السيد إبراهيم ابن السيد محمد ابن السيد علي الحسني البغدادي
توفي سنة 1227.
هو والد السيد حيدر الذي ينتسب إليه آل السيد حيدر الشهيرين القاطنين في الكاظمية وبغداد وهم أهل بيت علم وفضل وتقوى وحسن أخلاق من مشاهير بيوتات العلم في العراق وفيهم يقول الشيخ جابر الكاظمي الشاعر المشهور من قصيدة:
كرام لقد سادوا الكرام بمحتد | سما رفعة في مجده كل محتد |
نمتهم إلى غر المكارم سادة | ومت بضبعيهم إلى كل سؤود |
زكت في الورى أعراقهم فزكت لهم | عناصر قد منت بأكرم سيد |
وما منتم قد ساد إلا وساده | فتى ينتمي مجدا لآل محمد |
ومن غدا أزكى النبيين جده | تناهى وما أبقى على لممجد |
فما بعد هذا المجد مجد لماجد | وما بعد هذا الفضل فضل لأصيد |
لذا قد غدا أزكى الورى آل حيدر | وأكرم أبناء العلى آل أحمد |
هو ورثوا العلياء من كل أمجد | توارثها عن سيد بعد سيد |
وكل فتى منهم يلفع بالعلى | وبالعلم والتقوى وبالمجد يرتدي |
وكل به في شرعة الحق يقتدي | وكل به في منهج الرشد يهتدي |
وهم قلدوا جيد الوجود مناقبا | يروح دوام الدهر فيها ويغتدي |
فطوق منهم بالعلى كل عاطل | وقلد بالمعروف كل مقلد |
وكم بددوا بين البرية من ندى | به جمعوا للمجد كل مبدد |
أعاروا البرايا العلم منهم ومنهم | تعود بث الجود من لم يعود |
لم أبك ذكر معالم وديار | قد أصبحت ممحوة الآثار |
واستوحشت بعد الأنيس فما ترى | فيهن غير الوحش من ديار |
كلا ولا وصل العذارى شاقني | فخلعت في حبي لهن عذاري |
كلا ولا برق تألق من ربى | نجد فهيج مذ سرى تذكاري |
لكن بكيت وحق أن أبكي دما | لمصاب آل المصطفى الأطهار |
وإذا تمثلت الحسين بكربلا | أصبحت ذا فلق ودمع جاري |
لم أنسه فردا يجول بحومة الـ | ـهيجاء كالأسد الهزبر الضاري |
لا غرو إن أضحى يكر على العدى | فهو ابن حيدر الفتى الكرار |
حتى أحيط به وغودر مفردا | خلوا من الأعوان والأنصار |
يا للحماة لمصعب تقتاده | أيدي الردى بأزمة الأقدار |
يا للملا لدم يطل محللا | بمحرم لمحمد المختار |
يا للرجال لهاتف يدعو إلا | هل من محام وهو حامي الجار |
ويموت ظمآن الفؤاد ولم تغر | أسفا مياه لسبعة الأبحار |
وبنوه صرعى كالأضاحي حوله | ما بين بدر دحى وشمس نهار |
أين الخضارمة القماقم من بني | مضر وأين ليوث آل نزار |
كم من مخدرة لآل محمد | قد أبرزت حسرى من الأستار |
نحر له الهادي النيب مقبل | أضحت تقبله شفاه شفار |
صدر يرضض بالخيول وانه | كنز العلوم وعيبة الأسرار |
يا جد هل خبرت أن حماتنا | قد أصبحوا خبرا من الأخبار |
يا مدركا الأوتار أدركنا فقد | عظم البلا يا مدرك الأوتار |
فإليك يا غوث العباد المشتكى | مما ألم بنا من الأشرار |
والمؤمنون على شفا جرف الردى | فبدار يا ابن الأكرمين بدار |
يا سيدا بكت الوحوش عليه في الـ | ـفلوات والأطيار في الأشجار |
يا ابن النبي الهاشمي ومن أتى | للعالمين بأصدق الأخبار |
يا رب أظهر ديننا بظهوره | وانصره واجعلنا من الأنصار |
يا منية الكرار بل مهجة الـ | ـمختار بل صفوة الجبار |
أتزل بي قدم ومثلك آخذ | بيدي وأنت غدا مقيل عثاري |
ويذوق حر النار من ينمى إلى الـ | ـكرار وهو غدا قسيم النار |
أو يختشي منها ونار سميه | بكم خبت في سالف الأعصار |
ولقد بذلت الجهد مدحي لكم | طمعا بأن تمحى بكم أوزاري |
صلى الإله عليكم وأحلكم | دار السلام فنعمى عقبى الدار |
لهفي لتلك الرؤوس يرفعها | على رؤوس الرماح أوضعها |
لهفي لتلك الجسوم عارية | وذاريات الصبا تلفعها |
لهفي لتلك الصدور توطأ بالخيـ | ـل ومنها العلوم أجمعها |
لهفي لتلك الأسود قد ظفرت | بها كلاب الشقا وأضبعها |
لهفي لتلك الأوصال تنهبها السمـ | ـر وبيض، الظبا تقطعها |
لهفي لتلك البدور تأفل في التر | ب وأوج الجمال مطلعها |
لهفي لتلك البحور قد نضت | وكم طما دافقا تدفعها |
لهفي لتلك الجبال تنسفها | من عاصفات الضلال زعزعها |
لهفي لتلك الغصون ذاوية | ومن أصول التقى تفرعها |
لهفي لتلك الديار موحشة | تبكي لفقد الأنيس أربعها |
لله رزء حزنه لا ينفد | يفنى الزمان وذكره يتجدد |
رزء به طرف المعالي مطلق | وفؤادها بين الهموم مقيد |
رزء له في كل شعلة | لا تنطفي وحرارة لا تبرد |
رزء وهي الزوراء فانفجعت له | بطحاء مكة فالصفا فالمسجد |
رزء أصيب به قبيل محمد | لا بل أصيب به النبي محمد |
مالي أرى الدنيا تخر جبالها | هدا للأخرى تدانى الموعد |
ما للبسيطة لا تمور وقد هوى | من شمها العلم المنيف المفرد |
ما للمحافل أظلمت جنباتها | أخبا سنا مصباحها المتوقد |
ما للمساجد قد خلت عرصاتها | أفبان عنها الناسك المتجهد |
ما للمدارس من بعد درس علومها | درست معالمها وأقوى المعهد |
ما بال أم الفضل تعلن ندبها | أقضى ابن يجدتها الهمام الأوحد |
ما بال شرعة أحمد قد عطلت | أحكامها أفبان عنها أحمد |
ما للنوائب لا تزال سهامها | أبدا إلى مهج الكرام تسدد |
هن الليالي لا تزال بنقض ما | قد أبرمته ذوو المعالي تجهد |
اليوم بيت الفخر خر عماده | وانقض من أفق الهداية فرقد |
اليوم هدم هادم اللذات ما | هو من بناء المكرمات مشيد |
اليوم صوح نبت أندية الندى | وعفا برغم المجد ذاك المعهد |
اليوم جدد حزننا في أحمد | ناهيك حزنا لا يزال يجدد |
بكر النعي به فظل الناس من | دهش المصاب به تقوم وتقعد |
لا كان في الأيام يوم مصابه | ما يومه إلا العبوس الأنكد |
وأخيبة القصاد قد ذهب الذي | قد كان للقصاد نعم المقصد |
أفبعد أحمد نرتجي للناس من | يهدي إلى نهج السبيل ويرشد |
قد كان شمل الأنس منتظما به | فمضى فعقد نظامه متبدد |
أودى فقلب المجد بعدج وفاته | قلق وطرف المكرمات مسهد |
أودى فأية مهجة من بعده | تهوى الحياة وأي عين ترقد |
مصاب أذال الدموع الغزارا | وأجج بين الحشى منه نارا |
وخطب ترى الناس من هوله الـ | ـعظيم سكارى وما هم سكارى |
وعبء أسى حمله لا يطاق | يهد القوى ويقد الفقارا |
ونار جوى كلما رمت أن | تبوخ ضراما تزيد استعارا |
فوا لو عتاه الغضب نبا | وطود تداعى وبدر توارى |
قضى المرتضى من بني المرتضى | ومن هو أزكى البرايا نجارا |
فقدنا فتى كان أوفى الورى | وفاء وصدقا وأرعى ذمارا |
فقدنا أبر كريم إليه | نحث القطار ونطوي القفارا |
فقدنا فتى كان مأوى الطريد | وكهف اليتامى وغوث الحيارى |
فقدنا فتى لم يزل بيته | لمن حجه خائفا مستجارا |
فقدنا فتى لا يزال التقى | شعارا له والعفاف الدثارا |
لقد أظلم الكون لما قضى | وكم بسناه البهي استنارا |
وضل الأنام سواء السبيل | من بعده حيث كان المنارا |
فمن لليتامى رأت بعدما | مضى عزها ذلة أو صغارا |
أتسلب أيدي الردى نفسه | وكم أطلقت يده من أسارى |
فلله قارعة أوسعت | بقلب المكارم جرحا جبارا |
ولله ميت بكيته العلى | يدمع لصوب الملثات جارى |
ومن عجب أنهم حنطوه | وكل شذى من شذاه استعارا |
فيا قبره طل فخارا فقد | حويت الندى والعى والفخارا |
سقيت وإن حل فيك الحيا | عهدا من العفو ما أن تجارى |
وهل يختشي أن يضام امرؤ | بحامي الحمى والنزيل استجارا |
ومن قد أناخ برحل الحسين | بنوء في الخلد مثوى ودارا |
فبشرى له إذ ينادي البشير | بدار السلام البدار البدارا |
ولولا بنوه الكرام الهداة | لامست ربوع المعالي قفارا |
رضا يا بنيه بحكم الإله | وفي الله فاحتسبوه اصطبارا |
فلم يرتحل عنكم قاليا | لكم لا ولا ند عنكم نفارا |
ولكن أحب لقاء الحبيب | فسارع سوقا إليه وسارا |
وشأن بدور السماء أنها | عقيب التمام تعاني السرارا |
فإن يك وارى الثرى شخصه | فإن سنا نوره لا يوارى |
وكيف يوارى وكم منه قد | أرانا الإله هلالا أنارا |
كمهدي آل النبي الذي | تسامت مزاياه عن أن تبارى |
هو الخلف المرتجى بعده | إذا ناب صرف الليالي وجارا |
جواد علا فات أقرانه | وهيهات أن يلحقوه غبارا |
وكوكب رشد به يهتدي | إذا اشتد ليل الضلال اعتكارا |
ومركز قطب الوجود الذي | هو اليوم للكون أمسى مدارا |
فيا من به ساد آباؤه | على مالهم من فخارا فخارا |
تعز وإن جل ما قد دهاك | فما مات من ذكره فيك سارا |
ولا تأس وجدا على ثوى | برحل الحسين وفيه استجارا |
وكن موقنا أنه قد غدا | لأجداده الغر في الخلد جارا |
فبشراه إن كان تاريخه | تبوأ جنات عدن ديارا |
أرأيت هذا اليوم ما صنع الردى | بدعائم التقوى وأعلام الهدى |
انظر إلى شمل المكارم والعلى | من بعد ذاك الجمع كيف تبددا |
ما للنوائب ليس يفتأ سهمها | نحو الكرام مدى الزمان مسددا |
مالي أرى الدنيا على الدنيا العفا | إن أضحكت يومها أبكت غدا |
مالي أرى العلياء أظلم أفقها | أفنور بدر سمائها قد أخمدا |
ما للمدارس أصبحت تبكي أسى | أفقام ناعي المرتضى علم الهدى |
لله نار جوى تزايد كلما | طال الزمان تزافرا وتوقدا |
كيف السبيل إلى النجاة ولم يزل | سيف الحمام على الأنام مجردا |
من يطلق الأسرى ومطلق أسرها | أمسى بأصفاد المنون مقيدا |
وبمن يلوذ اللائذون وقد قضى | من كان كهفا للأنام ومقصدا |
وبمنصول على الزمان وقد مضى | من كان غضبا في الخضوب مهندا |
ميت له بكت المفاخر والعلى | ونعته أندية السماحة والندى |
وتصعد أنفاسنا ونفوسنا | حزنا عليه وحق أن تتصعدا |
قد هد أركان السرور مصابه | وغدا لأركان الهموم مشيدا |
يا قبره قد طلت أبراج السما | في الفخر حيث المرتضى بك الحدا |
يا قبره ما أنت إلا هالة | أسنى بدور التم فيها قد بدا |
ما مهجة إلا وودت أنها | كانت له دون المراقد مرقدا |
لا زال وصوب عهاد كل سحابة | أبدا له كدموعنا متعهدا |
بالود منا لو فدته نفوسنا | ويقل في أمثاله منها الفدا |
ما عذر قلب لا يبيت لفقده | لظى الكآبة والأسى متوقدا |
اليوم ربع المجد صوح نبته | وعدا عليه من العوادي ما عدا |
اليوم ألبست العلى حلل الأسى | اليوم برقعت الهدى ظلم الردى |
أين الذي كنا نسود به علا | ونطول فخرا في الأنام وسؤددا |
أين الذي قد كان رعي ذمامنا | وحقوقنا فرضا عليه مؤكدا |
أين الذي قد كان فيض نواله | غوثا لكل من اعتفى ومن اجتدى |
أودعت في الأكباد منا لوعة | بأبي شواظ لهيبها أن يخمدا |
ولها بنا شمت الحسود وطالما | قد كنت غيظا للحواسد والعدى |
بعدا ليومك أنه يوم به | أمسى السرور عن الأحبة مبعدا |
أشقيق روحي للأسى خلفتني | قد صرت أهوى أن أشاطرك الردى |
حزني عليك كما علمت مؤبد | لا ينقضي أبدا وإن طال المدى |
قد كان ليلي قبل يوم أبيضا | واليوم أصبح صبح يومي أسودا |
أقسمت بالود القديم وسالف الـ | ـعهد الذي هو بيننا قد أكدا |
لو أن ريب الدهر يقنع بالفدا | لفداك منا كل أشوس أصيدا |
يا آل بيت المصطفى والمرتضى | صبرا على ما نابكم وتجلدا |
ورضا بحكم الواحد الأحد الذي | هو بالدوام وبالبقاء تفردا |
وكفى النفوس تسليا من بعده | بسليله مهدي أرباب الهدى |
صدر الأفاضل قدوة العلماء من | بجدوده في القول والفعل اقتدى |
علامة العصر النطاسي الذي | عنه حديث الفضل يروى مسندا |
المفرد العلم الذي بوجوده | أمسى بناء المكرمات موطدا |
فهو الذي يحيي مآثر مجده | ويشيد من عليائه ما شيدا |
ما سار عن دار الفناء مسارعا | إلا ليغتنم النعيم السرمدا |
ومذ اغتدى جار الشهيد بكربلا | أضحى بجنات النعيم مخلدا |
ليقر عينا حيث حل ببقعة | أمسى ثراها للنواظر أثمدا |
بشراه قد نال الجنان وجاور الـ | ـولدان والحور الحسان الخردا |
ولقد جهدت بنظم تاريخ له | فأبى علي وبات فكري مجهدا |
وقريحتي أمست هناك قريحة | وبقيت من قلقي لذاك مسهدا |
فإذا بأعظم هاتف في الغيب لم | أر شخصه قد جاء يعلن بالندا |
إن رمت تاريخ الشريف المرتضى | فهلم أرخ قد مضى علم الهدى |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 213