الأبرش الكلبي روى الكليني وابن شهراشوب في المناقب حديثا يدل على اعترافه بفضل الباقر عليه السلام على جميع الخلق في زمانه وربما دل صدر الحديث على أنه كان أولا على خلاف ذلك قال ابن شهراشوب في المناقب قال الأبرش الكلبي لهشام من هذا الذي احتوشه أهل العراق يسألونه؟ قال هذا نبي أهل الكوفة وهو يزعم أنه ابن رسول الله وباقر العلم ومفسر القرآن فاسأله مسألة لا يعرفها فأتاه وقال يا ابن علي قرأت التوراة والإنجيل والزبور والفرقان؟ قال نعم؟ قال: فإني أسألك عم مسائل قال سل فإن كنت مسترشدا فستنتفع بما تسأل عنه قال كم الفترة التي كانت بين محمد وعيسى عليهما السلام؟ قال أما في قولنا فسبعمائة سنة وأما في قولك فستمائة سنة قال فأخبرني عن قوله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ما الذي يأكل الناس ويشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة قال يحشر الناس على مثل قرص النقي فيها أنهار متفجرة يأكلون ويشربون حتى يفرغ من الحساب فقال هشام قل له ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ قال هم في النار أشغل ولم يشغلوا عن أن قالوا: {أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله} قال فأخبرني عن قول الله تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} كان في أيامه من الرسل من يسألهم فيخبروه فأجاب عن ذلك بمثل ما تقدم من فصل الميثاق من هذا (أقول) لم أعثر على ما ذكره فيما تقدم من فصول كتابه والذي ذكره المفسرون أن المراد واسأل أمم من أرسلنا قبلك على حذف المضاف أو نحو ذلك. قال فنهض الأبرش وهو يقول أنت ابن بنت رسول الله حقا ثم صار إلى هشام فقال دعونا منكم يا بني أمية فإن هذا أعلم أهل الأرض بما في السماء والأرض فهذا ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد روى الكليني هذه الحكاية عن نافع غلام بن عمرو وزاد فيها زيادة (أقول) فهي واقعة أخرى مع نافع كالتي مع الأبرش والتي مع سالم مولى هشام كما مر في مناقب الباقر عليه السلام.
وجدنا في مجموعة ورام أنه روي عن الأبرش الكلبي وقد قام ليصلح المصباح فقال صاحب المجلس له: ليس من المروءة أن يستخدم الرجل ضيفه ’’اه’’ والظاهر أنه أبو مجاشع الأبرش بن الوليد الكلبي القضاعي الذي ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق وأنه كان في عصر هشام بن عبد الملك وبقي إلى عصر المنصور قال ابن عساكر في تاريخ دمشق: أبرش بن الوليد يتصل نسبه بقضاعة كان أحد الفصحاء من أصحاب هشام بن عبد الملك ولما أفضت الخلافة إلى هشام سجد من كان حوله شكرا ولم يسجد أبرش فلما رفع هشام رأسه قال ما منعك من السجود وقد سجدت أنا وهؤلاء فقال أما أنت فقد أتتك الخلافة فشكرت الله على عطاء جزيل وأما هذا فكاتبك وشريك وأما هذا فحاجبك المؤدي عنك وإليك وأما أنا فرجل من العرب لي بك حرمة وخاصية وأنا أخاف أن تغيرك الخلافة فعلى ماذا أسجد فقال له إن الذي منعك من السجود هو ما ذكرت فقال نعم فقال له لك ذمة رسوله أن لا أتغير عليك فقال الآن طاب السجود الله أكبر. وقال دخلت على هشام فسألته حاجة فامتنع علي فقلا يا أمير المؤمنين لا بد منها فإنا قد ثنينا عليها رجلا فقال ذاك أضعف لك أن تثني رجلك على ما ليس عندك فقلت يا أمير المؤمنين ما كنت أظن لي أني أمد يدي إلى شيء مما كان قبلك إلا نلته وقال ولم قلت لأني رأيتك لذلك أهلا ورأيتني مستحقه منك فقال يا أبرش ما أكثر من يرى أنه مستحق أمرا ليس بأهل فقلت أف لك والله ما علمتك قليل نكده والله لا نصيب منك الشيء إلا بعد مسألة فإذا وصلت إلينا مننت به والله ما أصبنا منك خيرا قط قال والله ولكنا وجدنا الأعرابي أقل شيء شكرا قلت والله إني لأكره الرجل يحصي ما يعطي. ودخل عليه أخوه سعيد بن عبد الملك ونحن في ذلك فقال مه يا أبا مجاشع لا تقل ذلك لأمير المؤمنين فقال هشام أترضى بأبي عثمان بيني وبينك قلت نعم قال سعيد ما تقول يا أبا مجاشع قلت لا تعجل صبحت والله هذا وهو أرذل بني أبيه وأنا سيد قومي يومئذ وأكثرهم مالا وأوجههم جاها ادعى ‘لى الأمور العظام من قبل الخلفاء وما يطمع هذا يومئذ فيما صار إليه حتى إذا صار إلى البحر الأخضر غرف لنا منه غرفة ثم قال حسبك فذاك فقال هشام يا أبرش اغفرها لي فوالله لا أعود لشيء تكرهه أبدا صدق يا أبا عثمان قال فوالله ما زال مكرما لي حتى مات وكتب الفرزدق أبياتا إلى سعيد بن الوليد يخاطب بها الأبرش ليكلم فيه هشاما يقول فيها:
إلى الأبرش الكلبي أسندت حاجة | تواكلها حيا تميم ووائل |
على حين أن زلت بي النعل زلة | واخلف ظني كل حاف وناعل |
فدونكها يا ابن الوليد فإنها | مفضلة أصحابها في المحافل |
وأويتها يا ابن الوليد فقم بها | قيا امرئ في قومه غير جاهل |
لقد وثب الكلبي وثبة حازم | إلى خير خلق الله نفسا وعنصرا |
إلى خير أبناء الخلافة لم تجد | لحجته من دونه متأخرا |
أفي حلف كلب من تميم وعقدها | لما سنت الآباء أن يتعمرا |
تميم إلى كلب وكلب إليهم | أحق وأولى من صداء وحميرا |
أعاشر قوما لست أخبر بعضهم | بأسرار بعض عن صدري واسع |
أغر بين حاجبيه نوره | إذا توارى ربه ستوره |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 256