الأمير أبو المطاع اسمه ذو القرنين (وترجمناه هناك أيضا) ابن ناصر الدولة أبي محمد الحمداني
يحتمل أن يكون اسمه ذو القرنين ويحتمل أن يكون ذلك لقبه ولم يذكره أحد إلا بهذا العنوان أبو المطاع ذو القرنين وحيث لم يتحقق أن ذلك اسمه أو لقبه ذكرناه هنا.
كان شاعرا مجيدا ذكره الثعالبي في اليتيمة في شعراء آل حمدان ثم أعاد ذكره في تتمة اليتيمة قال في اليتيمة أنشدني أبو الحسن محمد بن أبي موسى الكرخي قال أنشدني القاضي أبو القاسم علي بن الحسن ابن القاضي أبي القاسم التنوخي قال أنشدني أبو المطاع ذي القرنين ابن ناصر الدولة أبي محمد لنفسه تغمدهم الله تعالى برحمته وأسكنهم بحبوحة جنته:
أني لأحسد لا في أسطر الصحف | إذا رأيت اعتناق اللام للألف |
وما أظنهما طال اجتماعهما | إلا لما لقيا من شدة الشغف |
أفدي الذي زرته بالسيف مشتملا | ولحظ عينيه أمضى من مضاربه |
فما خلعت نجادي في العناق له | حتى لبست نجادا من ذوائبه |
فكان أنعمنا عينا بصاحبه | من كان في الاحب أشقانا بصاحبه |
قالت لطيف خيال زارها ومضى | بالله صفه ولا تنقص ولا تزد |
فقال خلفته لو مات من ظمأ | وقلت قف عن ورود الماء لم يرد |
قالت صدقت الوفا في الحب عادته | يا برد ذاك قالت على كبدي |
أرى الثياب من الكتان يلمحها | ضوء من البدر أحيانا فيبليها |
وكيف تنكر أن تبلى معاجرها | والبدر في كل حين طالع فيها |
أيا من صبرت على فقده | وإن كان لي مؤلما موجعا |
لقد نال كل الذي يشتهي | حسود علينا ببين دعا |
لما التقينا معا والليل يسترنا | من جنحه ظلم في طيها نعم |
بتنا اعف مبيت باته بشر | ولا مراقب إلا الظرف والكرم |
فلا مشى من وشى عند العدو بنا | ولا سعى بالذي يسعى بنا قدم |
تقول لما رأتني | نضوا كمثل الخلال |
هذا اللقاء منام | وأنت طيف الخيال |
فقلت كلا ولكن | أساء بينك حالي |
فليس يعرف مني | حقيقتي من خيالي |
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا | وشهدت حين نكرر التوديعا |
أيقنت أن من الدموع محدثا | وعلمت أن من الحديث دموعا |
غير مستنكر وغير بديع | أن أبين الذي تجن ضلوعي |
لي دموع كأنها من حديث | وحديث كأنه من دموع |
ومفارق نفسي الفداء لنفسه | ودعت صبري عنه في توديعه |
ورأيت منه مثل لؤلؤ عقده | من ثغره وحديثه دموعه |
رأيت عند الفراق لما | حم لحيني وشؤم جدي |
أربعة ما لها شبيه | فيمن به صوتي ووجدي |
من در لفظ ودر ثغر | ودر دمع ودر عقد |
اليوم يوم السرور والطرب | فاقض به ما تحب من أرب |
أما ترى الجو في سحائبه | وبرقه المستطير في السحب |
يختال في حلة ممسكة | قد طرزتها البروق بالذهب |
ولما اجتمعنا للتفرق سلمت | سلام فراق لا سلام تلاقي |
فحليت من نظم الصبابة جيدها | فريد دموع في عقود عناق |
فيا ليت روحينا جرت في دموعنا | تسيل بأجفان لنا ومآقي |
فقد يستلذ الصب فرقة نفسه | إذا جد بالأحباب وشك فراق |
أيها الشادن الذي صاغه اللـ | ـه بديعا من كل حسن وطيب |
ظل بين اللحاظ لحظك يحكي | سقم قلبي عليك بين القلوب |
ما أنس لا أنس يوم الدير مجلسنا | ونحن في نعم توفي على النعم |
وافيته غلسا في فتية زهر | ما شئت من أدب فيهم ومن كرم |
والفجر يتلو الدجى في أثر زهرته | كطاعن بسنان أثر منهزم |
فلم نزل بمطي الراح نعملها | محدوة بيننا بالرمز والنغم |
حتى انثنينا ونور الشمس يطرده | جنح من الليل في جيش من الظلم |
وليس فينا لفعل الخندريس بنا | من نستقل به ساق على قدم |
جناحي إن رمت النهوض مهيض | وحبة قلبي للهموم مغيض |
وقد هاج لي حزنا تألق بارق | له بأعالي الرقمتين وميض |
كما سارقت باللحظ مقلة أرمد | يقلبها جفن عليه غضيض |
فلو أن ما بي بالحديد أذابه | أو الصخر عاد الصخر وهو رضيض |
ولي همة لو ساعدتها سعادة | لكانت سماء والسماء حضيض |
وتحكم في ما لي حقوق مروة | نوافلها عند الكرام فروض |
سقى الله أرض الغوطتين وأهلها | فلي بجنوب الفوطتين شجون |
وما ذقت طعم الماء إلا استخفني | إلى بردى والنيربين حنين |
وقد كان شكي في الفراق يروعني | فكيف أكون اليوم وهو يقين |
فو الله ما فارقتكم قاليا لكم | ولكن ما يقضى فسوف يكون |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 431