الشيخ أبو الرضا أحمد ابن الشيخ حسن الحلي النجفي المعروف بالنحوي وبالشاعر
توفي سنة 1183 بالحلة ونقل إلى النجف فدفن بها ورثاه السيد محمد زيني بقصيدة مؤرخا فيها عام وفاته مطلعها:
أرأيت شمل الدين كيف يبدد | ومصائب الآداب كيف تجدد |
أظهرت أحزاني وقلت مؤرخا | الفضل بعدك أحمد لا يحمد |
غمام كمال هطله العلم والحجى | ووبل معال طله الفضل والمجد |
له رتبة في العلم تعلو على السهى | فريد نهى أضحى له الحل والعقد |
يا رب كاتم فضل ليس ينكتم | والشمس لم يمحها غيم ولا قتم |
والحاسدون لمن زادت عنايته | عقباهم الخزي في الدنيا وإن زعموا |
أما رأيت هشاما إذ أتى الحجر السـ | ـامي ليلمسه والناس تزدحم |
أقام كرسيه كيما يخف له | بعض الزحام عسى يدنو فيستلم |
فلم يفده وقد سدت مذاهبه | عنه ولم تستطع تخطو له قدم |
حتى أتى الحبر زين العابدين إما | م التابعين الذي دانت له الأمم |
فأفرج الناس طرا هائبين له | حتى كأن لم يكن منهم بها إرم |
تجاهلا قال من هذا فقال له | أبو فراس مقالا كله حكم |
بنيتم بني الزهراء في شامخ الذرى | مقاما يرد الحاسدين إلى ورا |
أناديكم صدقا وخاب من افترى | بني أحمد يا خيرة الله في الورى |
لقد بين الباري جلالة أمركم | وأبدى لنا في محكم الذكر ذكركم |
أمرتم فشرفنا بطاعة أمركم | طهرتم فطهرنا بفاضل طهركم |
موالي لا أحصي جميل ثنائكم | ولا أهتدي مدحا لكنه بهائكم |
ظفرنا بكنز من صفايا صفائكم | ورثنا من الآباء عقد ولائكم |
برزت فيا شمس النهار تستري | خجلا ويا زهر النجوم تكدري |
فهي التي فاقت محاسن وجهها | حسن الغزالة والغزال الأحور |
من آل موح شهب أفلاك العلى | وبدور هالات الندى والمفخر |
وهم الغطارفة الذين لبأسهم | ذعر الورى عن سطوة الإسكندر |
وهم البرامكة الذين بجودهم | نسى الورى فضل الربيع وجعفر |
لم يخل عصر منهم أبدا فهم | مثل الأهلة في جباه الأعصر |
لا سيما العلم الذي دانت له الـ | ـأعلام و الفضل الذي لم ينكر |
ولقد كسا نهج البلاغة فكره | شرحا فأظهر كل خاف مضمر |
وعجبت من ريحانة النحو التي | لم يذو ناضرها مرور الأعصر |
فذروا السلافة إن في ديوانه | في كل بيت منه حانة مسكر |
ودعوا اليتيمة إن بحر قريضه | قذفت سواحله صنوف الجوهر |
ما دمية القصر التي جمع الأولى | كخرائد برزت بأحسن منظر |
يا صاحب الشرف الأثيل ومعدن ال | كرم الجزيل وآية المستبصر |
خذها إليك عروس فكر زفها | صدق الوداد لكم وعذر مقصر |
فاسلك على رغم العدى سبل العلى | واسحب على كيوان ذيل المفخر |
ألفظك أم أزهار جنة رضوان | ومعناه أم آثار حكمة لقمان |
لله كم أعرب عن نحولي | نحو فتاة أو فتى كحيل |
همت بنون الصدغ حيث زانا | والفم حيث الميم منه بانا |
أفدي الذي سناه أضحى قمرا | أو واقعا موقع ما قد ذكرا |
وقولنا بك الكمال بين | والنقص في هذا الأخير أحسن |
نصبت قلبي لسهامك الجفن | وليس عن نصب سواه مغني |
فاعطف فلم يبق بي الضعف رمق | والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق |
واصفح عن القتل فكم مولى صفح | فما أبيح افعل ودع ما لم يبح |
قد صح في عذارك الجمال | ولم يكن في لامه اعتلال |
مالت لك الروح فته دلالا | فإنك ابتهاجك استمالا |
يا صاح إن يسألك عني قل تلف | وفي جواب كيف زيد قل دنف |
هذا سهام لحظه مشهورا | فأين من علمته نصيرا |
وددت لو أضحي بروحي يفدى | وقائلا واعبديا واعبدا |
لا تذكروا البدر لحبي ثاني | فذكر ذا وحذفه سيان |
ولي فتاة إن رنت بالمقلة | فلي بكا بكاء ذات عضله |
إذا سطت (رنت خ ل) بطرفها السحار | فالضيغم الضيغم يا ذا الساري |
بالله كفي عن حشاي المؤلمة | فلم تكوني لترومي مظلمه |
خل حديث لحظها الذي يرد | في النظم فاشيا وضعفه اعتقد |
بل عد عن كل الورى طرا ولا | تمرر بهم إلا الفتى إلا العلى |
شيخي نصر الله ذا المفاخر | الطاهر القلب جميل الظاهر |
سلالة الأمجاد نجل المصطفى | وآله المستكملين الشرفا |
الواهب البيض الهجان مثقله | وكلها يلزم بعدها صله |
فلق الأيادي بجود منهمر | وهكذا ذو عند طيء شهر |
إن قال لفظا لهج القبائل | بنحو نعم ما يقول القائل |
وكم له عبارة سنيه | مقاصد النحو بها محويه |
فاز بخط في العلا موفور | فما لذي غيبة أو حضور |
بجده اتقى مكارما وما | كالمصطفى والمرتقي مكارما |
قرى الضيوف وحوى الإنافة | وشاع في الأعلام ذو الإضافة |
راحته تولي غناء المعوز | وتبسط البذل بوعد منجز |
الجود والمجد إليه ينتسب | وكونه أصلا لهذين انتخب |
متى تزره فالعطايا هامره | والله يقضي بهبهات وافرة |
يخاطب الضيف خطاب من يجب | كنحو أما أنت برا فاقترب |
كم قد أفاد بدرة وعشرا | ومنوين عسلا وتمرا |
فيا لهيف اقصد حماه والتزم | واستعذ استعاذة ثم أقم |
وابهج بمدح ذاته مفصلا | وزكه تزكية واجملا |
واعدده مع والده في الكرما | ولهما كن أبدا مقدما |
إن جاءه الضيف يقل نلنا المنى | ورجل من الكرام عندنا |
يوليك من غيث نداه الهامي | ما تستحق دون الاستفهام |
فالزم مديح فضله حتما ولا | تعدل به فهو يضاهي المثلا |
أفرد له الفضل وأولى بالجدا | وثن واجمع غيره وأفردا |
وصفه بالعلم الذي به عرف | فيستحق العمل الذي وصف |
أضف له الفقه وأتبعه العلى | مثل الذي له أضفت الأولا |
قرم همام في الورى حيث ذكر | ولا تقس على الذي منه أثر |
شافهه الدهر بما قد أجملا | مفصلا كأنت أعلى منزلا |
عظمه وارفع قدره مدى المدى | وأفعل التفضيل صله أبدا |
قد شاع بالفضل بكل ما يلي | في الخبر المثبت والأمر الجلي |
فامدحه والزم مدحه فقد أتى | في النظم والنثر الصحيح مثبتا |
سام بفضل وكمال ورشد | ووصف أي بسوى هذا يرد |
قل للذي عليه عن قصد نزل | من صلة أو غيرها نلت الأمل |
لقد سما فضلا بكل ما كتب | وكلما يليه كسره وجب |
فاق أولي الفضل بما قد سطرا | قبلا وما من بعده قد ذكرا |
بالفضل والفضل سما كلا كتب | وكونه أصلا لهذين انتخب |
علا على الدر بكلم منتظم | وغير ذي التصرف الذي لزم |
قد فاق في ترتيبه الذي قضى | وما أتى مخالفا لما مضى |
وإنني من حسنه الذي انجلى | مغرى به في كل ما قد فصلا |
لكونه حاز علا نبيلا | مستوجب ثنائي الجميلا |
رسالة عن المعاني مخبره | مفردة جاءتك أو مكرره |
وقد حوت مقاصدا بهيه | مقاصد النحو بها محويه |
وإنها أصل بلا تجوز | تقرب رضا بغير سخط |
يا سائلا عن فضله الذي سرى | على الذي ينقل منه اقتصرا |
فإنه بدر غدا منيرا | كذا إذا يستوجب التصديرا |
شمس معال وكمال وهدى | ولا يلي إلا اختيارا أبدا |
مالت أولوا الفضل إليه والعلا | للمح ما قد كان عنه نقلا |
فافرده في فنونه بين الملا | وأبرزنه مطلقا حيث تلا |
لقد رويت فضله الذي حوى | ما مر فاقبل منه ما عدل روى |
فمن يكن مسلما لو صفي | فذاك ذو تصرف في العرف |
يسمح للوفد بما قد طلبا | إن كان مثل ملء الأرض ذهبا |
ألفاظه للوفد خذ عليكا | وهكذا دونك مع إليكا |
أضحى الندى وصفا له منتسبا | واسما أتى وكنية ولقبا |
كلامه الجامع كله حكم | وكلمة بها كلام قد يؤم |
قد حتم الفضل له وقدرا | جميعه وهو الذي قد قصرا |
خاطب عبده خطاب الكرما | كأعط ما دمت مصيبا درهما |
يكاد يدري إذ ذكاه اتقدا | ما ناطق أراده معتمدا |
إن زاره اثنان وجمع رفدوا | وقد يقال سعدا وسعدوا |
وكم سخت يمينه بالصفد | لمفرد فاعلم وغير مفرد |
وإن تسل عن قدره بما غدا | يختص فالرفع التزمه أبدا |
كم وصل الوفد ببذل تبر | أو بإضافة كوصل يجري |
قصدت مغناه فأبت بالصفد | وسرت سيرتين سير ذي رشد |
كم ولي الجيش فأولاه العطب | وكلما يليه كسره وجب |
يقول دائما لحب العدل لا | يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا |
قد اقتفى العلم وحاز الشرفا | والعلم نعم المقتنى والمقتفى |
جرى على نهج أبيه المرتضى | وما أتى مخالفا لما مضى |
من معشر غر مديحهم أتى | في النظم والنثر الفصيح مثبتا |
عن جبرئيل والنبي المرسل | في الخبر المثبت والأمر الجلي |
وكم وكم من جوده الذي هطل | من صلة أو غيرها نلت الأمل |
وكم حباني هبة معجله | على الذي استقر أنه الصلة |
يلهج مهتزا لأرباب الأمل | بنحو نحن العرب أسخى من بذل |
يقول وفده لكل من سنح | أعرف بنا فإننا نلنا المنح |
وكم له رويت أوصافا سوى | ما مر فاقبل منه ما عدل روى |
يقول جبر الضعف دأبنا فمن | يصل إلينا يستعن بنا يعن |
غيري إذا الظامي إليهم قد وفد | أبو ولا أمنعه فقد ورد |
يا طالبا للعلم من غير مرا | على الذي ينقل منه اقتصرا |
والزمه مثل العروة الوثقى ولا | تعدل به فهو يضاهي المثلا |
وخاطبنه بين أربابا العلا | مفضلا كأنت أعلى منزلا |
فإنه مع الكمال ركبا | تركيب مزج نحو معدي كربا |
كم قال للوفد نداه عطفا | نحو له علي ألف عرفا |
من يتخذ مغناه خير كهف | فذاك ذو تصرف في العرف |
فاقطع إليه البيد سهلا وجبل | وجد كل الجد وافرح الجذل |
أعلى بناء مجده وشيدا | على الذي ينقل منه اقتصدا |
شأى الورى بالفضل جيلا جيلا | وهو بسبق حائز تفضيلا |
وهو كما أولاني التبجيلا | مستوجب ثنائي الجميلا |
والآن إذ نظمت في المولى الأجل | نظما على جل المهمات اشتمل |
مضمنا ألفية ابن مالك | أحمد ربي الله خير مالك |
مصليا على الذي حاز العلى | محمد خير نبي أرسلا |
وصنوه الهادي مبيد الفجره | وآله الغر الكرام البررة |
ورهطه المتبعين سيره | وصحبه المنتجبين الخيره |
وأختم النظم لعلي أسعد | بنحو خير القول إني أحمد |
أرحها فقد لاحت لديك المعاهد | وعما قليل للديار تشاهد |
وتلك القباب الشامخات ترفعت | ولاحت على بعد لديك المشاهد |
وقد لاحت الأعلام أعلام من لهم | حديث المعالي قد رواه مجاهد |
حثثنا إليها العيس قد شفها النوى | وقد أخذت منها السرى والفدافد |
مصاب المطايا عندنا فرحة اللقا | مصائب قوم عند قوم فوائد |
نؤم ديارا يحسد المسك تربها | وتغبط حصباء بهن القلائد |
تؤم بها دار العلى سر من رأى | ديار لآل الله فيها مراقد |
ديار بها الهادي إلى الرشد وابنه | ونجل ابنه والكل في الفضل واحد |
أقاموا عماد الدين دين محمد | وشيدت بهم أعلامه والقواعد |
فلولاهم ما قام لله راكع | ولولاهم ما خر لله ساجد |
ورب غبي يجحد الشمس ضوءها | فتحسبه في يقظة وهو راقد |
تلوح له منهم عليهم دلائل | وتبدو له منهم عليهم شواهد |
بدا منكرا من عيه بعض فضلهم | ولا ينفع الإنكار والله شاهد |
قصدت معاليهم ولي في مديحهم | قصائد ما خابت لهن مقاصد |
أؤمل للدارين منهم مساعدا | وظني كل لي يمين وساعد |
بني الوحي حاشا أن يخيب الرجا بكم | وأن ينثني في خيبة القصد قاصد |
صلوني وعودوا بالجميل على الذي | له صلة منكم لديه وعائد |
فإن تسعدوني بالرضا فزت بالرضا | وإلا فدلوني على من يساعد |
بين هجر النوى وصد التلاقي | بلغت روحه عليك التراقي |
ويح قلبي من الضنى ما يعاني | ويح جسمي من العنا ما يلاقي |
لمت في العشق قبل أن أعرف العشق | فواخجلتا من العشاق |
من عذيري من مطلقين وخلوا | مستهاما من الأسى في وثاق |
كلما رمت أبرد القلب عنهم | بالتسلي يجد بالاحتراق |
ليت شعري أين استقلت بهم أيـ | ـدي المطايا أم كيف لي باللحاق |
صاحبي لا عدمت منك معينا | لي على برد لوعة واشتياق |
قم فناشد أظعانهم أين حلوا | وائتني باليقين إن كنت باقي |
خلت من حبيب النفس تلك المعاهد | وبدد شمل الأنس دهر معاند |
فقلت ولي طرف رعى النجم ساهد | خليلي إني للثريا لحاسد |
لها في اجتماع الشمل شأن ورفعة | ولي كل حين من جوى البعد لذعة |
فيا عجبا والدهر كم فيه فجعة | أيجمع منها شملها وهي سبعة |
مقيم على يأس من الحزم راحل | ومغض على ضيم عن العزم ناكل |
تروم اقتناء الدر والبحر زاخر | وما قطعت منه لديك السواحل |
وترجو اقتناص الوحش في فلواتها | وما نصبت للصيد منك حبائل |
أبى الله إلا أن أجوب قفارها | بمنصلت ما أرهفته الصياقل |
لي الرحل بيت والظلام ملابس | وسيري زاد والنجوم مناهل |
لي الله كم كلفت نظمي متالفا | من البيد قد عمت بهن الدلائل |
سباريت غير موحشات عراصها | تنوح على الخريت فيها الثواكل |
قفار فلا للوحش فيهن وحشة | وللغول في أكنافهن غوائل |
تصيح بها الحرباء من حرب بها | ويرتاع منها صبحها والأصائل |
فلا النبت في تلك الدكادك ناجم | ولا الغيث في تلك السباسب هاطل |
مهامه لا يسري السحاب بجوها | وإن صحبته للبروق مشاعل |
تقلص فيها الساريات ذيولها | وتخرس فيها الراعدات الهواطل |
قطعت فيافيها ورضت صعابها | بمهرية للريح فيها شمائل |
فزرت بيوت الحي أوتادها القنا | وأطنابها الحدب الظهور الفواصل |
ونبهت في جنح الدجى خوط بانة | رقود الضحى تجني عليها الغلائل |
فباتت تعاطيني مدامة ريقها | ولا شدو إلا ما ترن الخلاخل |
على روضة غناء قد بسطت لنا | بأيدي السحاب الغر فيها الخمائل |
أزاهير أمثال الزمرد تلتوي | على نبتها مثل الصلال الجداول |
تراقص بالأكمام أغصان دوحها | إذا ما تغنت في ذراها البلابل |
نواضر أغصان كأن قدودها | قنا الخط إلا أن تلك ذوابل |
كأن غدير الروض يخشى طعانها | فيعلوه من نسج النسيم غلائل |
أبا الفتح نصر الله حسبك في العلا | معال لها فوق الثريا كلاكل |
أحطت بعلم لو يبث أقله | على من على الغبراء لم يبق جاهل |
لولا لحاظك والقوام الأهيف | ما بات طرفي بالمدافع يطرف |
من منصفي من حاكم جعل الأسي | حتما علي وجائر لا ينصف |
ألف القطيعة والنفار وليس لي | في حبه إلا الصبابة مألف |
ادنو فيبعد لاهيا بجماله | عني وأعطفه فلا يتعطف |
أو ذقت يوما رشفة من ريقه | -لاذقتها- لسباك ذاك المرشف |
يا سيد الآرام هل من لفتة | لمتيم قد كان شوقا يتلف |
أسرفت بالهجران حين رأيتني | من عظم ما بي بالمدامع أسرف |
تثنت بقد مائس شبه ذابل | وصدت بجيد عاطل غير عاطل |
وأرسلت الوحف الأثيث مسلسلا | فرحت أسيرا في غزاة السلاسل |
حين بان الصبا وحان المشيب | لم تدم لي حبيبة وحبيب |
ملني عودي لطول سقامي | وسلتني مضاجعي والجنوب |
أحدقت حولي الأطباء لكن | ليس منهم لبرء دائي طبيب |
أشذرة لم ذهبت ولم تعودي | فبعدك جف بعد اللين عودي |
لمسنا الفرش ليس نراك فيها | وفتشناك في كل المهود |
فقدنا ملمسا يحكي حريرا | ولونا مثل ألوان الورود |
فمن ذا يدفع الفيران عنا | ويحرسنا من الجرذ الشديد |
ألا يا بريش اصطبري عليها | فكم للناس من ولد فقيد |
يا أخا الفضل والمكارم والسؤ | دد والمجد والعلى والشرافه |
والأديب الأريب والمصقع المد | ره رب الكمال رب الظرافه |
أي در أودعت في صدف الطر | س غدا الدر حاسدا أوصافه |
لو رأى هذه الرياض زهير | لتمنى من زهرهن اقتطافه |
لو درى عرفهن صاحب عرف | الطيب أبدى لطيبهن اعترفه |
لو رأى جمعها علي رأى الفضـ | ـل على جمعه لكم والأنافه |
قال جمعي صبابة في إناء | من سلاف وذا حباب السلافة |
أي مستمتع لذي الفضل فيها | وبشتى نكاتها واللطافه |
جئتها طاوي الحشا فأضافتـ | ـني وقالت هذا محل الإضافه |
فجعت بمطروق الجناب ممنع | مزجت شراسته برقة لين |
متواضع في حالتيه وإن تكن | تبدي المهابة منه ليث عرين |
فله المعارف والعلوم وراثة | وله رقيق الشعر ملك يمين |
أأضن كلا بالدموع لفقده | إني بسكب الدمع غير ضنين |
من نسل آل طريح القوم الأولى | تتلى مآثرهم ليوم الدين |
علماء عمالون بان علاهم | بالذات واستغنى عن التبيين |
كم معشر راموهم لكنهم | لبثوا بسجن الجهل بضع سنين |
طوبى لهم نهجوا الرشاد بهديهم | من كل بر صادق وأمين |
محيي جمال كمال عز جلال مجـ | ـد بهاء شمس ضياء فخر الدين |
ختموا بمحيي الدين بل بدئت لهـ | ـم فئة لكسب معارف ويقين |
والدهر أعلن بالنداء مؤرخا | المجد مات بموت محيي الدين |
قلت لصحبي حين زاد الظما | واشتد بي الشوق لورد اللمى |
متى نرى المغنى وتلك الدمى | قالوا غدا نأتي ديار الحمى |
هم سادة قد أنجزوا بذلهم | لمن أتاهم راجيا فضلهم |
ومن عصاهم لم ينل وصلهم | وكل من كان مطيعا لهم |
قد لامني صحبي على غفلتي | إذ نظرت غيرهم مقلتي |
ومذ أطال اللوم في زلتي | قلت فلي ذنب فما حيلتي |
يا قوم إني عبد إحسانهم | ولم أزل أدعى بسلمانهم |
فاليوم هل أحظى بغفرانهم | قالوا أليس العفو من شانهم |
فمذ تأملت بآدابهم | وأن حسن العفو من دابهم |
ملت إلى تقبيل أعتابهم | فجئتهم أسعى إلى بابهم |
هذا الكتاب الذي يغني عن السمر | ولم يدع أبدا للفضل من أثر |
قل للذي غاص في إخراج لؤلؤه | حتى جنى ما يشاء الفضل من درر |
لله عذراء قد سامت بكل سنا | تكاد تبهر ضوء الشمس والقمر |
ما كنت أحسب أن الشمس مشرقة | تصيدها فخخ الإدراك والنظر |
ولا ظننت بأن الدهر منتشقا | في ساحة الوهم والتخييل والفكر |
قد خامرتني بما أبدته من أدب | كأنها الخمر اشفتني على السكر |
أما الجواب فإني لست ذا ثقة | بالفكر بل هو لي ضرب من الخطر |
تبيت للفضل والأفضال منتصبا | ودم فإنك إنسان إلى بصري |
حتام اخترق المسالك | وإلام اقتحم المهالك |
وأجد في طلب الوصا | ل وما عثرت على خيالك |
أتظن حبك ينسلي | لا والهوى لا كان ذلك |
معذر بالحسن منعوت | في وصفه قلبي مبهوت |
مذ خط ريحان على خده | خط على خدي ياقوت |
لو كنت حين سلبت طيب رقادي | عوضت غير مدامع وسهاد |
أو كنت حين أردت لي هذا الضنا | أبقيت لي جسدا مع الأجساد |
أعلمت يا بين الأحبة أنهم | قبل التفرق أعنفوا بفؤادي |
أم علمت بأنني من بعدهم | جسد يشف ضنا عن العواد |
يا صاحبي وأنا المكتم لوعتي | فتظن زادك في الصبابة زادي |
قف ناشدا عني الطلول متى جدا | بظعائن الأحباب عنها الحادي |
أو لا فدعني والبكاء ولا تسل | ما للدموع تسيل سيل الوادي |
دعني أروي بالدموع عراصهم | لو كان يروي الدمع غلة صادي |
من ناشد لي في الركائب وقفة | تقضي مرادي من أهيل ودادي |
هي لفتة لذوي الظعون وإن نأوا | يحيا بنفحتها قتيل بعاد |
هيهات خاب السعي ممن يرتجي | في موقف التوديع مثل مرادي |
رحلوا فلا طيف الخيال مواصل | جفني ولا جفت الهموم وسادي |
أنى يزور الطيف أجفاني وقد | سدت سيول الدمع طرق رقادي |
بانوا فعاودني الغرام وعادني | طول السقام وملني عوادي |
ويلاه ما للدهر فوق سهمه | نحوي وهز علي كل حداد |
أترى درى أن كنت من أضداده | حتى استثار فكان من أضدادي |
صبرا على مضض الزمان فإنما | شيم الزمان قطيعة الأمجاد |
نصبت حبائله لآل محمد | فاغتالهم صرعى بكل بلاد |
وأباد كل سميذع منها ولا | مثل الحسين أخي الفخار البادي |
العالم العلم التقي الزاهد الـ | ـورع النقي الراكع السجاد |
خواض ملحمة وليث كريهة | وسحاب مكرمة وغيث أيادي |
لم أنس وهو يخوض أمواج الردى | ما بين بيض ظبى وسمر صعاد |
يلقى العدى عطلا ببيض صوارم | هي حيلة الأطواق للأجياد |
بيض صقال غير أن حدودها | أبدا إلى حمر الدماء صوادي |
وهز أسمر في اضطراب كعوبه | خفقان كل فؤاد أرعن عادي |
يفري الدروع به ويحلق تارة | حلق الطعان بشلو كل معادي |
فترى جسوم الدارعين حراسرا | والحاسرين لديه كالزراد |
حتى شفى غلل الصوارم والقنا | منهم وأرقدهم بغير رقاد |
فتخال شهب الخيل من فيض الدما | ما بين شقر في الوغى ووراد |
حتى دنا القدر المتاح وحان ما | خط القضاء لعاكف أو بادي |
غشيته من حزب ابن حرب عصبة | ملتفة الأجناد بالأجناد |
جيش يغص له الفضا بعديده | ويضيق محصيه عن التعداد |
بأبي أبي الضيم لا يعطي العدى | حذر المنية منه فضل قياد |
بأبي فريدا أسلمته يد الردى | في دار غربته لجمع أعادي |
حتى ثوى ثبت الجنان على الثرى | من فوق مفتول الذراع جواد |
لم أدر حتى خر عنه بأنها | تهوى الشواهق من متون جياد |
واعتاق في شرك المنية موثقا | وكذا المنون حبالة الآساد |
الله أكبر يا لها من نكبة | ذرت على الآفاق شبه رماد |
زرء يقل لوقعه حطم الكلا | والعط للأكباد لا الأبراد |
يا للرجال لسهم ذي حنق به | أودى وسيف قطيعة وعناد |
فلقد أصاب الدين قبل فؤاده | ورمى الهدى من قبل ذاك الهادي |
يا رأس مفترس الضياغم في الوغى | كيف انثنيت فريسة الأوغاد |
يا مخمدا لهب العدى كيف انتحت | نوب الخطوب إليك بالإخماد |
حاشاك يا غيظ الحواسد أن ترى | في النائبات شماتة الحساد |
ما خلت قبلك أن عادي الظبا | يأوي الثرى بدلا من الأغماد |
أو تحجب الأقمار تحت صفائح الـ | ـإلحاد شر عصائب الإلحاد |
ما إن بقيت من الهوان على الثرى | ملقى ثلاثا في ربى ووهاد |
لكن لكي تقضي عليك صلاتها | زمر الملائك فوق سبع شداد |
لهفي لرأسك وهو يرفع مشرقا | كالبدر فوق الذابل المياد |
يتلو الكتاب وما سمعت بواعظ | تخذ القنا بدلا عن الأعواد |
لهفي على الصدر المعظم يشتكي | من بعد رش النبل رض جياد |
يا ضيف بيت الجود أقفر ربعه | فاشدد رحالك واحتفظ بالزاد |
والهفتاه على خزانة علمك السـ | ـجاد وهو يقاد ونهسة الأقتاد |
بادي الضنا يشكو على عاري المطي | عض القيود ونهسة الأقتاد |
فمن المعزي للرسول بعصبة | نادى بشملهم الزمان بداد |
ومن المعزي للبتول بنجلها | شلوا على الرمضاء دون مهاد |
ومن المعزي للوصي بفادح | أوهى القلوب وفت في الأعضاد |
أن الحسين رمية تنتاشه | أيدي الضغون بأسهم الأحقاد |
وكرائم السادات سبي للعدى | تعدو عليها للزمان عوادي |
حسرى تقاذفها السهول إلى الربى | ما بين أغوار إلى أنجاد |
هذي تصيح أبي وتهتف ذي أخي | وتعج تلك بأكرم الأجداد |
أعلمت يا جداه سبطك قد غدا | للخيل مركضة بيوم طراد |
أعلمت يا جداه أن أمية | عدت مصابك اشرف الأعياد |
وتعج تندب ندبها بمدامع | منهلة الأجفان شبه غوادي |
أحشاشة الزهراء بل يا مهجة الـ | ـكرار يا روح النبي الهادي |
أأخي هل لك أوبة تعتادنا | فيها بفاضل برك المعتاد |
أترى يعود لنا الزمان بقربكم | هيهات ما للقرب من ميعاد |
أأخي كيف تركتني حلف الأسى | مشبوبة الأحشاء بالإيقاد |
رهن الحوادث لا تزال تصيبني | بسهامهن روائحا وغوادي |
تنتاب قاصمة الرزايا مهجتي | ويبيت زاد الهم ملء مزادي |
قلب يقلب بالأسى وجوانح | ما بين جمر غضى وشوك قتاد |
يا دهر كيف اقتاد صرفك للردى | من كان ممتنعا على المقتاد |
عجبا لأرضك لا تميد وقد هوى | عن منكبيها أعظم الأطواد |
عجبا بحارك لا تغور وقد مضى | من راحتاه لها من الأمداد |
عجبا لصبحك لا يحول وقد مضى | من في محياه استضاء النادي |
عجبا لشمس ضحاك لم لا كورت | وتبرقعت من حزنها بسواد |
عجبا لبدر دجاك لم لم يدرع | ثوب السواد إلى مدى الآباد |
عجبا جبالك لا تزول ألم تكن | قامت قيامة مصرع الأمجاد |
عجبا لذي الأفلاك لم لا عطلت | والشهب لم تبرز بثوب حداد |
عجبا يقوم بها الوجود وقد ثوى | في الترب منها علة الإيجاد |
عجبا لمال الله أصبح مكسبا (مقسما) | في رائح للظالمين وغادي |
عجبا لآل الله صاروا مغنما | لبني يزيد هدية وزياد |
عجبا لحلم الله جل جلاله | هتكوا حجابك وهو بالمرصاد |
عجبا لهذا الخلق لم لا أقبلوا | كل إليك بروحه لك فادي |
لكنهم ما وازنوك نفاسة | أنى يقاس الذر بالأطواد |
اليوم أمحلت البلاد وأقلعت | ديم القطار وجف زرع الوادي |
اليوم برقعت الهدى ظلم الردى | وخبا ضياء الكوكب الوقاد |
اليوم أعولت الملائك في السما | وتبدل التسبيح بالتعداد |
بحر تدفق ثم غاص عبابه | من بعده واخيبة الوراد |
روض ذوى بعد الغضارة والبها | من بعده واخيبة الرواد |
بدر هوى بعد التمام وطالما | بالأمس كان دليلنا والهادي |
سيف تعاوره الفلول وطالما | كان القضاء على الزمان العادي |
جبل تصدع وهو كان لنا حمى | من مصعبات في الأمور شداد |
مولاي يا ابن الطهر رزؤك جاعلي | دمعي شرابي والتحسر زادي |
يا مهجة المختار يا من حبه | أعددته زادي ليوم معادي |
مولاي خذ بيد الضعيف غدا إذا | وافى بأعباء الذنوب ينادي |
واشفع لأحمد في الورود بشربة | يطفى بسلسلها غليل فؤادي |
لا أختشي ضيما ومثلك ناصري | لا أتقي غيا وأنت رشادي |
صلى الإله على جنابك ما حدا | بجميل ذكرك في البرية حادي |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 499