إبراهيم بن مالك بن الحارث الأشتر النجعي قتل سنة 71 وفي مرآه الجنان 72 مع مصعب بن الزبير وهو يحارب عبد الملك بن مروان وقبره قرب سامراء مزور معظم وعليه قبة.
(والنجعي) بفتحتين نسبة إلى النخع قبيلة باليمن وهم من مذحج ويأتي في إبراهيم بن يزيد النجعي الكلام عليهم بأبسط من هذا.
كان إبراهيم فارسا شجاعا شهما مقداما رئيسا عالي النفس بعيد الهمة وفيا شاعرا فصيحا مواليا لأهل البيت عليهم السلام كما كان أبوه متميزا بهذه الصفات (ومن يشابه أباه فما ظلم) وفي مرآة الجنان كان سيد النخع وفارسها ’’انتهى’’ وكان مع أبيه يوم صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام وهو غلام وأبلى فيها بلاء حسنا وبه استعان المختار وثبتت أركانها وكان مع مصعب بن الزبير وهو يحارب عبد الملك فوفى له حين خذله أهل العراق وقاتل معه حتى قتل وقال مصعب بعد قتله حين رأى خذلان أهل العراق له يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم.
حربه يوم صفين
روى نصر بن مزاحم المنقري في كتاب صفين أن معوية أخرج عمرو بن العاص يوم صفين في خيل من حمير كلاع ويحصب إلى الأشتر فلقيه الأشتر أمام الخيل فلما عرف عمرو أنه الأشتر جبن واستحيا أن يرجع فلما غشيه الأشتر بالرمح راغ منه عمرو ورجع راكضا إلى المعسكر ونادى غلام ساب من يحصب يا عنرو عليك العفا ما هبت الصبا يا لحمير أبلغوني اللواء فأخذه وهو يقول:
إن يك عمرو قد علاه الأشتر | بأسمر فيه سنان أزهر |
فذاك الله لعمري مفخر | يا عمرو يكفيك الطعان حمير |
واليحصبي بالطعان أمهر | دون اللواء اليوم موت أحمر |
فنادى الأشتر إبراهيم ابنه خذ اللواء فغلام لغلام فتقدم إبراهيم وهو يقول:
يا أيها السائل عني لا ترع | أقدم فإني من عرانين النخع |
كيف ترى طعن العراقي الجذع | أطير في يوم الوغى ولا أقع |
ما ساءكم سر وما ضركم نفع | أعددت ذا اليوم لهول المطلع |
وحمل على الحميري فالتقاه الحميري بلوائه ورمحه ولم يبرحا يطعن كل واحد منهما صاحبه حتى سقط الحميري قتيلا.
خبره مع المختار
كان أصحاب المختار قالوا له إن أجابنا إلى أمرنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوة على عدونا فإنه فتى رئيس وابن رجل شريف له عشيرة ذات عز وعدد فخرجوا إلى إبراهيم ومعهم الشعبي وسألوه مساعدتهم وذكروا له ما كان أبوه عليه من ولاء علي وأهل بيته فأجابهم إلى الطلب بدم الحسين عليه السلام على أن يولوه الأمر فقالوا له أنت أهل لذلك ولكن المختار قد جاءنا من قبل محمد بن الحنيفة فسكت ثم جاءه المختار في جماعة فيهم الشعبي وأبوه فقال له المختار هذا كتاب من المهدي محمد بن علي أمير المؤمنين وهو خير أهل الأرض اليوم وابن خير أهلها بعد الأنبيائ والرسل وكان الكتاب مع الشعبي فدفعه إليه فإذا فيه من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر إني قد بعثت إليكم وزيري وأميني وأمرته بالطلب بدماء أهل بيتي فانهض معهم بنفسك وعشيرتك ولك أعنة الخيل وكل مصر ومنبر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى الشام فقال إبراهيم قد كتب إلي ابن الحنيفة قبل هذا فلم يكتب إلا باسمه واسم أبيه قال المختار إن ذلك زمان وهذا زمان قال فمن يعلم أن هذا كتابه فشهد جماعة إلا الشعبي فتأخر إبراهيم عن صدر الفراش وأجلس المختار عليه وبايعه فلما خرجوا قال إبراهيم للشعبي رأيتك لم تشهد أنت ولا أبوك فقال هؤلاء سادة القراء ومشيخة المصر ولا يقول إلا حقا وبلغ عبد الله بن مطيع أمير الكوفة من قبل ابن الزبير أن المختار يريد الخروج عليه في تينك الليلتين فبعث العساكر ليلا سنة 66 إلى الجبانات الكبار بالكوفة وبعث صاحب شرطته إياس بن مضارب في الشرط فأحاط بالسوق والقصر وخرج إبراهيم تلك الليلة بعد ما صلى بأصحابه المغرب في مائة دارع قد لبسوا الأقبية فوق الدروع يريد المختار فقال له أصحابه تجنب الطريق فقال والله لمرن وسط السوق بجنب القصر ولأرعبن عدونا ولأرينهم هوانهم علينا فسار على باب الفيل وهو من أبواب المسجد الأعظم وقصر الإمارة بجانب المسجد فلقيهم إياس في الشرط فقال من أنتم قال أنا إبراهيم بن الأشتر قال ما هذا الجمع الذي معك ولست بتاركك حتى آتي الأمير قال إبراهيم خل سبيلنا فامتنع ومع إياس رجل من همدان اسمه أبو قطن وكان إياس يكرمه وهو صديق إبراهيم فقال له إبراهيم ادن مني فدنا ظانا أنه يريد أن يستشفع به عند إياس فأخذ إبراهيم منه الرمح وطعن به إياسا في ثغرة نحره فصرعه وأمر رجلا فقطع رأسه وانهزم أصحابه فلقيهم جماعة فحمل عليهم إبراهيم فكشفهم وهو يقول اللهم إنك تعلم أنا غضبنا لأهل بيت نبيك ثرنا لهم على هؤلاء القوم ثم حمل على جماعة آخرين فهزمهم حتى أخرجهم إلى الصحراء ثم رجع إلى المختار فوجد القتال قد نشب بينه وبين أصحاب ابن مطيع فلما علم أصحاب ابن مطيع بمجيء إبراهيم تفرقوا وخرج المختار بأصحابه ليلا إلى دير هند حتى اجتمع عنده ثلاثة آلاف وجمع ابن مطيع أصحابه من الجبانات ووجههم إلى المختار فبعث المختار إبراهيم في سبعمائة فارس وستمائة راجل وبعث نعيم بن هبيرة أخا مصقلة في تسعمائة وذلك بعد صلاة الصبح فقتل نعيم وأسر جماعة من أصحابه ومضى إبراهيم فلقيه راشد بن إياس في أربعة آلاف فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل راشد وانهزم أصحابه وأقبل إبراهيم نحو المختار وشبث بن ربعي محيط به فحمل عليهم إبراهيم فانهزموا وبعث المختار إبراهيم إمامه وخرج ابن مطيع فوقف بالكناسة وأرسل العساكر ليمنعوا المختار من دخول الكوفة ودنا إبراهيم ممن ابن مطيع فأمر أصحابه بالنزول وقال لا يهولنكم أن يقال جاء آل فلان وآل فلان فإن هؤلاء لو وجدوا حر السيوف لانهزموا انهزام المعزى من الذئب ثم حمل عليهم فانهزموا ودخل ابن مطيع القصر فحاصره إبراهيم ثلاثا فخرج منه ليلا ونزله إبراهيم ودخله المختار فبات فيه وأرسل إلى ابن مطيع مائة ألف درهم وقال تجهز بها وبايعه أهل الكوفة على كتاب الله والسنة ورسوله والطلب بدماء أهل البيت وفرق العمال وكان عبيد الله بن زياد قد هرب بعد موت يزيد إلى الشام وجاء بجيش إلى الموصل فأرسل إليه المختار يزيد بن أنس في ثلاثة ىلاف فلقي مقدمة أهل الشام فهزمهم وأخذ عسكرهم ومات من مرض بع فعاد أصحابه إلى الكوفة لما علموا أنه لا طاقة لهم بعسكر ابن زياد فأرسل المختار إبراهيم بن الأشتر في سبعة ألاف وأمره أن يرد جيش يزيد معه فلما خرج إبراهيم طمع أشراف أهل الكوفة في المختار وأجمع رأيهم على قتاله فجعل يخادعهم ويعدهم بكل ما يطلبون فلم يقبلوا ووثبوا به فأرسل قاصدا مجدا إلى إبراهيم يأمره بالرجوع وأمر أصحابه بالكف عنهم واجتهد في مخادعتهم فوصل الرسول إلى إبراهيم بساباط المدائن فسار ليلته كلها ثم استراح حتى أمسى وسار ليلته كلها ثم استراح حتى أمسى وسار ليلته كلها ويومه إلى العصر فبات في المسجد واشتد القتال ومضى ابن الأشتر إلى مضر فهزمهم واستقام أمر الكوفة للمختار وتجرد لقتل قتلة الحسين عليه السلام ثم سار إبراهيم بعد يومين لقتال ابن زياد وكان قد سار في عسكر عظيم من الشام فبلغ الموصل وملكها فنزل إبراهيم قريبا منه على نهر الخازر ولم يدخل عينه الغمض حتى إذا كان السحر الأول عبى أصحابه وكتب كتابه وأمر أمراءه فلما انفجر الفجر صلى الصبح بغلس ثم خرج فصف أصحابه ونزل يمشي ويحرض الناس حتى اشرف على أهل الشام فإذا هم لم يتحرك منهم أحد وسار على الرايات يحثهم ويذكرهم فعل ابن زياد بالحسين وأصحابه وأهل بيته من القتل والسبي ومنع الماء فتقدم إليه وحملت ميمنة أهل الشام على ميسرة إبراهيم فثبتت لهم وقتل أميرها فأخذ الراية آخر فقتل وقتل معه جماعة وانهزمت الميسرة فأخذ الراية ثالث ورد المنهزمين فإذا إبراهيم كاشف رأسه ينادي أي شرطة الله أنا ابن الأشتر إن خير فراركم كراركم ليس مسيئا من أعتب وحملت ميمنة إبراهيم على ميسرة ابن زياد رجاء أن يهزموا لأن أميرها كان قد وعد إبراهيم ذلك لأنه وقومه كانوا حاقدين على بني مروان من وقعة مرج راهط فلم ينهزموا آنفة من الهزيمة فقال إبراهيم لأصحابه اقصدوا هذا السواد الأعظم فو الله لئن هزمناه لانجفل من ترون يمنة ويسرة انجفال طير ذعرت فمشى أصحابه إليهم فتطاعنوا ثم صاروا إلى السيوف والعمد وكان صوت الضرب بالحديد كصوت القصارين وكان إبراهيم يقول لصاحب رايته انغمس قيهم فيقول ليس لي متقدم فيقول بلى فإذا تقدم شد إبراهيم سيفه فلا يضرب رجلا إلا صرعه وحمل أصحابه حملة رجل واحد فانهزم أصحاب ابن زياد فقال إبراهيم إني ضربت رجلا تحت راية منفردة على شاطئ نهر الخازر فقددته نصفين فشرقت يداه وغربت رجلاه وفاح منه المسك وأظنه ابن مرجانة فالتمسوه فإذا هو ابن زياد فوجدوه كما ذكر قطع رأسه وأحرقت جثته. وقتل في هذه الوقعة من أصحاب ابن زياد الحصين بن نمير السكوني وشرحبيل بن ذي الأكلاع الحميري. ولما انهزم أصحاب ابن زياد تبعهم أصحاب إبراهيم فكان من غرق أكثر ممن قتل وأنقذ إبراهيم عماله إلى نصيبين وسنجار ودارا وقرقيسيا وحران والرها وسميساط وكفرتوثا وغيرهال وأقام هو بالموصل وقال سراقة البارقي يمدح إبراهيم بن الأشتر:
أتاكم غلام من عرانين مذحج | جريء على الأعداء غير نكول |
جزى الله خيرا شرطة الله أنهم | شفوا من عبيد الله حر غليلي |
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي بفتح الزاي وقيل عبد الله بن عمرو الساعدي يمدح إبراهيم ويذكر الوقعة:
الله أعطاك المهابة والتقى | وأحل بيتك في العديد الأكثر |
وأقر عينك يوم وقعة خازر | والخيل تعثر بالقنا المتكسر |
من ظالمين أجرأهم جزاهم ربهم | شر الجزاء على ارتكاب المنكر |
وفي الأغاني بسنده عن الهيثم بن عدي أن عبد الله بن الزبير الأسدي أتى إبراهيم بت الأشتر فقال إني قد مدحتك بأبيات فاسمعهن قال إني لست أعطي الشعراء قال اسمعها مني وترى رأيك فقال هات إذا فانشده البيتين الأولين وبعدهما:
إني مدحتك إذ نبا بي منزلي | وذممت إخوان الغنى من معشري |
وعرفت أنك لا تخيب مدحتي | ومتى أكن بسبيل خير أشكر |
فهلم نحوي من يمينك نفحة | إن الزمان ألح يا ابن الأشتر |
فقال كم ترجو أن أعطيك قال ألف درهم فأعطاه عشرين ألفا. قال هذا مع أن عبد الله بن الزبير هذا كان من شيعة بني أمية وذوي الهوى فيهم والتصب لهم (أقول) ولكن قد نسب إليه رثاء في الحسين عليه السلام مما يدل على خلاف ذلك ويشبه أن يكون وقع من المؤرخين خلط بين أبيات الأسدي والساعدي لاتحاد الوزن والقافية ومثله قد وقع منه كثيرا والله أعلم وقال يزيد بن المفرع الحميري يهجو ابن زياد ويذكر مقتله:
إن الذي عاش ختارا بذمته | وعاش عبدا قتيل الله بالزاب |
العبد للعبد لا أصل ولا طرف | ألوت به ذات أظفار وأنياب |
إن المنايا إذا ما زرن طاغية | هتكن عنه ستورا بين أبواب |
هلا جموع نزار إذ لقيتهم | كنت امرأ من نزار غير مرتاب |
لا أنت زاحمت عن ملك فتنمنعه | ولا مددت إلى قوم بأسباب |
ما شق جيب ولا ناحتك نائحة | ولا بكتك جياد عند أسلاب |
لا يترك الله آنفا تعطسون بها | بين العبيد شهودا غير غياب |
أقول بعدا وسحقا عند مصرعه | لابن الخبيثة وابن الكودن الكابي |
ثم إن مصعب بن الزبير خرج من البصرة إلى المختار فقتله بعد حرب شديد وأقر إبراهيم بن الأشتر على ولاية الموصل والجزيرة ثم إن عبد الملك بن مروان سار إلى العراق بجيش لحرب مصعب فأحضر مصعب إبراهيم من الموصل وجعله على مقدمته والتقى العسكر أن بمسكن من أرض العراق وكان أشراف العراق قد كاتبوا عبد الملك فكتب إلى من كاتبه ومن لم يكاتبه وكتب إلى إبراهيم فكلهم أخفى كتابه إلا إبراهيم فجاء به مختوما إلى مصعب ففتحه فإذا فيه أنه يدعوه إلى نفسه ويجعل له ولاية العراق فقال له إبراهيم إنه كتب إلى أصحابك كلهم مثل ما كتب إلي فأطعني واضرب أعناقهم فأبى فقال احبسهم فأبى وقال رحم الله الأحنف إن كان ليحذرني غدر أهل العراق ويقول هم كمن تريد كل يوم بعلا وقدم عبد الملك أخاه محمدا وقدم مصعب إبراهيم بن الأشتر فقتل صاحب لواء محمد وجعل مصعب يمد إبراهيم فأزال محمدا عن موقفه وأمد إبراهيم بعتاب بت ورقاء فساء ذلك إبراهيم وقال قد قلت له لا تمدني بأمثال هؤلاء فانهزم عتاب وكان قد كاتب عبد الملك وصبر إبراهيم فقاتل حتى قتل وحمل رأسه إلى عبد الملك وانهزم أهل العراق عن مصعب حتى قتل وقيل أنه سأل عن الحسين عليه السلام كيف امتنع عن النزول على حكم ابن زياد فأخبر فقال متمثلا بقول سليمان بن قتة:
فإن الأولى بالطف من آل هاشم | تآسوا فسنوا للكرام التآسيا |
وقال يزيد بن الرقاع العاملي أخو عدي بن الرقاع وكان شاعر أهل الشام:
نحن قتلنا ابن الحواري مصعبا | أخا أسد والمذحجي اليمانيا |
ومرت عقاب الموت منا لمسلم | فأهوت له طير فأصبح ثاويا |
(المذحجي) هو ابن الأشتر ومسلم هو ابن عمرو الباهلي وكان على ميسرة إبراهيم بن الأشتر.
وفي الأغاني أن إبراهيم بن الأشتر بعث إلى أبي عطاء السندي بيتين من شعر وسأله أن يضيف إليهما بيتين وهما:
وبلدة يزدهي الجنان طارقها | قطعتها بكناز اللحم معتاطه |
وهنا وقد حلق النسران أو كربا | وكانت الدلو بالجوزاء حتاطه |
فقال أبو عطاء:
فانجاب عنها قميص الليل فابتكرت | تسير كالفحل تحت الكور لطاطه |
في أينق كلما حث الحداة لها | بدت مناسبها هوجاء خطاطه |
وعرف لإبراهيم من الأولاد ولدان. النعمان ومالك.