أبو المستهل الأسدي
أبو المستهل الأسدي
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 431
هو الكميت بن زيد الأسدي ينتهي نسبه إلى مضر بن نزار بن عدنان من أشعر شعراء الكوفة المقدمين في عصره. عالم بلغات العرب خبير بأيامها. ومن شعراء القرن الأول من الهجرة. كان في أيام الدولة الأموية وولد أيام مقتل الحسين سنة ستين ومات في سنة ست وعشرين ومائة في خلافة مروان بن محمد ولم يدرك الدولة العباسية. وكان معروفا بالتشيع لبني هاشم مشهورا بذلك. قال أبو عبيدة: لو لم يكن لبني أسد منقبة غير الكميت لكفاهم. وقال أبو عكرمة الضبي: لولا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان ولا للبيان لسان. قيل وكانت بنو أسد تقول فينا فضيلة: ليست في العالم. ليس منزل منا إلا وفيه بركة وراثة الكميت: لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: أنشدني: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب. فأنشده فقال له: بوركت وبورك قومك. وسئل أبو معاذ الهراء: من أشعر الناس؟ قال أمن الجاهليين أم من الإسلاميين قالوا بل من الجاهليين قال امرؤ القيس وزهير وعبيد بن الأبرص. فقالوا: فمن الإسلاميين؟ قال: الفرزدق وجرير والأخطل والراعي. فقيل له: ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت قال: ذاك أشعر الأولين والآخرين ويقال ما جمع أحد من علم العرب ومناقبها ومعرفة أنسابها ما جمع الكميت فمن صحح الكميت نسبه صح ومن طعن فيه وهن.
أخلاقه وصفاته
كان في صغره ذكيا لوذعيا يقال: إنه وقف وهو صبي على الفرزدق وهو ينشد: فلما فرغ قال له: أيسرك أني أبوك؟ قال: أما أبي فلا أريد به بدلا وبكن يسرني أن تكون أمي. فحصر الفرزدق وقال ما مر بي مثلها. ويقال ما جمع أحد من علم العرب ومناقبها ومعرفة أنسابها ما جمع الكميت. وقيل كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر: كان خطيب بني أسد. وفقيه الشيعة. وحافظ القرآن. وكان كاتبا حسن الخط. وكان نسابة. وكان جدليا وهو أول من ناظر في التشيع مجاهرا بذلك. وكان راميا لم يكن في بني أسد أرمى منه. وكان شجاعا وكان سخيا دينا. قال الجاحظ: ما فتح للشيعة الحجاج إلا الكميت بقوله:
فإن هي لم تصلح لحي سواهم | فإن ذوي القربى أحق وأوجب |
يقولون لم يورث ولولا تراثه | لقد شركت فيها بكيل وأرحب |
ولما هجا الكميت خالد بن عبد الله القسري عامل هشام على العراقين أراد خالد أن ينتقم منه فروى جارية حسناء قصائده الهاشميات. وأعدها ليهديها إلى هشام. وكتب إليه بأخبار الكميت وبهجائه بني أمية وأنفذ إليه قصيدته التي يقول فيها:
فيا رب إلا بك النصر يبتغى | ويا رب هل إلا عليك المعول |
علي ثياب الغانيات وتحتها | عزيمة أمر أشبهت سلة النصل |
ثم بعد أن أقام مدة متواريا وأيقن أن الطلب قد خف. سار في جماعة من بني أسد إلى الشام وقدم اعتذاره إلى هشام وطلب منه الأمان من القتل ولم يزل به حتى أجاره. وروي أن الكميت أرسل وردا ابن أخيه زيد إلى أبي جعفر. محمد بن علي وقال له: إن الكميت أرسلني إليك وقد صنع بنفسه ما صنع فتأذن له أن يمدح بني أمية قال نعم هو في حل فليقل ما شاء. وقيل: لما دخل الكميت على هشام سلم ثم قال: يا أمير المؤمنين غائب آب. ومذنب تاب. محا بالإنابة ذنبه. وبالصدق كذبه. والتوبة تذهب الحوبة. ومثلك حلم عن ذي الجريمة. وصفح عن ذي الريبة. فقال له: ما الذي نجاك من خالد القسري؟ قال صدق النية في التوبة. قال: ومن سن لك الغي وأورطك فيه؟ قال: الذي أغوى آدم فنسي ولم يجد له عزما فإن رأيت يا أمير المؤمنين تأذن لي بمحو الباطل بالحق. بالاستماع لما قلته فأنشده:
ذكر القلب إلفه المهجورا | وتلافى من الشباب أخيرا |
أورثته الحصان أم هشام | حسبا ثاقبا ووجها نضيرا |
وكساه أبو الخلائق مروا | ن سني المكارم المأثورا |
لم تجهم له البطاح ولكن | وجدتها له معانا ودورا |
محبته لآل البيت وإخلاصه لهم
قيل أن الكميت دخل على أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام في أيام التشريق بمنى فقال له جعلت فداك إني قلت فيكم شعرا أحب أن أنشدكه. فقال: يا كميت اذكر الله في هذه الأيام المعدودات فأعاد عليه القول فرق له أبو عبد الله فقال هات: وبعث أبو عبد الله إلى أهله فقرب فأنشده فكثر البكاء حتى أتى على قومه:
يصيب به الرامون عن قوس غيرهم | فيا آخرا أسدى له الغي أول |
وفاته
وتوفي في خلافة مروان بن محمد سنة ست وعشرين ومائة وكان السبب في موته أنه مدح يوسف بن عمر بعد عزل خالد القسري عن العراق. فلما دخل عليه أنشده مديحه معرضا بخالد وكان الجند على رأس يوسف متعصبين لخالد فوضعوا سيوفهم في بطنه. وقالوا: أتنشد الأمير ولم تستأمره فلم يزل ينزف الدم منه حتى مات. وكان مبلغ شعره حين مات خمسة آلاف ومائتين وتسعة وثمانين بيتا. وروي عن المستهل بن الكميت أنه. قال: حضرت أبي عند الموت وهو يجود بنفسه ثم أفاق ففتح عينيه ثم قال: اللهم آل محمد. اللهم آل محمد. اللهم آل محمد. ثلاثا رحمه الله تعالى. وقال روكس بن زائد العزيزي:
لقد امتاز هذا الشاعر بمزايا لم تجتمع لسواه فقد كان خير مصور لاتجاهات عصره في شعره، وانقطع لمدح آل البيت مدحا كاد يكلفه حياته وكان حافظا للقرآن الكريم من فقهاء الشيعة المعدودين، ولعله أول من أجاد الجدل الفقهي، وناظر في التشيع جهرة، وهو أمر يحتاج إلى شجاعة أدبية غريبة. وقد كان الكميت كاتبا حسن الخط وكان في أول أمره معلما، فلا عجب إذا عرضته مهنته لشيء من الاحتقار، تأثرا بالعقلية التي كانت تحقر مهنة التعليم وترى في المعلمين فئة مستضعفة. والكميت بعد هذا من أعاظم الشعراء الذين عرفهم العصر الأموي، ومن أصدقهم عاطفة ولا يلام إذا رأيناه يتذبذب وهو يريد الاحتفاظ بدمه. يظهر لنا خلقه المترفع وإخلاصه لآل البيت من الحادثة التالية:
طاف (عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر) على دور بني هاشم ومعه أربعة من غلمانه، ومعهم ثوب يضعون فيه هبات بني هاشم للكميت، وكان عبد الله يقول لأهل البيوت التي يدخلها: ’’يا بني هاشم! قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم، وعرض دمه لبني أمية قد رأيتم’’. فكان الرجل يطرح في الثوب ما يقدر عليه من دراهم ودنانير، أما النساء فإنهن كن يبعثن بحلاهن يخلعنها عن أجسادهن فبلغ ما اجتمع من ذلك نحو مائة ألف درهم فقدمها للكميت قائلا: ’’أتيناك بجهد المقل، ونحن في دولة عدونا، وقد جمعنا هذا المال وفيه حلى المساء كما ترى، فاستعن به على دهرك!’’. أجاب الكميت: ’’بأبي أنت وأمي، قد أكثرتم وأطبتم، وما أردت بمدحي إياكم إلا الله ورسوله، ولم أك لآخذ لذلك ثمنا من الدنيا فأردده إلى أهله’’. فجهد به عبد الله أن يقبله بكل حيلة فأبى. فلو لم يكن له إلا هذا الموقف لكان أعظم دليل على بطولة الرجل النفسية، وصدقه وإخلاصه. وقال محمد العيساوي الجمي: الكميت أول من أدخل الجدل المنطقي في الشعر العربي، فهو مجدد بكل ما تحمل هذه الكلمة معنى. وشعره ليس عاطفيا كبقية الشعراء، بل إن شعره، شعر مذهبي، ذهني، عقلي، فهو شاعر يناضل عن فكرة عقائدية معينة، وعن مبدأ واضح، ومنهج صحيح، ودعوة آمن بها وكرس لها حياته، وجهده وتحمل في سبيلها الأذى ومات بسببها. وأغلب شعره السياسي أو ’’الهاشميات’’ كما سمى ديوانه، نظمه ما بين سنة 105ه حتى آخر سنة 120 ه. وكان قبل هذه الفترة مدح آل المهلب. والبعض من بني أمية وربما مدح الآخرين ’’تقية’’ وكان الشاعر في صراع مرير مع خالد القسري نائب الأمويين في العراق. و’’هاشميات’’ الكميت المطولة لا تبتدئ ببكاء الأطلال، والوقوف على الدمن من الآثار على عادة من سبقوه من الشعراء. بل يبدؤها بحب آل البيت الهاشمي والنسيب بهم. وها هو يبدأ يحدى ’’هاشمياته’’ قائلا:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب | ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب |
ولكن إلى أهل الفضائل والنهي | وخير بني حواء والخير يطلب |
والكميت شاعر شيعي، عميق التشيع، عقلي الشعر، قوي الحجة، متين الجدل والأدلة وهو شاعر له خطة معينة يتبعها، وفكرة دينية يناضل في سبيلها، ومذهب سياسي معارض للحكومة يعبر عنه في صراحة، وبدون مواربة أو دجل. وهو أول من أدخل التقرير والاحتجاج للعلويين في الدفاع عنهم، وعن حقهم المهضوم المغتصب. فشعر الكميت الأسدي إذن: عبارة عن مناظرات عقلية عميقة، يقوم بها لفائدة الهاشميين وهي تعتمد على الإقناع العقلي الصرف. فهو يؤيد وجهة نظره بأدلة عقلية، منطقية، قوية وبعضدها بآي القرآن الكريم، ولقد كان: لسنا، فصيحا، ذكيا، سريع البديهة حاضر الحجة قريب الدليل، غزير المنطق الجدلي، والبحث، والمقارنة. فها هو يقول من قصيدة في ’’الهاشميات’’:
بخاتمكم غصبا تجوز أمورهم | فلم أر صبا مثله يتغضب |
وجدنا لكم في آل حاميم آية | تأولها من تقي ومعرب |
وفي غيرها آيا وأيا تتابعت | لكم نصب فيها لذي الشك منصب |
بحقكم أمست قريش تقودنا | وبالفذ منها والرديفين نركب |
وقالوا ورثناها أبانا وأمنا | وما ورثتهم ذاك أم، لا أب |
يرون لهم فضلا على الناس واجبا | سفاها وحق الهاشميين أوجب |
ولكن موارث ابن آمنة الذي | به دان شرقي لكم ومغرب |
فدى لك موروثا أبي وأبو أبي | ونفسي، ونفسي بعد بالناس أطيب |
وتستخلف الأموات غيرك كلهم | ونعتب لو كنا على الق نعتب |
يقولون لم يورث ولولا تراثه | لقد شركت فيه بكيل وأرحب |
وعك، ولخم، والسكون وحمير | وكندة، والحيان: بكر وتغلب |
ولا تنشلت عضوين منها يحابر | وكان لعبد القيس عضو مؤرب |
وما كانت الأنصار فيها أذلة | ولا غيبا عنها إذ الناس غيب |
هم شهدوا بدرا وخيبر بعدها | ويوم حنين، والدماء تصبب |
فإن هي لم تصلح لقوم سواهم | فإن ذوي القربى أحق وأقرب |
يقولون لم يورث ولولا تراثه | لقد شركت فيه بكبل وأرحب |
وعك، ولخم، والسكون، وحمير | وكندة والحيان: بكر وتغلب |
هما الأدلة العقلية المنطقية، والقرآن الكريم. . . وشعر الكميت يخالف شعر الشيعة كبيرة. إذ كان غيره من شعراء الشيعة المعاصرين له يعتمدون على البكاء، والرثاء، والتحسر، وإظهار التألم، والأنين طريقهم في جميع ذلك العاطفة، ولا شيء سواها. ولهذا قيل ’’إن الهاشميات’’ تؤرخ نزعة عقلية جديدة في اللغة العربية لم تكن معروفة قبل الكميت. ولهذا أرى مدحه لبني أمية كان اضطرارا وخوفا، لا طمعا في المال والجاه. ونرى الكميت يأتي بالأوصاف التي يجب أن تتوفر في الإمام. فنراه يقول في (الهاشميات):
الحماة الكفاة في الحرب إن لف حزاما وقودها بضرام والغيوث الذين إن أمحل الناس فمأوى حواضن الأيتام غالبيين هاشميين في العلم ربوا من عطية العلام وهم الآخذون من ثقة فأمر بتقواهم عرى لا انفصام القريبين من ندى والبعيدين من الجور منى عرى الأحكام راجحي الوزن كاملي العدل في السيرة طيبين بالأمور الجسام ساسة لا كمن يرى رعية الناس سواء ورعية الأنعام لا كعبد المليك أو كوليد أو سليمان بعد أو كهشام رأيه منهم كرأي دوي الثلة في الثائجات جنح الظلام جز ذي الصوف وانتقاء لذي المخنة وانعق ودعدها بإلهام فهم الأرأفون بالناس في الرأفة والأحملون في الأحلام أخذوا القصد واستقاموا عليه حين مالت زوامل الآثام هذه القصيدة عبارة عن مقارنة بين أئمة الشيعة الذين يعدلون ولا يجورون في الأحكام وهم المنصفون بصفة الحلم، وسعة الصدر وهم بهذه الصفات المذكورة في القصيدة يختلفون عن حكام بني أمية كعبد الملك بن مروان، والوليد، وسليمان، وهشام بن عبد الملك الحكام الأمويين الجائرين في حكم الناس والمبتعدين عن العدل، والذين يبطشون بمخاليفهم بطش الجبابرة العتاة والذين يسوقون المسلمين كالأنعام، ويعتبرونهم كالبقرة الحلوب يتمتعون بمنافعها ويمتصون دماءها رحمة أو شفقة. ونحن نجد الكميت دائما بقيم المعادلات ويقدم المقارنات بين جور الأمويين وعدل الهاشميين فأئمة الشيعة يحكمون بالكتاب والسنة. أما الأمويون فهم أصحاب جور وبدع وضلالات:
لهم كل عام بدعة يحدثونها | أزلوا بها أتباعهم ثم أوحلوا |
كما ابتدع الرهبان ما لم يجيء به | كتاب ولا وحي من الله منزل |
تحل دماء المسلمين لديهم | ويحرم طلع النخلة المتهدل |
فيا رب هل إلا بك النصر نبتغي | عليهم، وهل إلا عليك المعول |
ويوم الدوح دوح غدير خم=أبان له الوصاية لو أطيعا
ويحدد الكميت موقفه من المذاهب والتشيع فيصيح قائلا:
وما لي إلا آل أحمد شيعة | وما لي إلا مذهب الحق مذهب |
وعطلت الأحكام حتى كأننا | على ملة غير التي تتنحل |
أأهل كتاب نحن فيه وأنتم | على الحق نقضي بالكتاب ونعدل |
كأن كتاب الله يعني بأمره | وبالنهي فيه الكودني المركل |
فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم | فحتام حتام العناء المطول |
فقل لبني أمية حيث كانوا | وإن خفت المهند القطيعا |
أجاع الله من أشبعتموه | وأشيع من بجوركم أجيعا |
مصيب على الأعواد يوم ركوبها | بما قال فيها مخطئ حين ينزل |
كلام النبيين الهداة كلامنا | وأفعال أهل الجاهلية نفعل |
يمشين مشي قطا البطاح تأودا | قب البطون رواجح الأكفال |
يرمين بالحدق القلوب فما ترى | إلا صريع هوى بغير نبال |
بعمري لقوم المرء خير بقية | عليه وإن عالوا به كل مركب |
إذا كان في قوم عدى لست منهم | فكل ما علفت من خبيث وطيب |
وإن حد نيل النفس إنك قادر | على ما حوت أيدي الرجال تجرب |
أضحكني الدهر وأبكاني | والدهر ذو صرف وألوان |
لتسعة بالطف قد غودروا | صاروا جميعا رهن أكفان |
وستة لا يتجازى بهم | بنو عقيل خير فرسان |
ثم علي الخير مولاهم | ذكرهم هيج أحزاني |
يقولون لم يورث ولولا تراثه | لقد شركت فيه بكيل وأرحب |
وعك ولخم والسكون وحمير | وكندة والحيان بكر وتغلب |
ولا انتشلت عضوين منها يحابر | وكان لعبد القيس عضو مورب |
ولا انتقلت من خندف في سواهم | ولاقتدحت قيس بها ثم اثقبوا |
ولا كانت الأنصار فيها أذلة | ولا غيبا عنها إذ الناس غيب |
هم شهدوا بدرا وخيبر بعده | ويوم حنين والدماء تصبب |
وهم رئموها غير ظئر وأشبلوا | عليها بأطراف القنا وتحدبوا |
فإن هي لم تصلح لحي سواهم | فإن ذوي القربى أحق وأوجب |
أخلص الله لي هواي فما أغـ | ـرق نزعا ولا تطيش سهامي |
أرعد وأبرق يا يز | يد فما رعيدك لي بضائر |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 9- ص: 33