التصنيفات

المولى الشيخ مؤتمن الدولة أبو الفضل المؤرخ ابن الشيخ مبارك ابن الشيخ خضر اليماني الأصل الهندي المسكن.
ولد سنة 957 كما ذكره عن نفسه في تاريخه الأكبري وكان حيا سنة 1004 والله أعلم كم عاش بعد ذلك.
عالم مؤرخ كان معاصرا للسلطان جلال الدين محمد أكبر شاه بن همايون شاه المنسوب إليه مدينة أكبر آباد بالهند والمتوفي سنة 1014 ألف له المترجم تاريخا فارسيا سماه الأكبري منسوبا إلى اسمه فرغ منه سنة 1004 أورد فيه من عادات الهنود وأحوالهم أمورا عجيبة وفي كتاب دانشوران ناصري ما ترجمته: الشيخ أبو الفضل المؤرخ من مشاهير علماء مملكة الهند ومعاريف أفاضل عهد السلطان محمد أكبر شاه وكان أسلافه وأجداده غالبا من أهل العلم وأصحاب الكمال والمشايخ الصوفية وأرباب الحال وأصل هذه السلسلة من ناحية اليمن وجاء جده الشيخ خضر إلى الهند وصار له بها اعتبار عاش 120سنة وقرأ في أحمد آباد كجرات على نحارير العلماء وأخذ من كل فن بسند عال وعرف المذهب المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي والإمامي أصولا وفروعا ووصل إلى درجة الاجتهاد وهو وإن كان منتسبا إلى المذهب الحنفي لكنه في الحقيقة كان نابذا للتقليد ومتجاوزا المظاهر إلى الحقائق المعنوية وسالكا مسلك التصوف والإشراق وعارفا بأساليب التصوف وخصوصا مسلك الشيخ محيي الدين بن العربي وابن الفارض والشيخ صدر الدين القونوي ومن جلائل النعم الإلهية عليه اختصاصه بملازمة الخطيب أبو الفضل الكازروني فاتخذه بمنزلة الولد فقرأ عليه التجريد وكثيرا من غوامض الشفاء والإرشادات ودقائق التذكرة والمجسطي وتلمذ على مولانا جلال الدين الدواني وأخذ في جزيرة العرب أنواع العلوم النقلية عن الشيخ السخاوي المصري المصر تلميذ ابن حجر العسقلاني وسافر في أوائل المئة العاشرة مع جماعة من خواصه إلى الهند لأجل رؤية الأولياء هناك فجاء إلى ناكور والتقى بالسيد يحيى البخاري الذي له نصيب وافر من الولاية المعنوية وبالشيخ عبد الرزاق القادري البغدادي من أولاد الشيخ عبد القادر الجيلي المشهور وبالشيخ يوسف السندي وسافر إلى السند وأخذ عن الشيخ فياض البخاري وتوفي سنة 954 (أقول) يظهر من ذلك لأنه كان صوفيا وتشيعه غير معلوم وإن كان مظنونا قالوا وابنه الشيخ مبارك ابن الشيخ خضر كانت له رياسة عامة ومرجعية تامة في الهند (وتأتي ترجمته في بابه) وابنه الشيخ أبو الفيض ابن الشيخ مبارك كان مشهورا بحسن النظم والنثر وتأتي ترجمته وابنه أبو الفضل صاحب الترجمة ابن الشيخ مبارك كان مقدما على جميع رجال المملكة في عهد سلطان الوقت محمد أكبر شاه حتى على أولاد السلطان وهو مصنف تاريخ أكبر شاهي المشهور في تمام العالم بفصاحة عبارته واستحكام كلامه وهو شاهد على تبحر مؤلفه وتضلعه وتعمقه واتساع بلاغته وبراعته وأصحاب المعاجم والمصنفون في التاريخ والرجال ينقلون غالبا ترجمة الشيخ أبو الفضل وأحواله من ذلك الكتاب لأنه في ذيل تاريخ آئين أكبري شرح أحوال أسلافه وأخبار سلسلة آبائه وأجداده شرحا مفصلا بحيث لم يترك جزئية ولا كلية وذكر أساتيذه وآثاره وعلومه ومعارفه وذكر والده أيضا ومن أمعان النظر الدقيق وأعمال الفكر العميق في تقريره بضميمة الاطلاعات الخارجية يعلم أن الشيخ مبارك والشيخ أبو الفضل كان كل منهما باطنا شيعي المذهب إمامي المشرب ومن هذه الجهة كان علماء ورؤساء المخالفين لهما في المذهب يعادونهما عداوة قبيحة والشيخ أبو الفضل في وقت رياسته العظمى سعى في تفريق كلمة هؤلاء الجماعة والسلطان أكبر شاه قصر أيدي المتعصبين عن الخلق ونحن تأسيا بمؤلف السلف ننقل أحوال الشيخ أبو الفضل وكبراء سلسلته من كتابه المسمى آئين أكبري إلى المكان الذي كتبه فيه باختصار رائق وتصرف لائق وباقي أحواله خاتمة أمره وعاقبة عمره ننقله من مكان آخر ثم ذكر فيما نقلوه عن أحوال والده بما ذكرنا جملة منه في ترجمة والده الشيخ مبارك وذكر أحوال أقاربه وأطال في بيان أحوال والده وأقاربه كثيرا وقال عن نفسه أنه ولد سنة 957 وما بلغ الخامسة عشرة من عمره حتى كان أبوه قد فتح له أبواب خزائن العلم ثم ذكر أحواله مطولا. ثم قال أصحاب دانشوران ناصري بعد نقله بطوله. هذه ترجمة أبو الفضل التي ذكرها هو بنص عبارته في كتاب (آئين أكبري) وما شرح تشريع وإيجاد الدين الإلهي الذي ظهر في عصر جلال الدين محمد أكبر بتدبير وسعي الشيخ أبو الفضل المذكور على ما ذكره النواب السيد علا محسين الطباطبائي رضوان الله عليه في مقدمة كتابه سير المتأخرين فقال: إن الشيخ عبد الله ابن الشيخ شمس الدين السلطانبوري الذي كان يلقب في عهد شير شاه بصدر الإسلام وفي زمان همايون بشيخ الإسلام وفي وقت أكبر بمخدوم الملك كان طالبا للجاه غاية الطلب متعصبا محبا للدنيا كما ذكره الشيخ عبد القادر البدادوني في كتابه مع اتحاد المذهب فيهما والمناسبة التامة في العمل والطبيعة. ولما مات مخدوم الملك وكان بينه وبين السلطان منافرة ظهرت له خزائن ودفائن كثيرة منها عدة صناديق فيها قطع من الذهب بشكل اللبن كان قد دفنها في المقبرة فأخرجت وأدخلت مع كتبه إلى الخزانة العامرة السلطانية. والشيخ عبد النبي الصدر كذلك كان رجلا متعصبا طالبا للجاه وهو من أولاد أبي حنيفة الكوفي وفي أوائل عهد أكبر وصل اقتداره إلى حد أنه كان أحد وزراء الملك يقدم له نعله والأفاغنة يحبونه كثيرا وأكبر كان صغير السن جدا وجاءته السلطنة في الطفولية وكانت عامة الدعاوى وأكثر أمور السلطنة تدبر برأي هذين الرجلين والسلطان مشغول باللهو واللعب والطرب وكان هذان الرجلان بمقتضى حب الجاه والنفس وشدة التعصب كلما رأوا رجلا هو محل التفات السلطان والسلطان يميل إلى مشربه ومسلكه يتوسلان إلى قتله بكل حيلة باسم حماية الشرع وحراسة الإسلام ولا يدعان أحدا يرفع رأسه كما أن الشيخ أبو الفضل وأبوه الشيخ مبارك وأخروه الشيخ فيضي وقعوا في بلية هذين الرجلين وبالتأييد الإلهي نجوا من هذه البلاء ووصلوا إلى أوج العزة والاختصاص ووصل الحال إلى أن خلقا كثيرا يفوتون حد الحصر قتلوا بغير حق بسعي أولئك الفساق. والذي يستفاد من مجموع الحكايات وتقريرات نقلة أخبار ذلك العصر أن كلا هذين القدوتين كانا في الظاهر في نهاية التعصب والتصلب للدين لكن لمجرد حب الجاه والنفس واتباع الهوى ولم تصل إلى مشام روحهم رائحة الإيمان لا هم ولا أتباعهم كالشيخ عبد القادر البدادوني وغيره ومن شدة تعصبهم أصدر أحدهم مخدوم الملك على ما ذكره الشيخ عبد القادر البدادوني فتوى عجيبة وهي أن الذهاب إلى الحج في أيام الحج غير واجب حيث إنه سأل فأخبر أن طريق الحج منحصر إما في طريق العراق أو طريق البحر وطريق العراق يسمع فيه كلام غير ملائم من القزلباشية وطريق البحر يلزم أن يؤخذ فيه جواز من الإفرنج وهذا الجواز قد صوروا فيه صورة مريم وعيسى عليهما السلام وإنه إله فإذا السفر على كلا الطريقين ممنوع والبدادوني عند ترجمة أحوال نفسه يقول إن الشيخ مبارك وإن كان له على حق عظيم من جهة أنه أستاذي لكن حيث إنه وأولاده مغالون في الانحراف عن المذهب الحنفي لم تبق علي حجة وأيضا لأجل تأييد مدعاة نقل عن مخدوم الملك أنه كان كلما رأى الشيخ أبا الفضل في أوائل عهد أكبر شاه يذمه ويذم أباه الشيخ مبارك ويقدح فيهما قالوا وبسبب هذين الشخصين المرائيين المحبين للدنيا أريقت دماء كثيرين من عباد الله لا سيما على التشيع ووصل التعصب في العوام إلى حد أنه في أوائل سنة 33 في سلطنة أكبر كان رجل من أرباب المناصب اسمه فولاد يرلاس وكان رجل يسمى الملا أحمد شيعي المذهب فللعداوة المذهبية استدعاه ليلا من منزله وضربه بخنجر وكان أكبر شاه في تلك الأيام قد خرج من قيد العصبية فأمر أن يربط برلاس في بلدة لاهور حتى هلك وتوفي الملا أحمد المجروح بعد وفاة قاتله بثلاثة أيام وبعد دفن الملا أحمد أقام الشيخ فيضي وأخوه الشيخ أبو الفضل حراسا على قبره خوفا من أن ينبش ومع هذا الاهتمام فإن أهل لاهور بعد سفر عسكر أكبر شاه إلى كشمير نبشوا قبره وأخرجوا جثته وأحرقوها وحيث إن مؤتمن الدولة الشيخ أبو الفضل صار في أعلي مراتب القرب عند أكبر شاه وعلامة الزمان الحكيم فتح الله الشيرازي وآخرين من علماء وأمراء العراق وشيراز جاؤوا بكثرة إلى ديار أكبر شاه اتفق الشيخ أبو الفضل مع العلامة المذكور وآخرون من العلماء على طريق واحد وكلمة واحدة لتدارك وإراقة الدماء من قبل أولئك المتعصبين المعاندين المذكورين وتحزموا لذلك بحزام هممهم المحكم فوجدوا السلطان نفسه قد رجع عن مذهبه ورأى أن المذهب الذي هو عليه والبناء الذي أحكمه من مدة طويلة يؤدي إلى فناء الخلق فلم يجد بدا من الخروج عن قيد التعصب وخلص عباد الله من مخالب أولئك وأتباعهم وأبدل الشدة بالرخاء وأطلع شيئا فشيئا على خبث نيات أولئك وحبهم لجمع المال وطلب الجاه ولما دخلت السنة الرابعة والعشرون من جلوسه جرى يوما في مجلسه حديث بين القضاة والعلماء في المسائل المختلف فيها بين المجتهدين وأنجز الكلام إلى أن السلطان هل يمكن أن يجتهد في بعض الأمور فكتب الشيخ مبارك والد معتمد الدولة الشيخ أبو الفضل الذي كان أعلم علماء زمانه حسب الأمور تذكرة بهذا الخصوص وختمها بخاتمة وحاصلها أنه بعد التأمل وإمعان النظر في معنى الآية الكريمة {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وأحاديث واردة في ذلك فقد حكمنا بأن مرتبة السلطان العادل عند الله تعالى أعلى من مرتبة المجتهدين لأن نص آية أولي الأمر يؤيد وجوب إطاعة السلاطين وموافقتهم على رأيهم لا معاضدة المجتهدين والسلطان أعدل وأفضل وأعلم بالله تعالى فإذا وقع الاختلاف في مسائل الدين بين العلماء واختار السلطان أحد القولين لأجل تسهيل معاش بني آدم وصلاح حال أهل العالم فحكم به وجبت إطاعته على كافة الأنام وأيضا إذا حكم بحسب اجتهاده بحكم لا يخالف النص لأجل المصلحة العامة فمخالفة هذا الحكم موجبة للسخط الإلهي والعذاب الأخروي والخسران الديني والدنيوي وختم الجميع هذا التذكرة بخواتيمهم وبعد هذا أحضر مخدوم الملك وعبد النبي الصدر وأمرهما بختمها وإمضائها بخطهما فختماها وأمضياها بخطهما طوعا أو كرها وكان ذلك في شهر رجب سنة 987 من الهجرة المقدسة فلما كتب هذا المحضر شرع السلطان في إجراء ما يصلح العباد شيئا فشيئا فأمر مخدوم الملك والشيخ عبد النبي بالسفر إلى الحج وعين العلماء المتعصبين قضاة في الأمكنة البعيدة وبهذا التدبير استراح الخلق من أضرار الأشرار وتفرغوا لأمور معاشهم ومعادهم فإن السلطان يلزم أن لا يكون متعصبا ويلزم أن تكون الرعايا في ظله سواء فلما وصل مخدوم الملك إلى مكة المكرمة كان ابن حجر صاحب الصواعق المحرقة حيا موجودا في مكة وباعتبار تناسبه مع مخدوم الملك في التعصب استقبله واحترمه كثيرا وفتح له باب الكعبة وكان ذلك قبل أيام الحج وباع مخدوم الملك شعيره باسم الحنطة فإنه كان في الصورة من أهل الدين وفي الحقيقة من طلاب الدنيا فأخذ في ذم السلطان والأمراء في المجالس والمحافل بسبب ما ناله حتى نسبهم إلى ارتداد عن الدين والرغبة في الكفر فوصل ذلك إلى مسامع السلطان والشيخ عبد النبي لما سمع بخبر بغي محمد حكيم ميرزا أخي السلطان أكبر شاه وفتحه مدينة لاهور عزم هو ومخدوم الملك على الرجوع إلى الهند طمعا في الرياسة وحبا للجاه فعادا إليها ووصلا إلى أحمد آباد كجرات فوجدا أن أكبر شاه بتمام الاقتدار فخافاه على أنفسهما وكان بعض نساء السلطان قد ذهبن إلى الحج في تلك السنة وعدن منه ووصلن أحمد آباد فتوسلا بهن ليشفعن لهما عند السلطان ففعلن ولما كان السلطان غاضبا عليهما أشد الغضب لسوء أفعالهما أظهر لنسائه أنه قبل شفاعتهن وأرسل بعض رجاله خفية للقبض عليهما ففعلوا فتوفي مخدوم الملك في الطريق فحمل محبوه نعشه خفية ودفنوه واستخرج السلطان من داره أموالا عظيمة وحملها إلى خزانته. وأما الشيخ عبد النبي فيعد وروده حول الشيخ أبو الفضل لمحاسبته فتوفي بهذه الثناء وللعداوة التي بينه وبين الشيخ أبو الفضل اتهم بقتله وبقي الحال على هذا والناس في أمان وراحة من التعصب على عهد جهانكير وفي عهده شرع التعصب المذهبي في الظهور واشتد في عهد عالمكير. ومما ذكره الشيخ أبو الفضل في ترجمة نفسه ومن وضعه هو وأخوه أبو الفيض المحافظين على قبر ملا أحمد الذي قتله فولاد برلاس كما مر يظهر تشيع أبو الفضل وأبيه وأخيه انتهى ما أردنا نقله من كتاب دانشوران ولم نتمكن من نقل جميع ما حكوه عن الشيخ أبي الفضل في ترجمة نفسه لطوله طولا مفرطا فليرجع إليه من أراده.

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 399