التصنيفات

السيد أبو الحسن ابن السيد محمد ابن السيد عبد الحميد الموسوي البهبهاني الأصل الأصفهاني المسكن النجفي الهجرة والمدفن
مولده ووفاته ومدفنه
ولد سنة 1284 في قرية صغيرة من قرى أصفهان ولا يزال إخوته فيها إلى الآن وأصله من نواحي بهبهان ثم انتقل جده إلى القرية المذكورة. هكذا أخبرنا من لفظه حين اجتماعنا به في النجف الأشرف سنة 1353 فما ذكر في تاريخ ولادته غير هذا فهو خطأ. وتوفي ليلة الثلاثاء 9 ذيالحجة سنة 1365 في الكاظمية عن 81 سنة وحمل نعشه إلى النجف الأشرف فدفن فيه وشيع تشييعا عظيما لم يسبق له مثيل في بغداد وكربلاء والنجف وعطلت أسواق طهران عاصمة إيران ثلاثة أيام حدادا عليه وأقيمت له مجالس الفاتحة في مدن إيران ومدن العراق وقصباته ودمشق وفي جملة من بلاد جبل عامل وسوريا وحضر شاه إيراه ووزراؤه مجلس فاتحته في طهران واشترك في مآتمه عظماء المسلمين من جميع النحل وعظماءالنصارى واليهود وغيرهم.
أحواله
التي أخبرنا بها من لفظه في النجف الأشرف.
عام 1352 قال إن والده لم يكن من أهل العلم وإنما كان جده من العلماء وقرأ جده في النجف الأشرف على الشيخ موسى ابن الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء وكتب تقريرات درسه وهي عند المترجم. وولد السيد محمد أبو المترجم في كربلاء حين مجيء والده إلى العراق لطلب العلم. وقرأ المترجم أولا في قريته على بعض أهل العلم فيها ثم رحل في أوائل البلوغ إلى أصفهان فقرأ على علمائها وأتمفيها السطوح وحضر في دروس الخارج وكان ممن قرأ عليهم في أصفهان الشيخ محمد الكاشي وكان الشيخ محمد هذا عالما في علوم عديدة منها علم الحكمة العقلية والرياضي ثم رحل المترجم إلى النجف الأشرف سنة 1308 وأخذ عن الميرزا حبيب الله الرشتي في الفقه إلى أن توفي الرشتي سنة 1312 واختص بالشيخ ملا كاظم الخراساني فحضر دروسه في الفقه والأصول إلى أن توفي الخراساني سنة 1329 فاستقل بالتدريس. هذا ما أخبرنا به من لفظه حينما سألناه عن ترجمة أحواله.
ومن لطيف الاتفاق أن سنة ولادته موافقة لسنة ولادتنا ومجيئه إلى العراق في سنة مجيئنا إليها وقال إنني جئت بعد وفاة الشيخ محمد حسين الكاظمي الذي توفي سنة 1308 وفي تلك السنة كان مجيئنا بعد وفاة المذكور وكان شريكنا في درس الشيخ ملا كاظم الخراساني في الأصول. هذا مع المشابهة بيننا في الشكل حتى كثير من الناس يشتبه بيننا وبينه حين تشرفنا بزيارة النجف سنة 1352، وافترقنا عنه بالسكنى في بلاد مضيعة العلماء وبما نحمد الله عليه من أننا لم نبتل بكثير مما ابتلى به فلعل سكنانا بلاد المضيعة كان لخير إرادة الله بنا، وبأنه اشتغل طول عمرنا وفي ليلنا ونهارنا في انزوائنا بالتأليف والتصنيف والقضاء وبعض مصالح العباد وأجوبة المستفتين وبأننا بقينا بعده إلى مدة لا ندري منتهاها بعد ما مات أكثر لداتنا ونسأله تعالى أن يجعل باقي عمرنا مصروفا فيما يرضيه عنا ويحسن لنا الخاتمة.
بقية أحواله التي عرفناها
كان عالما من أعلام الدين وإماما من أعظم أئمة المسلمين وقد انحصرت الرياسة العلمية الدينية في النجف الأشرف فيه وفي معاصره الميرزا حسين النائيني وقلدا في العراق وسائر الأقطار ثم انحصرت الرياسة فيه بعد وفاة النائيني سنة 1355 ومن جليل أعماله جراية الخبز على الطلبة بالنجف وما يعولون والنفقات المالية وإرساله المرشدين من أهل العلم إلى الأقطار في إيران والعراق حتى البلاد التي يكون فيها عدد قليل من الشيعة وقيامه بنفقاتهم وإيصاؤهم أن لا يقبلوا من أحد شيئا وتفقده أهل البيوتات والمستوردين وبره بهم وعنايته بتطبيب المرضى منهم وإرسالهم إلى البلدان التي فيها حذاق الأطباء وقيامه بنفقاتهم. ولما ظهر أن في كركوك ونواحيها عدد كثير يبلغ الألوف من المنتمين إلى ولاء أهل البيت وذلك بعد تقلص حكم العثمانيين عن تلك الديار وقد استولى عليهم الجهل وانتشر فيهم التصوف الغير المحمود والغلو وجهلوا أحكام الدين الإسلامي وأعماله أرسل إليهم الدعاة والمرشدين وعين لهم المشاهرات الوافية فكان يصل إلى بعضهم خمسماية روبية في الشهر عدا ما يرسل إليه من الخلع والعباءات الفاخرة ليهدوها إلى الرؤساء استمالة لهم وألف لهم رسالة في أحكام العبادات بالتركية الشائعة بينهم وطبعها ووزعها عليهم وبنى لهم المساجد والحسينات وإن كان بعض من أرسلهم أولا لم يحسن الدعاية على وجهها.
وكانت الحكومة العراقية الإنكليزية بعد احتلال العراق عقيب الحرب العامة الأولى وقيام الثورات فيه قد أبعدته مع زميله النائيني إلى بلاد إيران بتهمة التدخل في منع الانتخابات النيابية فاحتفلت بهما إيران احتفالا عظيما فجاءا إلى قم وبقيا فيها مدة ثم عادا إلى العراق. وجبيت إليه الأموال من أقاصي البلاد وأدانيها ولم يبلغ أحد في عصره ما بلغه من ذلك حتى بلغت نفقاته في كل شهر من عشرين ألف إلى ثلاثين ألف دينار عراقي فينفقها على طلاب العلم والفقراء ومن تلزم مصانعتهم وتأليف قلوبهم. ولو كان هذا الدخل والخرج في بيئة صالحة وأعوان مخلصين لأنتج على الأمة نتائج باهرة وأثمر ثمرات عظيمة وأخرج من فحول العلماء وطبقات الفضلاء امة كبيرة زيادة على ما خرج واوجد في العالم الإسلامي دعاية واسعة منتجة مثمرة وكان مدعاة للجد والعمل لا للبطالة والكسل. وهكذا فإن أعمالنا كما بيناه في موضع آخر من هذا الكتاب لا يكون لها دوام وتكون أعمارها مقرونة بأعمار القائمين بها فإذا ماتوا ماتت بموتهم لعدم ابتنائها على أساس الدوام.
نظرته عام سفري للعراق سنة 1352 ومارسته فرأيت فيه رجلا كبير العقل واسع العلم والفقه بعيد النظر دقيقة صائب الرأي عميق الفكر حسن التدبير واسع التفكير عارفا بمواقع الأمور جاهدا في إصلاح المجتمع-لو استطاع-شفيقا على عموم الناس عالي الهمة سخي جليل المقدرة عظيم السياسة مضافا إلى مكانته العلمية في الفقه والاجتهاد وإن ما حازه من الرياسة العامة كان عن جدارة واستحقاق. ولم يبرز منه مؤلف غير الرسائل العملية في أحكام العبادات وذلك لاشتغاله بالتدريس وأجوبة المسائل التي ترد عليه من الاستفتاءات من جميع الأقطار وأجوبة الرسائل التي ترد عليه في شتى الأمور وانشغاله بأمور الرياسة ومباشرة أكثر أمورها بنفسه وذلك لا يترك له فراغا لأن يخط سطرا واحدا في التصنيف والتأليف. ولما ألفنا رسالة التنزيه لأعمال الشبيه وهاج هائج المغرضين واستهووا العامة والرعاع، كان له موقف حازم في نصرتنا وتأييد نظرنا بقدر الاستطاعة وأصابه رشاش مما أصابنا كما أخبرنا بذلك حين اجتماعنا به في الكوفة ثم ما لبث الزبد أن ذهب جفاء.
ما أسداه إلينا من الجميل في سفرنا لزيارة العتبات العاليات عام 1352-1353
فقد أوفد وفدا من قبله لاستقبالنا في كربلاء وآخر لاستقبالنا في خان الحماد وخرج لملاقاتنا في جميع غفير من العلماء والفضلاء والوجهاء وغيرهم حين دخولنا النجف وانزلنا في داره ليلة وصولنا للنجف ثم كرر الزيارة لنا بعد وصولنا للنجف في أغلب الأيام كما كرر الزيارة لنا بمنزلنا بالكوفة ولما عزمنا على التوجه لزيارة الرضا عليه السلام حضر إلى منزلنا وطلب إخلاء الحجلس ثم قال أتريد السفر إلى إيران قلت نعم فقال يلزم أن تستعد للباس يقي البرد لأن إيران باردة وكثيرة الثلج وكان ذلك في أوائل نيسان ثم قال وأين تريد أن تنزل في طهران قلت أنا رجل درويش لا أبالي أين أنزل قال هذا لا يمكن إن إيران ليست جبل عامل فلا بد من نزولك في منزل معروف قلت إن رجلا ممن ينتسب إلى العلم من أهل طهران كان في النجف وعرض علي النزول في داره وأجبته قل هذا لا يصلح أن تنزل في داره قلت قد وعدته بذلك ويصعب علي خلف الوعد قال المحافظة على مكانة العلم من خلف الوعد فاختر غيره من أهل المكانة في العلم لأكتب له بذلك قلت أنا لا أعرف أحدا هناك وإنما أسمع بالشيخ إسحاق الرشتي والسيد محمد البهبهاني قال اختر أحدهما لاكتب له فاخترنا الرشتي ثم قال إذا لزمك أمر في كرمانشاه فراجع فلانا وإذا لزمك أمر في خراسان فراجع فلانا ثم طلب دفترا فكتب أسماءهم فيه بخط يده فشكرته على ذلك وانصرف ولكني لم أحتج والحمد لله إلى مراجعة احد من هؤلاء إلا الخراساني فراجعته في بعض الأمور. وبعد سفرنا إلى إيران كان يستخبر عن أحوالنا في كل بلدة نصلها وعن جزئيات أمورنا وكلياتها في جميع مدن إيران وبلدانها وتأتيه أخبارنا في كل يوم وكل مكان. ولما رجعنا من إيران إلى العراق بعدما أقمنا في إيران نحو خمسةأشهر ونصف شهر التقينا به في كربلاء فأول ما رأيناه قال أتريد ان نكلمك بالفارسي أو بالغربي قلت بما شئت فقال لا تذكر لي شيئا مما جرى لك في إيران، كله عندي علمه، وأخبارك كانت تأتيني يوما فيوم وساعة فساعة، ورأيته مولعا بتدخين النارجيلة فنهيته عن ذلك فكان يمتنع عن تدخينها بحضوري. وذكرت له في النجف أثناء الحديث ما عملته في سوريا مما ربما يكون إصلاحا فقال لي أتدري لماذا هذه الأعمال ذلك لأنه ليس معك فيها أحد من أهل هذا السلك. وقد ابتلى بقتل ولده وفلذة كبده السيد حسن الذي مرت ترجمته في محلها فقد قتل ذبحا في الصحن الشريف العلوي وهو في صلاة الجماعة خلف والده بين العشائين من رجل يدعى علي القمي من اللامزين في الصدقات انتقاما من والده إذ لم يعطه من المال فوق ما يستحق فشحذ سكينا وذبح بها هذا النجل الكريم بين مئات من المصلين وخرج من الصحن الشريف شاهرا سكينه حتى دخل المخفر القريب من الصحن وسلم نفسه للجنود الذين فيه ليسلم من القتل وحكم عليه بالسجن فصبر والده واحتسب وانهالت برقيات ورسائل التعازي عليه من جميع الأقطار وهو يجيب عن جميعها. وقبل وفاته بسنين قليلة عرض له ضعف في المزاج وتوالت عليه الأمراض فكان يخرج في أيام الصيف إلى الكاظمية وسامراء فيقيم فيها لتغيير الهواء فتنهال عليه البرقيات والرسائل للاستعلام عن صحته فيجيب عن جميعها حتى أنه كان ينفد الورق المعد للبرقيات من عند مأمور البرق والبريد لكثرة ما يرد عليه ويجيب عنه فيكتبها على ورق عادي. وفس السنة التي توفي فيها أشير عليه بتغيير الهواء فأراد الذهاب إلى إيران ثم امتنع لما كان فيها من القلاقل وعزم على قضاء فصل الصيف في بعلبك وجاء متكتما ولكن الخبر انتشر رغم التكتم فبلغنا ونحن بدمشق فخرجنا مع جمع من الإخوان من جميع الطبقات إلى أبي الشامات وكان في النية أن ندعوه ليعرج على دمشق وزين الحي لقدومه واستعد أحد الإخوان لوليمة كبيرة ولكن لما قابلناه اعتذر بأنه لا يستطيع النهوض وإن إحدى يديه لا يستطيع تحريكها وإنه يحتاج إلى أن يحمل من السيارة حملا على الأكف ودخوله دمشق بهذه الحالة موجب للحزن بدلا عن ان يكون موجبا للسرور فعذرناه وشيعناه بعد خروجه من دمشق مسافة وعدنا وأرسلت الحكومة السورية سيارة مصفحة فيها ثلة من الجند تلقته إلى الحدود السورية ورافقته حتى وصل دمشق واوفدت أحد رجالها مع المستقبلين وفي اليوم الثاني من وصوله لبعلبك أرسل ولده الآقا حسين مع لفيف من أصحابه لرد الزيارة لنا والاعتذار عن عدم تعريجه على دمشق بشدة الضعف والمرض ثم زرناه في بعلبك في وفد من الإخوان في عدد كبير من السيارات فأعاد اعتذاره عن عدم التعريج على دمشق وتوافدت عليه الوفود وهو في بعلبك من جميع الأقطار من الوجهاء والكبراء والعلماء في جبل عامل وبلاد بعلبك وبيروت ودمشق وسائر أقطار سوريا، وعرض له وهو في بعلبك بعدما حسنت صحته شيئا ما ان سقط على الأرض فأصيب بكسر في فخذه وخروج عظم وركه من موضعه وعولج من قبل المجبرين ثم سافر مع حاشيته في طائرة لبنانية وتوفي في الكاظمية بعد وصوله بأيام قلائل وفجع بوفاته العالم الإسلامي رحمه الله رحمة واسعة وحق أن يقال فيه:

مراثيه
رثاه جماعة من شعراء العراق وجبل عامل وسوريا بقصائد كثيرة نختار منها ما يأتي:
قال السيد حسن ابن عمنا السيد محمود الأمين:
أخصبت أرضه بفيض أياد_يك وكادت تخضر منه الصخور
وقال الشيخ سليمان ظاهر:
وقال الشيخ أحمد صندوق يرثيه ويعزي عنه المؤلف:
وقال الشيخ عبد المهدي مطر:
وقال السيد محمد جمال الهاشمي:
وقال السيد طالب الحيدري من قصيدة:
وقال الشيخ أحمد الدجيلي من قصيدة:
وقال الشيخ صالح قفطان من قصيدة:
وقال حسين الحاج وهج العماري من قصيدة:
وقال محمد جواد الغبان النجفي من قصيدة:
وقال الشيخ محمد حسن آل يسن من قصيدة:
وقال السيد صادق الأعرجي مؤرخا وفاته من أبيات:
وقال السيد عبد الحسن الزلزلة من قصيدة:

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 331