أبو الفضل الحصكفي اسمه يحيى بن سلامة بن الحسن بن محمد.
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 398
أبو الفضل أو أبو الوفا معين الدين يحيى ابن سلامة بن الحسين بن محمد الخطيب
الحصكفي الكاتب الأديب
ولد في حدود سنة 460 وقيل سنة 459 بطنزة وتوفي سنة 553 وقيل سنة 551 بميافارقين.
(والحصكفي) بحاء مهملة مفتوحة وصاد مهملة ساكنة وكاف مفتوحة وفاء وياء نسبة إلى حصن كيفا ’’قال ابن خلكان’’ هي قلعة حصينة شاهقة بين جزيرة ابن عمرو وميافارقين ’’قال السمعاني’’ هي مدينة من ديار بكر يقال لها بالعجمية حصن كيباء ’’وفي معجم البلدان’’: حصن كيفا ويقال كيبا وأظنها أرمنية بلدة وقلعة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد وجزيرة ابن عمرو من ديار بكر وكانت ذات جانبين وعلى دجلتها قنطرة لم أر في البلاد التي رأيتها أعظم منها وهي طاق واحد يكتنفه طاقان صغيران ’’انتهى’’ وإذا أرادوا النسبة إلى المركب فالقياس أن ينسبوا إلى جزئه وقد يركبون من الجزئين اسما واحدا وينسبون إليه قالوا رسعني وعبدلي وعبشمي وعبدري في النسبة إلى رأس عين وعبد الله وعبد شمس وعبد الدار. ’’وطنزة’’ بطاء مهملة مفتوحة ونون ساكنة وزاي وهاء بليدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة العربية.
’’وفي أنساب السمعاني’’: المشهور بالنسبة إليها ’’أي حصن كيفا’’: أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد الحصكفي الخطيب بميافارقين أحد أفاضل الدنيا وكان إماما بارعا فاضل الدنيا وكان إماما في قول الشعر جواد الطبع رقيق القول اشتهر ذكره في الآفاق بالنظم والنثر والخطب وعمر العمر الطويل وكان غاليا في التشيع ويظهر ذلك في شعره وكتب إلي الإجازة بجميع مسموعاته بخطه في سنة 551 وروى عنه أبو عبد الرحمن...... بن أسامة النصيبي ببغداد وأبو الحسن علي بن مسعود الأسعردي بالرقة وأبو الخير سلامة بن قيصر الضرير بقلعة جعبر والخضر بن ثروان الضرير الأديب ببلخ ومساعد ابن فصايل المسحي بنيسابور وغيرهم ’’انتهى’’ وذكره ابن الأثير في الكامل ووصفه بالأديب وقال: له شعر حسن ورسائل جيدة مشهورة وكان يتشيع.
’’وفي معجم الأدباء’’ لياقوت الحموي: يحيى بن سلامة بن الحسين المعروف بالخطيب الحصكفي كان فقيها نحويا كاتبا شاعرا نشأ بحصن كيفا وقدم بغداد فأخذ بها الأدب عن الخطيب أبي زكريا التبريزي وغيره وبرع في النظم والنثر وإنشاء الخطب ثم رحل إلى ميافارقين فسكنها وولي بها الخطابة والإفتاء وله ديوان شعر وديوان رسائل.
’’وقال ابن خلكان’’. أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد الملقب معين الدين المعروف بالخطيب الحصكفي صاحب الديوان الشعر والخطب والرسائل ولد بطنزة ونشأ بحصن كيفا وقدم بغداد واشتغل بالأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي وأتقنه حتى مهر فيه وقرأ الفقه على مذهب الإمام الشافعي ’’رض’’ وأجاد فيه ثم رحل عن بغداد راجعا إلى بلاده ونزل ميافارقين واستوطنها وتولى بها الخطابة وكان إليه أمر الفتوى واشتغل عليه الناس وانتفعوا بصحبته وكان يتشيع وهو في شعره ظاهر وله الخطب المليحة والرسائل المنتقاة ولم يزل على رياسته وجلالته وإفادته إلى أن توفي.
وذكره العماد الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال في حقه: كان علامة الزمان في عليه ومعري العصر في نثره ونظمه له اللفظ الجزل الرقيق والمعنى السهل العميق والفضل السائر المقيم، وأكثر العماد من الثناء عليه وتعداد محاسنه بتلك الأسجاع المتعارفة في ذلك العصر.
ثم قال: وكنت أحب لقاءه وأحدث نفسي عند وصولي إلى الموصل وأنا شغف بالاستفادة كلف بمجالسة الفضلاء والاستزادة أن أراه فعاق دون لقائه بعد الشقة وضعفي عن تحمل المشقة.
وفي كتاب (التذكرة): لشرف الدين موسى ابن القاضي جمال الدين يوسف ابن القاضي شهاب الدين أحمد ابن القاضي جمال الدين يوسف بن أيوب الأنصاري الشافعي التي رأينا منها نسختين في طهران نسخة مخطوطة في مكتبة الحاج محتشم السلطة والظاهر أنها بخط المؤلف وعليها آثار القدم ولم يذكر تاريخ كتابتها ولكن في أواخرها ما لفظه: وفي يوم الثلاثاء 13 ربيع الثاني سنة 1000 من الهجرة نقلت من الوافي بالوفيات للصفدي من حرف العين المهملة.. الخ قال في حق المترجم: صاحب الديوان الشعر والخطب والرسائل ثم ذكر بعض ما مر من الأقوال.
شعره
قال شمس الدين أبو البركات محمد الباغندي الشافعي في كتاب جواهر المطالب في مناقب الإمام أبي الحسن علي بن أبي طالب (ع) كما في النسخة المخطوطة الموجودة في المكتبة الرضوية من أوقاف الشيخ أسد الله بن محمد مؤمن بن خاتون العاملي سنة 1067 وقفت على قصيدة طويلة نحو مائة بيت في مدح أهل البيت للشيخ العلامة يحيى بن سلامة الحصفكي ذكرها ابن الجوزي في تاريخه المعروف بالمنتظم فاخترت منها هذا القدر:
’’قال المؤلف ’’ وقد أورد منها سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص 34 بيتا ومنها ومن مثلها عده السمعاني غاليا في التشيع بزعمه ونذكر منها هنا ما يزيد على ما ذكره الباغندي:
أقوت مغانيهم فأقوى الجلد | ربعان بعد الساكنين فدفد |
صاح الغراب فكما تحملوا | أمسى بها كأنه مقيد |
تقاسموا يوم الوداع كبدي | فليس لي منذ تولوا كبد |
ليت المطايا للنوى ما خلعت | ولا حدا من الحداة أحد |
على الجفون رحلوا وفي الحشى | تقيلوا وماء عيني وردوا |
وأدمعي مسفوحة وكبدي | مقروحة وغلي ما تبرد |
وصبوتي دائمة ومقلتي | دامية ونومها مشرد |
تيمني منهم غزال أغيد | يا حبذا ذاك الغزال الأغيد |
حسامه مجرد وصرحه | ممرد وخده مورد |
كأنما نكهته وريقه | مسك وخمر والثنايا برد |
يقعده عن القيام ردفه | وفي الحشى منه المقيم المقعد |
أيقنت لما أن حدا الحادي بهم | ولم أمت أن فؤادي جلمد |
كنت على القريب كئيبا مغرما | صبا فما ظنك بي إذ بعدوا |
هم الحياة أعرقوا أم أشأموا | أم أيمنوا أم أتهموا أم أنجدوا |
ليهنهم طيب الكرى فإنه | من حظهم وحظ عيني السهد |
هم تولوا بالفؤاد والكرى | فأين صبري بعدهم والجلد |
لولا الضنا جحدت وجدي بهم | لكن نحولي بالغرام يشهد |
لله ما أجور أحكام الهوى | وما لمن يظلم فيه مسعد |
ليس على المتلف غرم عندهم | ولا على القاتل عمدا قود |
هل أنصفوا إذا حكموا أم أسعفوا | من تيموا أم عطفوا فاقتصدوا |
بل أسرفوا وظلموا وأتلفوا | من هيموا وأخلفوا ما وعدوا |
وسائل عن حب أهل البيت هل | أقر أعلانا به أم أجحد |
هيهات ممزوج بلحمي ودمي | حبهم وهو الهدى والرشد |
حيدرة والحسنان بعده | ثم علي وابنه محمد |
وجعفر الصادق وابن جعفر | موسى ويتلوه علي السيد |
أعني الرضا ثم ابنه محمد | ثم علي وابنه المسدد |
والحسن التالي ويتلو تلوه | محمد بن الحسن المفتقد |
فأنهم أئمتي وسادتي | وإن لحاني معشر وفندوا |
أئمة أكرم بهم أئمة | أسماؤهم مسرودة تطرد |
هم حجج الله على عباده | بهم إليه منهج ومقصد |
هم النهار صوم لربهم | وفي الدياجي ركع وسجد |
قوم أتى في هل أتى مدحهم | وهل يشك فيه إلا ملحد |
قوم لهم فضل ومجد باذخ | يعرفه المشرك والموحد |
قوم لهم في كل أرض مشهد | لا بل لهم في كل قلب مشهد |
قوم منى والمشعران لهم | والمروتان لهم والمسجد |
قوم له مكة والأبطح والـ | ـخيف وجمع والبقيع الغرقد |
ما صدق الناس ولا تصدقوا | ونسكوا وأفطروا وعيدوا |
ولا غزوا وأوجبوا حجاولا | صلوا ولا صاموا ولا تعبدوا |
لولا رسول الله وهو جدهم | يا حبذا الوالد ثم الولد |
ومصرع الطف فلا أذكره | ففي الحشى منه لهيب يقد |
يرى الفرات ابن الرسول ظاميا | يلقى الردى وابن الدعي يرد |
حسبك يا هذا وحسب من بغى | عليهم يوم المعاد الصمد |
يا أهل بيت المصطفى وعدتي | ومن على حبهم اعتمد |
أنتم إلى الله غدا وسيلتي | وكيف أخشى وبكم اعتضد |
وليكم في الخلد حي خالد | والضد في نار لظى مخلد |
ولست أهواكم لبغض غيركم | إني إذا أشقى بكم لا أسعد |
فلا يظن رافضي أنني | وافقته أو خارجي مفسد |
محمد والخلفاء بعده | أفضل خلق الله فيما أجد |
هم أسسوا قواعد الدين لنا | وهم بنوا أركانه وشيدوا |
ومن يخن أحمد في أصحابه | فخصمه يوم المعاد أحمد |
هذا اعتقادي فالزموه تفلحوا | هذا طريقي فاسلكوه تهتدوا |
والشافعي مذهبي مذهبه | لأنه في قوله مؤيد |
أشكو إلى الله من نارين واحدة | في وجنتيه وأخرى منه في كبدي |
ومن سقا مين سقم قد أحل دمى | من الجفون وسقم حل في جسدي |
ومن نمو مين دمعي حين أذكره | يذيع سري وواش منه بالرصد |
ومن ضعيفين صبري حين أذكره | ووده ويراه الناس طوع يدي |
مهفهف رف حتى قلت من عجب | أخصره خنصري أم جلده جلدي |
وهاتفة في الأيك أما خلية | فتشدو وأما صبة فتنوح |
فإن يك لهوا فالحداد سفاهة | وان يك حزنا فالخضاب قبيح |
هنيئا لها عرض الفضاء وليتني | إذا شئت أغدو مطلقا وأروح |
وإن عجيبا نطقها أعجمية | لدي وصمتي واللسان فصيح |
إلى من أقاضيها فيظهر مينها | وصدقي وكل في الضلال يسيح |
تقاسما العيش صفوا والردى كدرا | وما عهدنا المنايا قط تقتسم |
وحافظا الود حتى في حمامهما | وقلما في المنايا تحفظ الذمم |
بنفسي أخيان من آمد | أصيبا بيوم شديد الأذاة |
وها ذا كميت من الصافنات | وهاذا كميت من الصافيات |
يا رب بالقدم التي أوطأتها | من قاب قوسين المحل الأعظما |
وبحرمة القدم التي جعلت لها | كف المؤيد بالرسالة سلما |
اجعلهما ربي إليك وسيلتي | في يوم حشر أن أزور جهنما |
وأنسية زارت مع النوم مضجعي | فعانقت غصن البان منها إلى الفجر |
أسائلها أين الوشاح وقد سرت | معطلة منه معطرة النشر |
فقامت وأومت للسوار نقلته | إلى معصمي لما تقلقل في خصري |
وخليع بت أعذله | ويرى عذلي من العبث |
قلت إن الخمر مخبثة | قال حاشاها من الخبث |
قلت فالأرفاث تتبعها | قال طيب العيش في الرفث |
قلت ثم القيء قال أجل | شرفت عن مخرج الحدث |
وسأجفوها فقلت متى | قال عند الكون في الجدث |
لم يضحك الورد إلا حين أعجبه | زهر الربيع وصمت الطائر الغرد |
بدا فأبدى لنا البستان بهجته | وراحت الراح في أثوابها الجدد |
ومسمع غناؤه | يبدل بالفقر الغنى |
أبصرته فلم تخب | فراستي لما دنا |
وقلت من ذا وجهه | كيف يكون محسنا |
وقلت من بينهم | هات أخي غن لنا |
ويوم سلع لم يكن | يومي بسلع هينا |
فانشال منه حاجب | وحاجب منه انحنى |
وامتلأ المجلس من | فيه نسيما منتنا |
أوقع إذ أوقع في الـ | ـأنفس أسباب العنا |
وصاح صوتا نافرا | يخرج من حد البنا |
وما درى محضره | ماذا على القوم جنى |
فذا يسد أنفه | وذا يسد الأذنا |
ومنهمو جماعة | تستر عنه الأعينا |
فاغتظت حتى كدت من | غيظي أبث الشجنا |
وقلت يا قوم اسمعوا | إما المغني أو أنا |
أقسمت لا أجلس أو | يخرج هذا من هنا |
جروا برجل الكلب أن | السقم هذا والضنا |
قالوا لقد رحمتنا | وزلت عنا المحنا |
فحزت في إخراجه | راحة نفسي والثنا |
وحين ولى شخصه | قرأت فيهم معلنا |
الحمد لله الذي | أذهب عنا الحزنا |
ومسمع قوله بالكره مسموع | محجب عن بيوت الناس ممنوع |
غنى فبرق عينيه وحرك لحـ | ـييه فقلنا الفتى لا شك مصروع |
وقطع الشعر حتى ود أكثرنا | أن اللسان الذي في فيه مقطوع |
لم يأت دعوة أقوام بأمرهم | ولا مضى قط إلا وهو مصفوع |
أتعرف شيئا في السماء نظيره | إذا سار صاح الناس حيث يسير |
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا | وكل أمير يعتليه أسير |
يحض على التقوى ويكره قربه | وتنفر منه النفس وهو نذير |
ولم يستزر عن رغبة في زيارة | ولكن على رغم المزور يزور |
يا ابن ياسين وطاسين | وحاميم ونونا |
يا ابن من أنزل فيه الـ | ـسابقون السابقونا |
يا خائفا علي أسباب الردى | أما عرفت حصني الحصينا |
إني جعلت في الخطوب موئلي | محمدا والأنزع البطينا |
أحب ياسين وطاسين ومن | يلوم في ياسين أو طاسينا |
يا ذاهبين في أضاليل الهوى | وعن سبل الحق ناكبينا |
لجوا معي الباب وقولوا حطة | تغفر لنا الذنوب أجمعينا |
ديني الولا ولست أبغي غيره | دينا وحسبي بالولاء دينا |
ما ضرني حبسي لأن | الحر حيث يحل حر |
مر وحلو سائغ | وكلاهما حلم يمر |
هو بالفعل عدو | وهو بالقول صديق |
هو في القرب رحيق | وهو في البعد حريق |
أقول وربما نفع المقال | إليك سهيل إذ طلع الهلال (القمر) |
تكاثرني بآلات المعاني | وكيف يكاثر البحر الهلال (الماء في أسفل الإدارة) |
أتطمع أن تنال المجد قبلي | وأنى يسبق النجب الهلال (صغار النوق) |
وتبسم حين تبصرني نفاقا | وشخصي في حوائجك الهلال (حور عريضة) |
وتبطن شره في لين مس | كما لانت مع المس الهلال (الحية) |
وتنتظر الدوائري ولكن | عليك تدور بالشر الهلال (الرحى) |
كأن وجوههم في ذل مثوى | وفرط صبابة فيها الهلال (أثر الحافر في الأرض) |
وأعراض أذيلت للأهاجي | كما يبدو على القدم الهلال (القميص الرث) |
وما تغني الكثائف عن صدوع | بها أن يرأب الصدع الهلال (حديد يشد به القعب) |
وأعجب كيف يلزمهم كتاب | وأعقل من لبيبهم الهلال (أول ما يولد) |
تالله لو كانت الدنيا بأجمعها | تبقي علينا ونأتي رزقها رغدا |
ما كان من حق حر أن يذل لها | فكيف وهي متاع يضمحل غدا |
يا موحش الدار مذ بانوا كما أنست | بقربهم لا خلت من صيب غدق |
إن غبتم لم تغيبوا عن ضمائرنا | وإن حضرتم حملناكم على الحدق |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 10- ص: 296