التصنيفات

أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل ابن داود ابن حمدون الكاتب القديم النحوي
ولد سنة 237 وتوفي ببغداد سنة 309.
ذكره الشيخ في رجال الهادي والعسكري وقال شيخ أهل اللغة وفي الفهرست شيخ أهل اللغة ووجههم وأستاذ أبي العباس ثعلب قرأ عليه قبل الأعرابي وتخرج من يده وكان خصيصا بابي محمد الحسن بن علي عليهما السلام وأبي الحسن قبله وله معه مسائل وأخبار وله كتب منها كتاب أسماء الجبال والمياه والأودية كتاب بني مرة بن عوف كتاب بني النمر ابن قاسط كتاب بني عقيل كتاب بني عبد الله ابن غطفان كتاب طيء.
شعر العجير السلولي وصنعته كتاب شعر ثابت بن قطنة وصنعته ومثله قال النجاشي ولم يقل وتخرج من يده وقال كان خصيصا بسيدنا أبي محمد العسكري ولم يقل له معهما إلخ وزاد في كتبه كتاب بني كليب بن يربوع أشعار بني مرة بن همام نوادر الأعراب وذكره العلامة في القسم الأول من الخلاصة. وذكره السيوطي في بغية الوعاة مقتصرا على بعض ما ذكره ياقوت مما يأتي وفي مجالس المؤمنين أنه مع تشيعه كان من خواص المتوكل العباسي ونديما له ومن مصنفاته كتاب أسماء الجبال والأودية (أه) وقال ياقوت في معجم الأدباء ذكره أبو جعفر الطوسي في مصنفي الإمامية ثم نقل عبارة الفهرست السابقة ثم قال: قال الشابشتي كان خصيصا بالمتوكل ونديما له (ولذلك عرف بالنديم) وأنكر منه المتوكل أمرا فحلف عليه يمينا حنث فيه فطلق نساءه وأعتق مماليكه ولزمه حج ثلاثين حجة فكان يحج كل سنة فنفاه المتوكل إلى تكريت ثم جاءه زرافة (حاجب المتوكل) ليلا على البريد فظن أن المتوكل لما سكر بالليل أمر بقتله فقال له قد جئتك في شيء ما كنت أحب أن أخرج في مثله قال ما هو قال أمير المؤمنين أمر بقطع أذنك فرأى ذلك هينا في جنب ما توهمه من إذهاب مهجته فقطع خضروف أذنه من خارج ولم يستقصه وجعله في كافور وانصرف به وبقي مدة منفيا ثم حدر إلى بغداد فأقام بمنزله مدة قال فلقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي لما كف بصره فشكوت إليه غمي بقطع أذني فجعل يسليني ثم سألني عن المتقدم عند المتوكل من ندمائه قلت محمد ابن عمر البازيار قال ما مقدار علمه وأدبه قلت لا أدري ولكن أخبرك بما سمعت منه قريبا حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة فدخل مروان ابن أبي الجنوب ابن أبي حفصة فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

فسر المتوكل بذلك سرورا عظيما وأمر فنثر عليه بدرة دنانير وأن تلقط وتوضع في حجره وعقد له على اليمامة والبحرين فقال يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم ولا أرى أبقاك الله ما دامت السماوات والأرض فقال البازيار هذا بعد طول إن شاء الله قال فما تقول في أدبه قال أكثر من أن يقول للخليفة أبقاك الله إلى يوم القيامة وبعد القيامة بشيء كثير قال إسحاق ويلك جزعت على أذنك حتى لا تسمع مثل هذا الكلام لو أن لك مكوك آذان أيش كان ينفعك مع هؤلاء ثم أعاده المتوكل إلى خدمته. ووهب له المتوكل جارية اسمها صاحب فلما مات تزوجت بعض العلويين فرآه علي بن يحيى المنجم في النوم وهو يقول:
#واستبدلت صاحب بعدي صاحبا ومن شعر له يكاتب علي بن يحيى:
وقال أبو عبد الله بن حمدون حسبت ما وصلني به المتوكل مدة خلافته وهي 14 سنة وشهور فوجدته ثلثمائة ألف دينار وستين دينارا ونظرت فيما وصلني به المستعين مدة خلافته وهي ثلاث سنين ونيف فكان أكثر من ذلك ثم خلع المستعين وحدر إلى واسط ومنع من كل شيء إلى القوت حتى قتل بالقاطول.
وذكر ياقوت جماعة من بني حمدون عرفوا بمنادمة الخلفاء منهم أبوه إبراهيم قال وأظن أنه الملقب بحمدون نادم المعتصم ثم الواثق ثم حكى عن ابن حمدون النديم أن الواثق بسط جلاسه وأمرهم أن لا ينقبضوا في مجلسه وأن يجروا النادرة غير محتشمين ولو كانت عليه وكان على إحدى عيني الواثق نكتة بياض فأنشد الواثق يوما أبيات أبي حية النميري:
فقال ابن حمدون وإلى غير الدار يا أمير المؤمنين فتبسم ثم قال لوزيره قد قابلني هذا بما لا أطيق أن أنظر إليه فانظر كم مبلغ ما يصله منا فاقطعه به إقطاعا بالأهواز وأخرجه إليها فخرجت إليها وزاد بي الدم فقلت التمسوا حجاما نظيفا حاذقا وتقدموا إليه بقلة الكلام فأتوني بشيخ على غاية النظافة فلما أخذ في إصلاح وجهي قلت أترك في هذا الموضع واحذف في هذا وافعل كذا وكذا وأطلت الكلام وهو ساكت فلما أراد الحجامة قلت أشرط في الجانب الأيمن اثنتي عشرة شرطة وفي الأيسر أربع عشرة فإن الدم في الجانب الأيمن اقل منه في الأيسر لأن الكبد في الأيمن والحرارة في الأيسر أوفر والدم أغزر فإذا زدت في شرط الأيسر اعتدل خروج الدم من الجانبين ففعل وأمرت أن يدفع له دينارا فرده فقلت استقله أعطه دينارا آخر فرده أيضا فقلت قبحك الله أنت حجام سواد وأكثرهم يدفع لك نصف درهم وأنت تستقل دينارين فقال وحقك ما رددتها استقلالا ونحن أهل صناعة واحدة وأنت أحذق وما كان الله ليراني وأنا آخذ من أهل صنعتي أجرة فأخجلني ولم يأخذ شيئا فلما كان في العام القابل احتجت إلى إخراج الدم فأتي به فأصلح وجهي الإصلاح الذي كنت أوقفته عليه وحجمني أحسن حجامة فلما فرغ قلت أنت صانع سواد فمن أين لك هذا الحذق فقال اجتاز بنا حجام الخليفة في العام الماضي فتعلمت منه وما كنت أحسن من هذا شيئا فضحكت منه وأمرت بثلاثين دينارا (أه) ووجدنا ترجمته في مخطوط منقول من تلخيص أخبار الشيعة للمرزباني فيه ترجمة سبعة وعشرين شاعرا كتب على أوله ما صورته: هذه نبذة اخترتها من كتاب تلخيص أخبار شعراء الشيعة للمرزباني وفي آخرها ما صورته هذا آخر ما اخترته من كتاب تلخيص أخبار شعراء الشيعة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله ولم يذكر تاريخ كتابته وجملة من هذه التراجم مطولة مشتملة على أخبار نادرة قلما توجد في غيرها وبعضها مختصرة.
والمرزباني هو محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبد الله المرزباني أبو عبد الله الراوية الأخباري الكاتب المشهور المترجم في محله من هذا الكتاب وكنا نظن أن هذه القطعة مختارة من كتابه معجم الشعراء فلما طبع الجزء الثاني منه علمنا أنها ليست مأخوذة من معجم الشعراء لأن بعض من فيها لم يذكر في معجم الشعراء ومن ذكر منهم ذكر بترجمة تخالف ما في القطعة وقد راجعنا أسماء مؤلفاته في معجم الأدباء فلم نجد فيها تلخيص كتاب أخبار شعراء الشيعة فكأن هذه القطعة انتخبت من بعض كتبه في أخبار الشعراء أو من كتاب منتخب منها فإن له- غير معجم الشعراء- أخيار الشعراء المشهورين والمكثرين أولهم بشار وآخرهم ابن المعتز ولكن هذه القطعة ليست منتخبة منه لأن فيها من غير المشهورين والمكترثين- أخبار المتيمين من الشعراء وليست منتخبة منه- المفيد في أخبار الشعراء الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين على طبقاتهم- والظاهر أنها منتخبة من أحد هذين الكتابين وهذه جريدة أسماء المترجمين في تلك النبذة على ترتيبهم فيها:
أبو طفيل الكناني عامر بن واثلة.
أبو الأسود الدؤلي.
عبد الله بن العباس.
هاشم بن عتبة المرقال.
خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين.
قيس بن سعدة بن عبادة.
ثابت بن العجلان الأنصاري.
عدي بن حاتم الطائي.
حجر بن عدي بن الأدبر الكندي.
مالك بن الحارث الأشتر.
الأحنف بن قيس التميمي.
شريك بن الأعور الحارثي.
قيس بن فهدان الكندي.
الفرزدق بن همام المجاشعي.
كثير عزة.
الكميت بن زيد الأسد.
شريك بن عبد الله القاضي.
السيد إسماعيل بن محمد الحميري.
منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم الكبش الرخم.
محمد بن علي النعمان مؤمن الطاق.
دعبل بن علي الخزاعي.
القاسم بن يوسف الكاتب.
أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الكاتب.
أبو نواس الحسن بن هانئ.
أحمد بن خلاد الشروي.
جعفر بن عفان.
مروان بن محمد السروجي الأموي (أه).
قال المرزباني في تلك القطعة في حق المترجم: أحمد ابن إبراهيم بن إسماعيل الكاتب ومن شعره:

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 467

أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون أبو عبد الله النديم الكاتب
ولد سنة 237 وتوفي سنة 309 ذكره في معجم الأدباء عن جحظه مر ذكره وفاتنا هناك ذكر ولادته ووفاته.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 508

ابن حمدون النديم أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون النديم أبو عبد الله، قال ياقوت: ذكره أبو جعفر الطوسي في مصنفي الإمامية وقال: هو شيخ أهل اللغة ووجههم وأستاذ أبي العباس ثعلب قرأ عليه قبل ابن الأعرابي وتخرج به مديدة وكان خصيصا بأبي محمد الحسن بن علي وأبي الحسن قبله وله معه رسائل وأخبار، قال الشابشطي: كان خصيصا بالمتوكل ونديما له وأنكر منه المتوكل ما أوجب نفيه من بغداذ ثم قطع أذنه وكان السبب في ذلك أن الفتح بن خاقان كان يعشق شاهك خادم المتوكل وكان أبو عبد الله يسعى فيما يحبه الفتح ونمى الخبر إلى المتوكل فقال له: إنما أردتك لتنادمني ليس لتقود على غلماني، فحلف يمينا حنث فيها فطلق زوجاته وأعتق ممالكيه وإماءه ولزمه حج ثلاثين سنة فكان يحج في كل عام. فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت فأقام بها أياما وجاءه زرافة في الليل على البريد فقطع غضروف أذنه من خارج، وأقام مديدة ثم انحدر إلى بغداذ وأقام بمنزله مديدة، ثم أعاده المتوكل إلى خدمته ووهبه جارية له يقال لها صاحب وكانت حسنة كاملة إلا أن ثنيتها كانت سوداء لعارض شانها فكرهها لذلك وحمل معها إليه كل ما كان لها وكان كثيرا فلما مات تزوجت بعض العلويين. قال علي بن يحيى بن المنجم: فرأيته في النوم وهو يقول:
#أبا علي ما ترى العجائبا؟ #أصبح جسمي في التراب غائبا #واستبدلت صاحب بعدي صاحبا ومن شعر أبي عبد الله النديم يعاتب علي بن يحيى:

وتحدث جحظة في أماليه قال: قال لي أبو عبد الله بن حمدون: حسبت ما وصلني به المتوكل في مدة خلافته وهي أربع عشرة سنة وشهور فوجدته ثلاث مائة وستين ألف دينار ونظرت فيما وصلني به المستعين مدة خلافته وهي ثلاث سنين ونيف وكان أكثر مما وصلني به المتوكل. ولما مات ابن حمدون قال جحظة يرثيه:
ولابن حمدون مصنفات منها أسماء الجبال والمياه والأودية. كتاب بني مرة بن عوف. كتاب بني النمر بن قاسط. بني عقيل. بني عبد الله بن غطفان. كتاب طي. كتاب شعر العجير السلولي. شعر ثابت قطنة. وتوفي سنة أربع وستين ومائتين.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 6- ص: 0

أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون النديم أبو عبد الله:
ذكره أبو جعفر الطوسي في «مصنفي الإمامية» وقال: هو شيخ أهل اللغة ووجههم، وأستاذ أبي العباس ثعلب، قرأ عليه قبل ابن الأعرابي وتخرج به مديدة، وكان خصيصا بأبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام وأبي الحسن قبله، وله معه مسائل وأخبار.
وله كتب منها: كتاب أسماء الجبال والمياه والأودية. كتاب بني مرة بن عوف.
كتاب بني نمر بن قاسط. كتاب بني عقيل. كتاب بني عبد الله بن غطفان. كتاب طيء. كتاب شعر العجير السلولي وصنعته. كتاب شعر ثابت قطنة.
قال الشابشتي وكان خصيصا بالمتوكل ونديما له، وأنكر منه المتوكل ما أوجب نفيه عن بغداد ثم قطع أذنه، وكان السبب في ذلك أن الفتح بن خاقان كان يعشق شاهك خادم المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه، وله فيه أشعار ذكرت بعضها في ترجمة الفتح، وكان أبو عبد الله يسعى فيما يحبه الفتح، ونمي الخبر إلى المتوكل فاستدعى أبا عبد الله وقال له: إنما أردتك وأدنيتك لتنادمني ليس لتقود على غلماني، فأنكر ذلك وحلف يمينا حنث فيها، فطلق من كانت حرة من نسائه، وأعتق من كان مملوكا ولزمه حج ثلاثين سنة فكان يحج في كل عام. قال: فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت فأقام فيها أياما، ثم جاءه زرافة في الليل على البريد فبلغه ذلك، فظن أن المتوكل لما شرب بالليل وسكر أمر بقتله، فاستسلم لأمر الله، فلما دخل إليه قال له: قد جئتك في شيء ما كنت أحب أن أخرج في مثله، قال: وما هو؟ قال: أمير المؤمنين أمر بقطع أذنك، وقال قل له: لست أعاملك إلا كما يعامل الفتيان، فرأى ذلك هينا في جنب ما كان توهمه من إذهاب مهجته فقطع غضروف أذنه من خارج
ولم يستقصه، وجعله في كافور كان معه وانصرف به، وبقي منفيا مدة، ثم أحدر إلى بغداد فأقام بمنزله مدة. قال أبو عبد الله: فلقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي ثم لما كف بصره، فسألني عن أخبار الناس والسلطان فأخبرته، ثم شكوت إليه غمي بقطع أذني، فجعل يسليني ويعزيني، ثم قال لي: من المتقدم اليوم عند أمير المؤمنين الخاص من ندمائه؟ قلت: محمد بن عمر البازيار، قال: من هذا الرجل وما مقدار علمه وأدبه؟ فقلت: أما أدبه فلا أدري، ولكني أخبرك بما سمعت منه منذ قريب: حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة، فدخل مروان بن أبي الجنوب بن أبي حفصة فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

فسر المتوكل بذلك سرورا كثيرا شديدا، وأمر فنثر عليه بدرة دنانير وأن تلقط وتطرح في حجره، وأمره بالجلوس وعقد له على اليمامة والبحرين، فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت كاليوم ولا أرى، أبقاك الله ما دامت السماوات والأرض، فقال محمد بن عمر: هذا بعد عمر طويل إن شاء الله. قال له: فما بلغك من أدبه؟ فقال: أكثر ما يقول للخليفة أبقاك الله يا أمير المؤمنين إلى يوم القيامة وبعد القيامة بشيء كثير. فقال إسحاق: ويلك جزعت على أذنك وغمك قطعها، لم؟ حتى تسمع مثل هذا الكلام؟ ثم قال: لو أن لك مكوك آذان أيش كان ينفعك مع هؤلاء؟! قال: ثم أعاده المتوكل إلى خدمته، وكان إذا دعا به قال له: يا عبيد على جهة المزاح. وقال له يوما: هل لك في جارية أهبها لك فأكبر ذلك وأنكره، فوهب له جارية يقال لها «صاحب» من جواريه حسنة كاملة إلا أن بعض الخدم رد الطشت على فمها وقد أرادت أن ترميه فصدع ثنيتها فاسودت فشانها ذلك عنده، وحمل كل ما كان لها وكان شيئا كثيرا عظيما، فلما مات أبو عبد الله تزوجت «صاحب» بعض العلويين، قال علي بن يحيى بن المنجم فرأيته في النوم وهو يقول:
واستبدلت صاحب بعدي صاحبا
ومن شعر أبي عبد الله يعاتب فيه علي بن يحيى:
قال: واتصل بنجاح بن سلمة أن أبا عبد الله ابن حمدون يذكره بحضرة المتوكل ويتنادر به، فلقيه نجاح يوما فقال له: يا أبا عبد الله قد بلغني ذكرك لي بغير الجميل في حضرة أمير المؤمنين، أتحب أن أنهي إليه قولك إذا خلوت: «أتراني أحبه وقد فعل بي ما فعل؟! والله ما وضعت يدي على أذني الا تجددت له عندي بغضة»، فقال ابن حمدون: الطلاق له لازم إن كان قال هذا قط، وامرأته طالق إن ذكره بغير ما يحبه أبدا.
وكان أبوه إبراهيم- وأظن أنه الملقب بحمدون- ينادم المعتصم ثم الواثق بعده، وكان يعابث المتوكل في أيام أخيه الواثق، وجاءه مرة بحية وأخرج رأسها من كمه تعريضا بأمه شجاع، وكان ذلك يعجب الواثق. ولما مات الواثق نادم حمدون المتوكل، فلما كان في بعض الأيام أمر المتوكل باحضار «فريدة» جارية أخيه الواثق، فأحضرت مكرهة ودفع إليها عود فغنت غناء كالندبة، فغضب المتوكل وأمرها أن تغني غناء، فغنت بتحزن وشجى، فزاد ذلك في طيب غنائها، فوجم حمدون للرقة التي تداخلته، فغضب المتوكل ورأى أنه فعل ذلك بسبب أخيه الواثق حزنا عليه، وكان يبغض كل من مال إليه، فأمر بنفيه إلى السند وضربه ثلاثمائة سوط، فسأل أن يكون الضرب من فوق الثياب لضعفه عن ذلك، فأجيب إلى ذلك، وأقام منفيا ثلاث سنين، وتزوج المتوكل «فريدة» بعد ذلك فولدت له ابنه أبا الحسن.
وحدث حمدون بن إسماعيل قال: دعاني المعتصم يوما فدخلت إليه وهو في بعض مجالسه، وإلى جنبه باب صغير، فحادثته مليا إلى أن رأيت الباب قد حرك وخرجت منه جارية بيضاء مقدودة حسنة الوجه، وبيدها رطل وعلى عنقها منديل، فأخذ الرطل من يدها فشربه، ثم قال: اخرج يا حمدون، فخرجت فكنت في دهليز الحجرة، فلم ألبث أن دعاني، فدخلت وهو جالس على حاله، فحادثته مليا ثم حرك ذلك الباب فخرجت جارية كأحسن ما يكون من النساء سمراء رقيقة اللون بيدها رطل، فأخذه وشربه، وقال: ارجع إلى مكانك، فخرجت فلبثت ساعة هناك، ثم دعاني فأتيته وحادثته ساعة، وحرك الباب فخرجت أحسن الثلاث بيدها رطل ومعها منديل، فأخذ الرطل فشربه، وقال: ارجع إلى مكانك، فخرجت فلبثت ساعة، ثم دعاني فدخلت فقال لي: أتعرف هؤلاء؟ قلت: معاذ الله أن أعرف أحدا ممن هو داخل دار أمير المؤمنين، فقال: إحداهن ابنة بابك الخرمي، والأخرى ابنة المازيار، والثالثة ابنة بطريق عمورية، افترعتهن الساعة، وهذا نهاية الملك يا حمدون.
وأما أبو محمد ابن حمدون فذكر جحظة أن مولده في سنة سبع وثلاثين ومائتين، وتوفي ببغداد في رمضان سنة تسع وثلاثمائة، ونادم المعتمد وخص به وكان من ثقاته المتقدمين عنده، وله معه أخبار. وأما أبو العنبس بن أبي عبد الله بن حمدون أحد المشهورين بجودة الغناء والصنعة فيه، وابنه إبراهيم بن أبي العنبس أيضا من المجيدين في الغناء وشجاء الصوت، فهؤلاء المعروفون بمنادمة الخلفاء من بني حمدون.
وحدث أحمد بن أبي طاهر أن ابن حمدون النديم حدثه أن الواثق بالله بسط جلاسه وأمرهم أن لا ينقبضوا في مجلسه وأن يجروا النادرة على ما اتفقت عليه غير محتشمين، وان اتفق وقوعها عليه احتمل، قال: فغبرنا على ذلك مدة، وكان على إحدى عيني الواثق نكتة بياض، فلما كان في بعض الأيام أنشد الواثق أبيات أبي حية النميري:
فقلت: وإلى غير الدار يا أمير المؤمنين، فتبسم ثم قال لوزيره: قد قابلني هذا الرجل بما لا أطيق أن أنظر إليه بعدها فانظر كم مبلغ جاريه وجرايته وأرزاقه وصلاته فاجمعها، وأقطعه بها إقطاعا بالأهواز، وأخرجه إليها ليبعد عن ناظري، ففعل.
قال: وأخرجت إليها وتبيغ بي الدم، فالتمست حجاما كان في خدمتي، فقيل لم يخرج في الصحبة لعلة لحقته، فقلت: التمسوا حجاما نظيفا حاذقا وتقدموا إليه بقلة الكلام وترك الانبساط، فأتوني بشيخ حسن على غاية النظافة وطيب الريح، فجلس بين يدي وأخذ الغلام المرآة، فلما أخذ في إصلاح وجهي قلت له: اترك في هذا الموضع واحذف في هذا الموضع وعدل هذه الشعرات وسرح هذا المكان، وأطلت الكلام وهو ساكت، فلما قعد للحجامة قلت له: اشرط في الجانب الأيمن اثنتي عشرة شرطة، وفي الجانب الأيسر أربع عشرة شرطة، فإن الدم في الجانب الأيسر أقل منه في الأيمن، لأن الكبد في الأيمن والحرارة هناك أوفر والدم أغزر، فإذا زدت في شرط الأيمن اعتدل خروج الدم من الجانبين، ففعل وهو مع ذلك ساكت، فعجبت من صمته وقلت للغلام: ادفع إليه دينارا، فدفعه إليه فرده، فقلت: استقله ولعمري إن العيون إلى مثلي ممتدة والطمع مستحكم في نديم الخليفة وصاحب إقطاعه، أعطه دينارا آخر، ففعل فردهما وأبى أن يأخذهما، فاغتظت وقلت: قبحك الله أنت حجام سواد، وأكثر من يجلس بين يديك يدفع لك نصف درهم، وأنت تستقل ما دفعت اليك؟! فقال: وحقك ما رددتها استقلالا، ولكن نحن أهل صناعة واحدة، وأنت أحذق مني وما كان الله ليراني وأنا آخذ من أهل صناعتي أجرة أبدا، فأخجلني وانصرف ولم يأخذ شيئا. فلما كان في العام القابل خرجت لمثل ما خرجت إليه في العام الماضي واحتجت إلى نقص الدم، فقلت لغلامي: اذهب فجئنا بذلك الحجام فقد عرف الخدمة، وقد انصرف تلك الدفعة ولم يأخذ شيئا، ولعله أيضا قد نسيها فيقع برنا منه على حاجة منه إليه، قال: فلما جلس بين يدي أصلح وجهي الإصلاح الذي كنت أوقفته عليه وحجمني أحسن حجامة فلما فرغ قلت: سبحان الله أنت صانع سواد، فمن أين لك هذا الحذق بهذه الصنعة؟ فقال: وحقك ما كنت أحسن من هذا شيئا، ولكن حجام الخليفة اجتاز بنا بهذا الموضع في العام الماضي فتعلمت منه هذا، فضحكت منه وأمرت له بثلاثين دينارا مع ما تم له من معاريض كلامه في الدفعتين جميعا.
وأنشد جحظة في أماليه لنفسه يرثي حمدون النديم، كذا قال ولم يعينه:
وقال جحظة في أبي جعفر ابن حمدون، ولا أعرفه إلا أنه كذا أورده في أماليه:
وتحدث جحظة في أماليه قال، قال لي أبو عبد الله ابن حمدون: حسبت ما وصلني به المتوكل في مدة خلافته وهي أربع عشر سنة وشهور فوجدته ثلاثمائة وستين ألف دينار، ونظرت فيما وصلني به المستعين في مدة خلافته وهي ثلاث سنين ونيف فكان أكثر مما وصلني به المتوكل، ثم خلع المستعين وحدر إلى واسط ومنع من كل شيء الا القوت، فاشتهى نبيذا فخرجت دايته إلى أهل واسط فتشكت ذلك اليهم فقال لها رجل من التجار: له عندي كل يوم خمسة أرطال نبيذ دوشاب، فكانت تمضي إليه في كل يوم فتجيئه به سرا إلى أن حمل من واسط فقتل بالقاطول.

  • دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 1- ص: 164

أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون النّديم، أبو عبد الله.
مصنّف الإمامية، وكان شيخ أهل اللّغة، وأستاذ أبي العباس ثعلب.
وله كتب، منها: كتاب أسماء الجبال والمياه والأودية، وكتاب بني مرّة بن عوف، وكتاب بني النّمر بن قاسط، وكتاب بني عقيل، وكتاب بني عبد الله بن غطفان، وكتاب طيّئ، وكتاب شعر العجير السّلولي، وكتاب شعر ثابت، وكان خصيصا بالمتوكّل.

  • دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 2009) , ج: 1- ص: 250