ابن العودي النيلي لم نعرف اسمه وقد فاتنا ذكره فيما بدئ بابن وذكرنا هناك أن ابن العودي اسمه بهاء الدين محمد بن علي بن الحسن العودي العاملي الجزيني وهو غير ابن العودي هذا لأن ذاك تلميذ الشهيد الثاني وهذا مقدم على ابن شهراشوب أو معاصر له. وابن العودي النيلي لم نجد له ذكرا إلا في مناقب ابن شهراشوب ولم نطلع من آثاره إلا على قصيدة له ميمية علوية أورد أكثرها ابن شهراشوب في المناقب في مواضع متفرقة مرة بعنوان ابن العودي ومرة بعنوان ابن العودي النيلي ومر في ترجمة الشيخ شهاب الدين إسماعيل ابن الشيخ شرف الدين أبي عبد الله الحسين العودي العاملي الجزيني أن صاحب الطليعة نسب أبياتا من هذه القصيدة إلى الشيخ شهاب الدين المذكور واستظهرنا أن ابن العودي النيلي غير شهاب الدين لأن النيل بلد بالعراق وجزين قرية في جبل عامل.
وقد عثرنا على هذه القصيدة في بعض المجاميع القديمة من خبايا الزوايا منسوبة إلى العودي وقد رسم العودي وفوق العين ضمة ولسنا نعلم إلى أي شيء هذه النسبة. وفي الرياض أورد إجازة الشهيد الأول للشيخ علي بن الحسن بن محمد الخازن بالحائر الحسيني عن خط الأمير محمد أمين الشريف عن خط المولى محمود بن محمد بن علي الجيلاني عن خط الشيخ بهاء الدين محمد بن علي الشهير بابن بهاء الدين العودي عن خط ناصر بن إبراهيم البويهي عن خط الشهيد ’’انتهى’’ فلعله صاحب القصيدة قال:
متى يشفي من لاعج الشوق مغرم | وقد ولج بالهجران من ليس يرحم |
إذا هم أن يسلو أبى عن سلوه | فؤاد بنيران الأسى يتضرم |
ويثنيه عن سلوانه لخريدة | عهود التصابي والهوى المتقدم |
رمته بلحظ لا يكاد سليمه | من الخبل والوجد المبرح يسلم |
إذا ما تلظت في الحشا منه لوعة | طفتها دموع من أماقيه سجم |
مقيم على أسر الهوى وفؤاده | تغور به أيدي الهموم وتتهم |
يجن الهوى عن عاذليه تجلدا | فيبدي جواه ما يجن ويكتم |
يعلل نفسا بالأماني سقيمة | وحسبك من داء يصح ويسقم |
رعى الله ذياك الزمان وأعصرا | لهونا بها والرأس أسود أسحم |
وقد غفلت عنا الليالي وأصبحت | عيون العدى عن وصلنا وهي نوم |
فكم من ثدي قد ضمت غصونها | إلي وأفواه لها كنت ألثم |
أجيل ذراعي لاهيا فوق منكب | وخصر غدا من ثقله يتظلم |
وامتاح راحا من شنيب كأنه | من الدر والياقوت في السلك ينظم |
فلما علاني الشيب وابيض مفرقي | وبان الصبا واعوج مني المقوم |
وأضحى مشيبي للعذار ملثما | به ولرأسي بالبياض يعمم |
وأمسيت من وصل الغواني مخيبا | كأني من سيبي لديهن مجرم |
بكيت على ما فت منى ندامة | كأني خنساء به أو متمم |
وأضيفت مدحي للنبي وصنوه | وللنفر البيض الذين هم هم |
هم التين والزيتون آل محمد | هم شجر الطوبى لمن يتفهم |
هم جنة المأوى هم الحوض في غد | هم اللوح والسقف الرفيع المعظم |
هم آل عمران هم الحج والنسا | هم سبأ والذرايات ومريم |
هم آل ياسين وطاها وهل أتى | هم النحل والأنفال لو كنت تعلم |
هم الآية الكبرى هم الركن والصفا | هم الحج والبيت العتيق وزمزم |
هم في غد سفن النجاة لمن وعى | هم العروة التي ليس تقصم |
هم الجنب جنب الله واليد في الورى | هم العين لو قد كنت تدري وتفهم |
هم السر فينا والمعاني هم الأولى | نيمم في مناهجهم حيث يمموا |
هم الغاية القصوى هم منتهى المنى | سل النص في القرآن ينبئك عنهم |
هم في غد للقادمين سقاتهم | إذا وردوا والحوض بالماء مفعم |
هم شفعاء الناس في يوم عرضهم | إلى الله فيما أسرفوا وتجرموا |
هم منقذونا من لظى النار في غد | إذا ما غدت في وقدها تتضرم |
هم باهلوا نجران من داخل العبا | فعاد المنادي عنهم وهو مفحم |
وأقبل جبريل يقول مفاخرا | لميكال من مثلي وقد صرت منهم |
فمن مثلهم في العالمين وقد غدا | لهم سيد الأملاك جبريل يخدم |
ومن ذا يساميهم بفخر فضيلة | من الناس والقرآن يؤخذ عنهم |
أبوهم أمير المؤمنين وجدهم | أبو القاسم الهادي النبي المكرم |
فهذا إذا عد المناسب في الورى | هو الصهر والطهر النبي له حم |
هم شرعوا الدين الحنيفي والتقى | وقاموا بحكم الله من حيث يحكم |
وخالهم المشهور والأم فاطم | وعمهم الطيار في الخلد ينعم |
وأين كزوج الطهر فاطمة أبي | الشهيدين أبناء الرسول وهم هم |
إلى الله أبرا من رجال تبايعوا | على قتلهم أهل التقى كيف أقدموا |
حموهم لذيذ الماء والماء مفعم | وأسقوهم كأس الردى وهو علقم |
وعاثوا بآل المصطفى بعد موته | بما قتل المختار بالأمس منهم |
وثاروا عليه ثورة جاهلية | على انه ما كان في القوم مسلم |
وألقوهم في الغاضرية حسرا | كأنهم قف على الأرض جثم |
تحاماهم وحش الفلا وتنوشهم | بأجنحة طير الفلا وهي حوم |
بأسيافهم أردوهم وبدينهم | أريق بأطراف القنا منهم الدم |
وأنى لهم أن يبرأوا من دمائهم | وقد أسرجوها للخصام وألجموا |
وقد علموا أن الولاء لحيدر | ولكنه ما زال يؤذى ويظلم |
فنازعه في الأمر من ليس مثله | وآخر وهو اللوذعي المقدم |
وأفضوا إلى الشورى بها بين ستة | وكان ابن عوف فيهم المتوسم |
متى قيس ليث الغاب يوما بغيره | وأين من الشمس المنيرة أنجم |
ولكن أمور قدرت من مقدر | ولله صنع في الإرادة محكم |
وكم فئة في آل أحمد أهلكت | كما هلكت من قبل عاد وجرهم |
فما عذرهم للمصطفى في معادهم | إذا قال لم خنتم بآلي وجرتم |
وما عذرهم إن قال ماذا صنعتم | بآلي من بعدي وماذا فعلتم |
نبذتم كتاب الله خلف ظهوركم | وخالفتموه بئس ما قد صنتم |
وخلفت فيكم عترتي لهداكم | فلم قمتم في ظلهم وقعدتم |
قلبتم لهم ظهر المجن وجرتم | عليهم وإحساني إليكم أضعتم |
وما زلتم بالقتل تطغون فيهم | إلى أن بلغتم ما أردتم |
كأنهم كانوا من الروم فالتفت | سراياكم راياتهم فظفرتم |
ولكن أخذتم من بني بثاركم | فحسبكم جرما على ما اجترأتم |
منعتم تراثي ابنتي وسليلتي | فلم أنتم آباءكم قد ورثتم |
وقلتم نبي لا تراث لولده | أللأجنبي الإرث فيما زعمتم |
وهذا سليمان لداود وارث | ويحيى أباه كيف أنتم منعتم |
وقلتم حرام متعة الحج والنسا | اعن ربكم أم أنتم قد شرعتم |
ألم يأت ما استمتعتم من حليلة | فآتوا لها من أجرها ما فرضتم |
فهل نسخ القرآن ما كان قد آتى | بتحليله أم أنتم قد نسختم |
وكل نبي جاء قبلي وصيه | مطاع وأنتم للوصي عصيتم |
ففعلكم في الدين أضحى منافيا | لفعلي وأمري غير ما قد أمرتم |
وقلتم مضى عنا بغير وصية | ألم أوص لو طاوعتم وعقلتم |
وقد قلت من لم يوص من قبل موته | يمت جاهلا بل أنتم قد جهلتم |
نصبت لكم بعدي إماما يدلكم | على الله فاستكبرتم وظلمتم |
وقد قلت في تقديمه وولائه | عليكم بما شاهدتم وسمعتم |
علي غدا مني محلا وقربة | كهارون من موسى فلم عنه حلتم |
شقيتم به شقوى ثمود بصالح | وكل امرئ يبقى له ما يقدم |
وملتم إلى الدنيا فتاهت عقولكم | ألا كل مغرور بدنياه يندم |
لحا الله قوما جلبوا وتعاونوا | على حيدر ماذا أساؤا وأجرموا |
وقد نصها يوم الغدير محمد | وقال لهم يا أيها الناس فاعلموا |
علي وصيي فاتبعوه فإنه | إمامكم بعدي إذا غبت عنكم |
فقالوا رضيناه إماما وحاكما | علينا ومولى وهو فينا المحكم |
رأوا رشدهم في ذلك اليوم وحده | ولكنهم عن رشدهم في غد عموا |
ونازعه فيها رجال ولم يكن | لهم قدم فيها ولا متقدم |
يقيم حدود الله في غير حقها | ويفتي إذا استفتي بما ليس يعلم |
ويبطل هذا رأي هذا بقوله | وينقض هذا ما له ذاك يبرم |
وقالوا اختلاف الناس في الدين رحمة | فلم يك من هذا يحل ويحرم |
أقد كان هذا الدين قبل اختلافهم | على النقص من دون الكمال فتمموا |
أما قال إن اليوم أكملت دينكم | وأتممت بالنعماء مني عليكم |
وقال أطيعوا الله ثم رسوله | تفوزوا ولا تعصوا أولي الأمر منكم |
وما مات حتى أكمل الله دينه | ولم يبق أمر بعد ذلك مبهم |
يقرب مفضول ويبعد فاضل | ويسكت منطيق وينطق أبكم |
وهل عظمت في الدهر قط مصيبة | على الناس إلا وهي في الدين أعظم |
ولو أنه كان المولى عليهم | إذ لهداهم وهو بالأمر أقوم |
هو العالم الحبر الذي ليس مثله | هو البطل القرم الهزبر العشمشم |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 277