أخبار حسان له | مكذوبة بالطبل والزمر |
بين رعاع من الملا حشد | لا تفرق الخير من الشر |
طال عليها الليل في نومها | أما لهذا الليل من فجر |
شد إلى الهضب دراريه | فالصبح منه نفخة الحشر |
يا أيها الشاري بها دينه | حسبك ما حملت من وزر |
وأنت يا أيها المعسر عش | بين ثنايا البؤس والضر |
وخل للقصر ما حاكه | من ترهات باللف والنشر |
فقد أعاد التاريخ أعماله=بأن تساس البلاد | بالتمر |
واقرأ كلام القرآن في قوله | والعصر إن الإنسان في خسر |
وعصابة حب الظهور شعارها | ما إن لها إلا الزعامة مأرب |
تخذت مناصرة الضعيف حبالة | فشباكها أبدا تحاك تنصب |
ما بين هماز تظاهر بالتقى | وتراه في حبل الغواية يحطب |
وروى الحديث فصدقوه وما دروا | أن المحدث من سجاح أكذب |
والدهر حرب للكريم فكم علا | فيه القطا وانحط باز أشهب |
والجد من طيش القضاء فكم علا | هام الضراغم رأس تيس اغضب |
والجد موهبة السماء فكم محت | سحب السما شمسا ليشرق كوكب |
سل عصبة خطت أناملها لها | نحسا ولما تدر ماذا تكتب |
أاساود هذي التي قد رشحت | للسير في أعمالها أم أكلب |
من كل هدام ويزعم أنه يبني | وحلاف يقول فيكذب |
يقولون لي كم من صديق تفوته | فتشمت في ذاك العواذل إذا فاتا |
وقد كان أولى منك بالصون والوفا | ومثلك من يرعى الصديق إذا فاتا |
وما علموا أني وفرت لحومهم | وأكبت أعدائي بحلمي إكباتا |
وأغضيت عن زلاتهم ووصلتهم | وقد مزقوا لحمي وعرضي أشتاتا |
فقلت لهم عار على الحر لو درى | بمن يصلت الصمصام للفتك إصلاتا |
رضاه بعيش الهون والعار والأذى | بصحبة باغ أن يضيع أوقاتا |
ومن ليس يدري بالوفاء فشأنه | كشأن العدو المحض ضرا وإعناتا |
وشأن أخي الشحناء في القرب والنوى | لئن عاش شأن البهم في الناس أو ماتا |
نصحتكم لا تجعلوا النشء دأبكم | بعلم له كالماء يطلق للزرع |
فما فيه للنعمى جزاء وما لكم | عليها وإن جلت سوى السب واللسع |
تميتون فيه النفس جهدا ليرتوي | ويحيا فيجزي واصل الحبل بالقطع |
ويا رب آمال مع النشء خيبت | وأحللتموها واديا غير ذي زرع |
يا راكبين ألا عوجوا بوادينا | جف السحاب وما جفت مآقينا |
ضاق المحيط بموج الجاليات وقد | غص البسيط بفوج من أضاحينا |
فوق القوارب أيتام حماتهم | في مذبح الغدر قد أمست قرابينا |
من ثاكلات تدق الصدر نائحة | تعدادها علم الورق التلاحينا |
قد بزها البغي ثوب العز فانطلقت | تذري الدموع على الصيد المحامينا |
ألقى بها اليم أشتاتا مروعة | توحي إلى النفس أشجانا أفانينا |
هاتيك نسوة قحطان وقد وقفت | تنعى مغاويرها الزهر الميامينا |
أنسى المصاب بحيفا كل كارثة | وهب ينكأ ذكرى دير ياسينا |
أان ذقت صهيون حر الصفاح | رجعت ترومين وقف الكفاح |
أصلحا ومسرى الرسول الطهور | لشذاذ شعبك نهب مباح |
أصلحا وهذي دماء الضحا | يا تسيل بهن السهول الفساح |
وتلك العذارى وأشلاؤها | تناثرن بين الربى والبطاح |
تحنطها لافحات الهجير | وتدفنها سافيات الرياح |
ولما نبادلك بيع النفوس | بسوق الملاحم بيع السماح |
ولما ترعك بيوم عبوس | على السابحات وجوه صباح |
كأن كؤوس الردى سلسل | يداف لديها بمسك وراح |
تقبلها شفرات السيوف | فتحسبها لحظات الملاح |
كأن عناق كعوب الرماح | لديها عناق كعاب رداح |
فلا صل حتى تئيم النساء | ويلقى الجناة الجمام المتاح |
ولا صلح أو تؤذني بالفناء | وتخلي البلاد وتلقي الساح |
أصابت فأصمت سهام الغير | فبدلن صفو المنى بالكدر |
أبر على كل خطب عرا | مصاب العلا بفتاها الأبر |
تصاممت ادفع صوت النعي | فمن لي بأن لا يصح الخبر |
وهبني تأولت ظن السماع | فما حيلتي بيقين النظر |
تولت ليالي الصفا وانقضت | ومرت سراعا كلمح البصر |
لقد كنت فينا كبير المقام | فأصبح رزؤك إحدى الكبر |
كريم الشمائل عف الضمير | شهي الحديث لطيف السمر |
وفي الموقف الصعب صلب الحصاة | إذا هز قلب الجبان الخور |
فمن للنضال ومن للصيال | ومن للنزال ودرء الخطر |
يراعك يجري بسحر العقول | يمد بذهن عجيب الفكر |
إذا جد حل عرا المشكلات | فعذب فرات ومر صبر |
أجوهرة الدهر من بعدها | وهى السلك في عقده فانتثر |
لئن داهمتك ظروف القضا | ء غصنا نضيرا جني الثمر |
ولم تنض عنك برود الشباب | ولم تقض مما يروم الوطر |
فما في الحياة سوى المضحكات | فحر يساء وعبد يسر |
ونجد يشان ونذل يزان | وليث يهان وقرد يبر |
إلى باطن الأرض يا ذا الإباء | فما ظهرها لأبي مقر |
وأخلد إلى الترب وأنعم به | إذا لم يكن من صغار مفر |
تصوح بعدك روض العلوم | وطاح النبات وجف الزهر |
وغادرت فينا حماة القريض | نجوما دهاها خسوف القمر |
فلا تبعدن بلى قد بعدت | وكيف دنو رهين الحفر |
سنسقي ثراك دموع العيون | ففيها الغنى عن روي المطر |
وقبر غدا فردا بظاهر جلق | ’’لزينب بين النهر والهضبات |
مقيم على ظهر الطريق غدت له | معالم دين الله منظمسات |
سليلة بيت الوحي أمست فريدة | به بين حساد لها وعداة |
لقد غالبت جور الزمان وغدره | بصبر على أرزائه وثبات |
وقد فوجئت طول الحياة وبعدها | ببين وثكل موجع وشتات |
كما بيضت تاريخ مجد ابن أمها | بما كتبت من ناصع الصفحات |
فكم وقفت بين الطغاة مواقفا | سقتهم كؤوس السم بالكلمات |
ثوت حيث وافاها الحمام غريبة | تحاط بأخصام لها وطغاة |
سوى عصبة قلت وقل غناؤها | ترى ودها من أعظم القربات |
تطوف به شبانها وكهولها | وتسقي ثراه واكف العبرات |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 614