السيد أحمد ابن السيد شهاب الدين الرضوي الشهير بالأديب البيشابوري
ولد سنة 1253 في الأرض الواقعة بين بيشابور وأفغانستان وتوفي سنة 1349 ودفن في مشهد الإمام زاده عبد الله قرب مشهد عبد العظيم في الري.
(وبيشابور) واقعة على حدود الأفغان شمالي الهند، كان أبوه من العلماء وولد وهو في البرية في البيوت الشعر ولما هجم الإنكليز على بلاد بيشابور حاربهم آباؤه وعشيرته وكان هو من جملة المحاربين وقتل جميع آبائه وعشيرته من طرف الأب والأم في تلك المحاربات وأصابته جراحات كان أثرها باقيا في جسده وبقي أحد عشر شهرا في مداواتها في بلدة بيشابور ولما برئت جراحاته خرج من داره فرأى بعض المبشرين ينشر دعوته في بعض أزقة بيشابور فضربه وكان الإنكليز قد استولوا عليها فأخذوه وحبسوه 22 عاما فلما خرج من الحبس أقسمت عليه والدته أن يخرج من بيشابور فخرج إلى كابل وبقي فيها سنتين يشتغل بتحصيل العلوم ثم خرج منها إلى عزبين في بلاد الأفغان فبقي فيها سنتين في مدرسة السنائي وكان من حكماء إيران المعروفين وهو مدفون في تلك المدرسة وهو يشتغل في تلك المدة بتحصيل العلوم ثم خرج منها إلى هراة وبقي فيها ثلاث سنوات يشتغل بتحصيل العلم ثم خرج منها إلى تربة الشيخ جام وهي بلدة شرقي مشهد الرضا عليه السلام فيها قبر المذكور وتسمى بذلك وبقي فيها سنة واحدة يشتغل بتحصيل العلوم ثم خرج منها إلى مشهد الرضا عليه السلام فبقي فيه سبع سنين يشتغل بتحصيل العلوم ثم خرج منها إلى سبزوار فقرأ فيها على الحاج ملا هادي السبزواري الحكيم الإلهي المشهور صاحب المنظومة وبقي في خدمته سنتين إلى أن توفي السبزواري فجلس مكانه للتدريس في الحكمة الإلهية والكلام والرياضيات وبقي في سبزوار بعد وفاة السبزواري خمس سنين ثم رجع إلى مشهد الرضا عليه السلام فجعل يدرس في الآستانة المقدسة بدون مقابل وبقي هناك ثماني سنوات ثم خرج منها إلى طهران عاصمة إيران وبقي فيها 49 سنة والناس تقرأ عليه في العلوم العقلية إلى أن توفي وكان أديبا شاعرا مجيدا باللسانين الفارسي والعربي ولسان أردو ولا سيما الفارسي وله ديوان شعر فارسي يبلغ 35 ألف بيت في غاية الجودة وله شعر قليل بالعربية لا بأس به وكان ماهرا في اللسان العربي ومعرفة اللغة العربية مهارة فائقة وكان يحفظ القاموس غيبا ولا يحتاج إلى مراجعة كتاب وله كتاب في اللغة الفارسية فيه 63 ألف مادة ولم يتزوج مدة عمره وكان ينتسب إلى الإمام رضا عليه السلام من قبل أبيه وأمه وكان سيدا جليلا شهما غيورا عالما فاضلا لا سيما في العقليات مجاهدا في دينه مجاهرا بعقيدته محاربا للاحتلال الأجنبي غاية جهده وله مؤلفات كثيرة كانت ملء صندوقين سرقها من لا يعرف قيمتها وباعها بأبخس الأثمان منها شرح الإشارات للخواجة نصير الدين الطوسي ومنها حاشية على شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة ووجد بخطه 48 مجلدا في غاية الضخامة بخط جيد اسنتسخها حال اشتغاله بالعلم تحصيلا أو تدريسا وعلق حواشي على أكثرها أخبرنا بذلك كله آقا عبد الحسين بن عبد الرسول المازندراني الطهراني الملقب بشيخ الملك المدعو باورنك بمنزله في طهران يوم الثلاثاء 29 صفر سنة 1353 في طريقنا إلى مشهد الرضا عليه السلام في خراسان وكان خصيصا به وأخبرنا أنه بقي مدة في منزله بطهران وكان كارها للسلطنة المشروطة كراهة شديدة وفي شعره هجو عظيم لا تبرك عليه الإبل لبعض عظماء العلماء لكونهم قووا المشروطة في أول أمرها ثم نشأ عنها ما نشأ ولا شك أنه مخطئ في ذلك إذ لا يسوغ هجو المسلم على ما له فيه محمل صحيح فضلا عن عظماء وعلماء الدين وورثة شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم الذين ما قصدوا إلا الصلاح للأمة وإن نشأ عنه غيره مما لم يكونوا يعلمون به والشعر الذي فيه هذا الهجو مع كونه ركيكا لم نستحل نشره تغمدنا الله وإياه بعفوه. ومن شعره بالعربية قوله يمدح أمير المؤمنين عليه السلام من قصيدة انتخبنا منها هذه الأبيات:
بشر بشر بدا متدرعا لاهوتا | أم نور لاهوت ثوى ناسوتا |
ياقوتة سخرت بنا فتجمرت | أم جمرة برزت لنا ياقوتا |
عدم الحياة المعشران كلاهما | لو صاح في ثقليهما أن موتا |
وأعد سعيي وقفة وتصبري | صوما وذكري للوصي قنوتا |
سند ولاؤك لا يزال مثبتي | في وطئتي من أن تزل ثبوتا |
من ند نهر ولائه المكنون في الـ | ـأرواح اغترفت يدا طالوتا |
وأنال أيدا في يدي داود إذ | أردى بمرة حذفه جالوتا |
من حكمه لقمان لقن حكمة | فغدا بسر علومه منعوتا |
وتنشقت ريا تأرج نشره | نفس المسيح فأحيت المرفوتا |
باب الهدى فليأتين من بابها | من كان يرغب أن يزور بيوتا |
سمت سوي فاستقم لرشاده | لا تعد عينك في الضلال سموتا |
تعست عبيد كابرت بمليكها | أقصى الإله الجبت والطاغوتا |
موموقهم في صورة لما بدا | في صورة أخرى بدا ممقوتا |
ولقد سقينا خمرة لم يحوها | دن ولا زرنا لها حانوتا |
ضربت على سمعي وناطق مقولي | صمما لغير حديثكم وسكوتا |
هتفت حمامة أيكتي بدوية | يدع الفرزدق سجعها مبهوتا |
ورقاء تنفث في لطيف نشيدها | سحرا يرقص حسنه هاروتا |
لا زال من فضل الإله وجوده | جود يفيض على ثراك همولا |
روى عظامك وابل من سيبه | يعتاد لحدك بكرة وأصيلا |
تلكم عظام كدن أن يأخذن من | جو إلى عرش الإله سبيلا |
همت عظامك أن تشايع روحها | يوم الزماع إلى الجنان رحيلا |
فتصدعت معه قليلا ثم ما | وجدت لسنة ربها تبديلا |
آمنت إذ حادوا برب محمد | وصبرت في ذات الإله جميلا |
فعل الذين برب موسى آمنوا | ورأوا تمتع ذي الحياة قليلا |
والفعل يبقى في الزمان حديثه | إن أذهب الدهر الغشوم فعولا |
ورأيت فضل الله دين محم | وسواه زندقة الغواة فضولا |
خنقوك لا خنقا عليك وإنما | خنقوك كيما يخنقوا التهليلا |
وأظل يوم الابتلاء فلم تكن | في الدين متهما ولا مدخولا |
ما كان في حكم القضاء مدلها | منك الفؤاد ولا اللسان كليلا |
ثبت الخطاب وللحتوف هزاهز | تنحوك ماثلة إليك مثولا |
هل ينفع البر التقي بيانه | في معشر نطقوا السفاهة قيلا |
ذو مرة لم تضطرب أحشاؤه | والموت ينسج مبرما وسحيلا |
ايقنت أن نكالهم بك نازل | فشربت صاب مصابهم معسولا |
وكذاك من كان الإله معاذه | والحق معتصما له ووكيلا |
صلى الإله عليك من متصلب | متخشع صعب القياد ذلولا |
قوموا بني عصبة الإسلام قاطبة | عربا وهندا وأتراكا وأفغانا |
لا يقعدنكم حب الحياة على | أن تغمضوا منكم للذل أجفانا |
أليس وصى رسول الله أمته | أن لا تزالوا مدى الأيام إخوانا |
يدعوكم الله والنور البشير إلى | أن تصبحوا لحمى الإسلام أعوانا |
فتلكم دعوة ما خصصت أحدا | عمت فضمتكم شيبا وشيبانا |
فطالما قد كسيتم ثوب معجزة | وصرتم لدلاء الذل أشطانا |
قد صحت من عجب رأيت فصيحوا | رشأ يكلم والكلام فصيح |
قد قلت حين سمعت منه كلامه | (أغذاء ذا الرشإ الأغن الشيح) |
قد هاج طوفان الحوادث مغرقا | من يدعي المنجاة وهو سبوح |
قد فار تنور الثأى فاستيقظوا | نصحي سفينتكم وإني نوح |
تهلل المزن عن نوء سماكي | فأصبح نداماك بالرطل العراقي |
در بالزجاج الصباح على الـ | ـليل الدجوجي بالصوت الدجاجي |
فضوأ الليل للساري وأبصرت الـ | ـعشواء قصدا سويا غير ملوي |
سليل أتراك تاتار يكلمنا | بلهجة الفارسي النوبهاري |
فهل سمعت بياقوت تذفتق من | جمانة البحر أو نور الأقاحي |
زمت جمالهم ضمت رحالهم | من فوق مهرية منا وهري |
طوى الزمان سجلا كان ينشره | وعقب النشر كيد الدهر بالطي |
لو ينفع الحذر اليقظان من قدر | نجت من الصقر يقظات الكراكي |
يا أهل هند وهند اسم غانية | والغانيات كبيضات الأداحي |
الحكم لله في كل الأمور فلا | قلبي بخاش ولا أمر بمخشي |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 603