التصنيفات

أبو الحسن أو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى ابن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام
في عمدة الطالب: قتل على ما قاله أبو نصر البخاري لخمس بقين من ذي القعدة سنة 145-وهو ابن 48 سنة وقال أبو الحسن العمري قتل في ذي الحجة من السنة المذكورة وحمل ابن أبي الكرام الجعفري رأسه إلى مصر وكان قتله بباخمرى. في معجم البلدان: باخمرى موضع بين الكوفة وواسط وهو إلى الكوفة أقرب قالوا بين باخمرى والكوفة سبعة عشر فرسخا بها كانت الوقعة بين أصحاب أبي جعفر المنصور وإبراهيم بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام فقتل إبراهيم هناك فقبره بها إلى الآن يزار وإياها عنى دعبل بن علي بقوله:

’’انتهى’’. والغرب بفتحتين شجر وفي رجال فخر الدين الطريحي عند ذكر النسب في لا حمري أحمر قرية قريبة من الكوفة وهي التي قتل فيها إبراهيم بن عبد الله من ولد النفس الزكية ’’انتهى’’ واستظهر بعضهم أنه أراد به المترجم واستفاد أن أحمر هي باخمرى قال وبين الشنافية والكوفة مكان يعرف بالأحيمر وفيه قبر يعرف بقبر إبراهيم. (أقول) الظاهر أنه غيره لأن النفس الزكية لقب محمد بن عبد الله بن الحسن أخي المترجم.
أمه
في عمدة الطالب: أمه وأم أخويه محمد وموسى الجون هند بنت أبي عبيدة الله بن ربيعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب.
كنيته
في عمدة الطالب يكنى أبا الحسن وروى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين عن عمر بن شبة أنه يكنى أبا الحسن وأن كل إبراهيم في آل أبي طالب يكنى بذلك قال وأما قول سديف لإبراهيم:
فإنما قال ذلك على مجاز الكلام وللضرورة في وزن الشعر إلى ذلك.
أقوال العلماء فيه
ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب رجاله في رجال الصادق عليه السلام وقال ابن النديم في الفهرست: إبراهيم بن عبد الله بن حسن شاعر مقل. وفي مقاتل الطالبيين كان إبراهيم جاريا على شاكلة أخيه محمد في الدين والعلم والشجاعة والشدة وفي عمدة الطالب كان إبراهيم من كبار العلماء في فنون كثيرة ’’انتهى’’ وكان شاعرا متضلعا باللغة العربية وأسرارها عارفا بأخبار العرب وأيامهم وأشعارهم روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين وابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة إبراهيم بن يحيى بن المبارك العذري أن إبراهيم بن عبد الله كان جالسا ذات يوم وفي مجلسه أبو عمرو بن العلاء أحد علماء العربية المشهورين فسأل إبراهيم عن رجل من أصحابه فقده فقال لبعض من حضره اذهب فسل عنه فرجع فقال تركته يريد أن يموت فضحك منه بعض القوم وقال في الدنيا إنسان يريد أن يموت فقال إبراهيم لقد ضحكتم منها عربية أن يريد بمعنى يكاد قال الله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض} أي يكاد قال أبو عمرو لا نزال في خير ما كان فينا مثلك وزاد أبو الفرج أن أبا عمرو قبل رأسه.
أخباره
قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: كان قويا أيدا كان مع أخيه محمد عند أبيهما فوردت إبل لمحمد فيها ناقة شرود لا يرد رأسها شيء فجعل إبراهيم يحد النظر إليهما فقال له محمد كأن نفسك تحدثك أنك رادها قال نعم إن فعلت فهي لك فوثب إبراهيم فجعل يتغير لها ويتستر بالإبل حتى إذا أمكنته هايجها وأخذ بذنبها فاحتملته وأدبرت تمخض بذنبها حتى غاب عن عين أبيه فقال لمحمد عرضت أخاك للهلكة فمكث حينا ثم عاد فقال له محمد زعمت أنك رادها فألقى ذنبها وقد انقطع في يده ’’انتهى’’ وإبراهيم بن عبد الله هو الذي جمع كتاب المفضليات المشهور المنسوب إلى المفضل الضبي جمع منها أولا سبعين قصيدة ثم أتمها المفضل فصارت مائة وعشرين (روى) أبو الفرج في مقاتل الطالبيين أن إبراهيم نزل على المفضل الضبي (صاحب المفضليات المشهور) في وقت استتاره وكان المفضل زيديا قال فكنت أخرج وأتركه فقال لي إنك إذا خرجت ضاق صدري فأخرج إلي شيئا من كتبك أتفرج به فأخرجت إليه كتبا من الشعر فاختار منها السبعين قصيدة وكتبها مفردة في كتاب فلما قتل أظهرتها فنسبها الناس إلي وهي القصائد التي تسمى اختيار المفضل السبعين القصيدة قال ثم زدتها وجعلتها تتمة مائة وعشرين فلما خرج خرجت معه فتمثل:
فقلت ما أجود هذه الأبيات وأفحلها فلمن هي قال يقولها ضرار بن الخطاب الفهري يوم عبر الخندق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمثل بها علي عليه السلام يوم صفين والحسين عليه السلام يوم الطف وزيد بن علي يوم السبخة ويحيى بن زيد يوم الجوزجان ونحن اليوم فتطيرت له من تمثله بأبيات لم يتمثل بها أحد إلا قتل. ثم أتاه نعي أخيه فانفجر باكيا فجعلت أعزيه فقال لي أني والله في هذا كما قال دريد بن الصمة:
’’الأبيات’’ ثم ظهرت لنا جيوش أبي جعفر فتمثل:
فقلت من يقول هذا الشعر يا ابن رسول الله قال يقوله خالد بن جعفر بن كلاب في اليوم الذي لقيت فيه قيس تميما. وأقبلت عساكر أبي جعفر فطعن رجلا وطعنه آخر فقلت له أتباشر الحرب بنفسك وإنما العسكر منوط بك فقال إليك عني يا أخا بني ضبة فإني كما قال عويف القوافي أخو فزارة كأنه ينظر في يومنا هذا:
خروجه على المنصور ومقتله
كان إبراهيم وأخوه محمد اختفيا من المنصور لأن المنصور كان قد بايع هو وعامة بني هاشم لمحمد عدا جعفر الصادق عليه السلام في دولة بني أمية كما سنذكره في ترجمة محمد (إنش) وألح المنصور في طلبهما فظهر محمد بالمدينة وقتل وظهر إبراهيم بالبصرة سنة 145 وكان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب فلم تقره أرض خمس سنين مرة بفارس وأخرى بكرمان وتارة بالجبل وأخرى بالحجاز ومرة باليمن وتارة بالموصل وإلى ذلك يشير أبو فراس الحمداني بقوله:
قال إبراهيم: اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على مائدة المنصور ثم خرجت وقد كف الطلب وكان في عسكر المنصور قوم يتشيعون فكتبوا إلى إبراهيم بالقدوم إليهم ليثبوا بالمنصور فقدم عليهم والمنصور قد خط بغداد فزعموا أنه كان له مرآة يرى فيها عدوه من صديقه فنظر فيها فقال يا مسيب لأحد قواده قد رأست إبراهيم في عسكري ثم أمر ببناء قنطرة الصراة العتيقة فخرج إبراهيم ينظر إليها مع الناس فوقعت عليه عين المنصور فجلس وذهب في الناس فأتى فاميا وهو بائع الفوم أي الحنطة فأصعده غرفة له وجد المنصور في طلبه وبث العيون فبقي إبراهيم في مكانه فقال له صاحب سفيان بن حيان القمي قد نزل بنا ما ترى ولا بد من المخاطرة قال أنت وذاك فأتى سفيان إلى الربيع حاجب المنصور وطلب الإذن عليه فأدخله فشتمه المنصور فقال أنا أهل لذلك وإنما أتيتك تائبا وأنا آتيك بإبراهيم إني قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيرا فاكتب لي جوازا ولغلام معي واحملني على البريد ووجه معي ندا ففعل ودفع إليه ألف دينار فأخذ منها ثلاثمائة وأقبل والجند معه فدخل البيت وإبراهيم بلباس الغلمان فصاح به فوثب وجعل يأمره وينهاه فسار حتى أتى المدائن فمنعه صاحب القنطرة فأراه الجواز فتركه وقال ما هذا غلام هذا إبراهيم اذهب راشدا فركبا سفينة حتى قدما البصرة فجعل يأتي بالجند إلى الدار لها بابان فيقعد البعض على أحد البابين ويقول لا تبرحوا حتى آتيكم ويخرج من الباب الآخر حتى فرقهم وبلغ الخبر أمير البصرة فطلب القمي فأعجزه وكان إبراهيم قد قدم الأهواز قبل ذلك واختفى عند الحسن بن حبيب وكان أميرها محمد بن الحصين يطلبه فقال يوما إن أمير المؤمنين كتب إلي أن المنجمين أخبروه أن إبراهيم بالأهواز في جزيرة بين نهرين (مما دل على رواج التنجيم في ذلك العصر) وقد طلبته في الجزيرة وليس فيها وقد عزمت أن أطلبه في المدينة فأخرج ابن حبيب إبراهيم إلى ظاهر البلد فلما كان المساء أدخله فلقيها أوائل خيل ابن الحصين فنزل إبراهيم عن حماره كأنه يبول فسأله ابن الحصين الحسن عن مجيئه فقال من عند بعض أهل فمضى وتركه ورجع الحسن إلى إبراهيم فأركبه وأدخله منزله فقال له إبراهيم لقد بلت دما فأتى الموضع فرآه قد بال دما ثم قدم إبراهيم البصرة سنة 143 أو سنة 145 بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة ودعا الناس إلى بيعة أخيه فبايعه جماعة وفيهم كثير من الفقهاء وأهل العلم حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف واشتهر أمره (وفي عمدة الطالب) بايعه وجوه الناس منهم بشير الرحال والأعمش سليمان بن مهران وعباد بن منصور القاضي صاحب مسجد عباد بالبصرة والمفضل بن محمد وسعيد بن الحافظ في نظرائهم ويقال إن أبا حنيفة الفقيه بايعه أيضا قال أبو الفرج: وكان سفيان بن معاوية أمير البصرة قد مال معه فظهر في أول شهر رمضان سنة 145 والمنصور بظاهر الكوفة في قلة من العسكر قد فرق عسكره لحرب محمد وإلى الري وأفريقية فأرسل ثلاثة من القواد إلى البصرة مددا لسفيان فلما أراد إبراهيم الظهور أعلم سفيان بذلك فجمع القواد إليه فغنم إبراهيم دواب أولئك الجند وكانت سبعمائة وصلى بالناس الصبح في الجامع وحصر دار الإمارة وبها سفيان فطلب الأمان فأمنه ودخلها ففرشوا له حصيرا فهبت الريح فقلبته فتطير الناس بذلك فقال إبراهيم إنا لا نتطير وجلس عليه مقلوبا وحبس القواد ومعهم سفيان وقيده بقيد خفيف ليعلم المنصور أنه محبوس فجاء جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي في ستمائة فأرسل إليهما قائدا في خمسين رجلا فهزمهما ونادى مناديه أن لا يتبع مهزوم ولا يدفف على جريح وأتى بنفسه باب زينب بنت سليمان بن علي فنادى بالأمان وأن لا يعرض لهم أحد وصفت له البصرة ووجد في بيت المال ألفي درهم فقوي بها وفرض لأصحابه لكل رجل خمسين فكان الناس يقولون خمسون والجنة وأرسل المغيرة إلى الأهواز في مائتين فخرج إليه محمد بن الحصين أميرها في أربعة آلاف فانهزم ابن الحصين ودخلها المغيرة وأرسل عمرو بن شداد إلى فارس فملكها وأرسل مروان بن سعيد العجلي إلى واسط في سبعة عشر ألفا فملكها وأرسل المنصور لحربه قائدا في خمسة آلف وقيل عشرين ألفا فجرت بينهما وقائع ثم تهادنوا حتى ينظرون ما يكون من أمر إبراهيم والمنصور فلم يزل إبراهيم بالبصرة يفرق العمال والجيوش حتى أتاه نعي أخيه محمد فخطب الناس وأعلمهم بقتله فازدادوا بصيرة في قتال المنصور وأظهر الجزع عليه وتمثل وهو على المنبر:
ثم جرض بريقه وتراد الكلام في فيه وتلجلج ساعة ثم انفجر باكيا منتحبا وبكى الناس ثم عزم على المسير إلى المنصور فأشار البصريون أن يقيم ويرسل الجنود فيكون إذا انهزم له جند أمدهم بغيرهم فخيف مكانه واتقاه عدوه وجبى الأموال فقال من عنده من الكوفيين أن بالكوفة أقواما لو رأوك ماتوا دونك وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتى فسار إلى الكوفة وأرسل المنصور إلى عساكره المتفرقة فاستقدمها ووجه إلى إبراهيم عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفا وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف وقال له لما ودعه إن هؤلاء الخبثاء يعني المنجمين يزعمون أنك إذا لاقيت إبراهيم تجول أصحابك جولة ثم يرجعون إليك وتكون العاقبة لك (وهذا يشبه أن يكون من بعض خدع الحرب لتقوية القلوب لا الاعتقاد بالتنجيم ولذلك سماهم الخبثاء) وكان ديوان إبراهيم قد أحصى مائة ألف وكان معه في طريقه عشرة آلاف وطلب بعض أهل الكوفة أن يرسله إليها فيدعو الناس ثم جهرا فإذا سمع المنصور الهيعة لم يرد وجهه شيء دون حلوان فقال بشير الرحال لا نأمن أن تجيئك منهم طائفة فيرسل إليهم المنصور الخيل فيؤخذ البريء والصغير والمرأة فيكون ذلك تعرضا للمآثم فقال الكوفي كأنكم خرجتم لقتال المنصور وأنتم تتوقون قتل الضعيف والمرأة والصغير ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سراياه ويكون نحو هذا فقال بشير أولئك كفار وهؤلاء مسلمون فاتبع إبراهيم رأيه وسار حتى نزل باخمرى بفتح الباء بعدها ألف وخاء معجمة فميم ساكنة فراء مهملة فألف، بلدة على بعد ستة عشر فرسخا من الكوفة مقابل عيسى بن موسى فبعث إليه يلم بن قتيبة أن خندق على نفسك حتى لا تؤتى إلا من وجه واحد فإن لم تفعل فتخفف في طائفة حتى تأتي المنصور فتأخذ بقفاه فليس عنده عسكر فعرض ذلك إبراهيم على أصحابه فقالوا نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون وفي رواية أنهم قالوا تجعل بينك وبين الله جنة قال فنأتي أبا جعفر قالوا ولم هو في أيدينا فقال للرسول أتسمع فانصرف راشدا (وهكذا يفسد التدبير بترك صواب الرأي) فصف إبراهيم أصحابه صفا واحدا فأشار عليه بعضهم أن يجعلهم كراديس فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس والصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره فقال الباقون لا نصف إلا صف أهل الإسلام يعني قوله تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} وأشار عليه بعضهم أن يبيت عيسى فقالت الزيدية إنما البيات من فعال السراق فاقتتل الناس قتالا شديدا وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه وأقبل حميد منهزما فقال له عيسى الله الله والطاعة فقال لا طاعة في الهزيمة فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير فقيل له لو تنحيت عن مكانك حتى يرجع الناس إليك فقال لا أتحول حتى أقتل أو يفتح الله على يدي وجاء جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي من وراء أصحاب إبراهيم فرأى الذين يتبعون المنهزمين القتال من ورائهم فعادوا ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم فكانت الهزيمة على أصحاب إبراهيم وكان من تقدير الله أن أصحاب المنصور لقيهم نهر في طريقهم لم يقدروا أن يجوزوه فعادوا بأجمعهم وثبت إبراهيم في نحو ستمائة أو أربعمائة وجعل حميد يرسل برؤوس المقتولين إلى عيسى وجاء إبراهيم سهم عائر لا يدري من رماه فوقع في حلقه فتنحى وقال لأصحابه أنزلوني فأنزلوه وهو يقول وكان أمر الله قدرا مقدورا واجتمعوا عليه يحمونه فقال حميد لأصحابه شدوا عليهم حتى تزيلوهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه فشدوا فقاتلوهم أشد قتال حتى أفرجوهم ووصلوا إلى إبراهيم فحزوا رأسه وأتوا به عيسى فأراه ابن أبي الكرام الجعفري فقال نعم هذا رأسه فسجد وبعث به إلى المنصور وكان قتله يوم الخميس (وعن كامل ابن الأثير يوم الاثنين) لخمس بقين من ذي القعدة سنة 145 وعمره ثمان وأربعون سنة وقيل كان سبب انهزامهم أنهم لما هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم نادى مناديه أن لا تتبعوا مدبرا فرجعوا فظنهم أصحاب المنصور منهزمين فتتبعوهم فكانت الهزيمة ولما بلغ المنصور هزيمة أصحابه عزم على إتيان الري فقال له ابن نوبخت المنجم الظفر لك وسيقتل إبراهيم فلم يقبل فجاءه الخبر بقتله وأقطع ابن نوبخت ألفي جريب بنهر حويزه وروى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين أن عيسى وأصحابه انهزموا هزيمة قبيحة حتى دخل أوائلهم الكوفة وأمر أبو جعفر بإعداد الإبل والدواب على جميع أبواب الكوفة ليهرب عليها وأنه جعل يقول ويلك يا ربيع فكيف ولم ينلها أبناؤنا فأين إمارة الصبيان يشير إلى ما سمعه عن الإمام جعفر بن محمد الصادق في ذلك.
وفي مروج الذهب: كخان قد تفرق إخوة محمد بن الحسن بن الحسن وولده في البلدان يدعون إلى إمامته (إلى أن قال) ومضى إبراهيم أخوه إلى البصرة وظهر بها فأجابه أهل فارس والأهواز وغيرهما من الأمصار في عساكره كثيرة من الزيدية وجماعة ممن يذهب إلى قول البغداديين من المعتزلة وغيرهم ومعه عيسى بن زيد بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فسير إليه المنصور عيسى بن موسى وسعيد بن مسلم في العساكر فحارب حتى قيل في الموضع المعروف بباخمرى وذلك على ستة عشر فرسخا من الكوفة من أرض الطف وهو الموضع الذي ذكرته الشعراء ممن رثى إبراهيم. وقتل معه عن الزيدية من شيعته أربعمائة رجل وقيل خمسمائة وروى بعض الإخباريين عن حماد التركي قال كان المنصور نازلا في دير على شاطئ دجلة في الموضع الذي يسمى اليوم الجلد من مدينة السلام إذ أتى الربيع في وقت الهاجرة والمنصور في البيت الذي هو فيه وحماد قاعد على الباب فقال يا حماد افتح الباب فقلت الساعة هجع أمير المؤمنين فقال افتح ثكلتك أمك فسمع المنصور كلامه فنهض يفتح الباب بيده وتناول منه الخريطة فقرأ ما فيها من الكتب وتلا هذه الآية {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين} ثم أمر بإحضار النار والقواد والموالي وأهل بيته وأصحابه وأمر حمادا التركي بإسراج الخيل وأمر ابن مجالد بالتقدم ثم خرج فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال:
أما والله لقد عجزوا عن أمر قمنا له فما شكروا ولا حمدوا الكافي ولقد مهدوا فاستوعروا وغبطوا فغمطوا فماذا تحاول مني أسقى رنقا على كدر كلا والله لأن أموت معززا أحب إلي من أحيا مستذلا ولئن لم يرض العفو مني ليطلبن ما لا يوجد عندي والسعيد من وعظ بغيره.
ثم نزل وقال يا غلام قدم فركب من فوره إلى معسكره ثم قال اللهم لا تكلنا إلى خلقك فنضيع ولا إلى أنفسنا فنعجز.
وذكر أن المنصور هيئت له عجة من مخ وسكر فاستطابها فقال أراد إبراهيم أن يحرمني هذا وأشباهه.
(وقال المؤلف) وهكذا كانت همة هؤلاء من الخلافة في نيل الدنيا ولذاتها. وقد مضت عنهم ووقعوا في تبعاتها.
وذكر أن المنصور قال يوما لجلسائه بعد قتل محمد وإبراهيم تالله تالله ما رأيت رجلا أنصح من الحجاج لبني مروان فقام المسيب بن زهرة الضبي. فقال يا أمير المؤمنين ما سبقنا الحجاج بأمر تخلفنا عنه والله ما خلق الله على جديد الأرض خلقا أعز علينا من نبيا صلى الله عليه وسلم وقد أمرتنا بقتل أولاده فأطعناك وفعلنا ذلك فهل نصحناك أم لا قال له المنصور اجلس لا جلست.
(قال المؤلف) وقد انقضى عن المنصور وأعوانه ما كانوا فيه حطام الدنيا ولقوا جزاء أعمالهم من حاكم عادل.
وذكر المسعودي قبل ذلك أن المنصور لما ظهر محمد بن عبد الله بالمدينة دعا أبا مسلم العقيلي وكان شيخا ذا رأي وتجربة فقال أشر علي في خارجي خرج علي فقال صفه لي فوصفه فقال صف لي البلد الذي قام به فوصفه ففكر ساعة ثم قال اشحن يا أمير المؤمنين البصرة بالرجال فقال المنصور في نفسه قد خرف الرجل اسأله عن خارجي خرج بالمدينة فيقول اشحن البصرة بالرجال ثم لم يكن إلا يسير حتى ورد الخبر أن إبراهيم ظهر بالبصرة فاستدعى المنصور العقيلي فقال إنك أشرت علي أن أشحن البصرة أو كان عندك من البصرة علم قال لا ولكنك ذكرت لي رجلا إذا خرج لم يتخلف عنه أحد ثم ذكرت لي البلد فإذا هو ضيق لا يحتمل الجيوش فقلت إنه سيطلب غير موضعه ووجدت مصر مضبوطة والشام والكوفة كذلك وخفت على البصرة منه فأشرت بشحنها فقال له المنصور أحسنت وقد خرج بها أخوه ’’الحديث’’.
إفتاء الإمام أبي حنيفة بالخروج مع إبراهيم
(في مقاتل الطالبيين) بسنده أن أبا حنيفة كان يجهر في أمر إبراهيم جهرا شديدا ويفتي الناس بالخروج معه وأنه كتب إليه هو ومسعر بن كدام يدعوانه إلى أن يقصد الكوفة ويضمنا له نصرتهما ومعونتهما وإخراج أهل الكوفة معه (وفيه) عن أبي إسحاق الفزاري قال جئت إلى أبي حنيفة فقلت له ما اتقيت الله حيث أفتيت أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل فقال أخيك حيث قتل يعدل قتله لو قتل يوم بدر وشهادته مع إبراهيم خير له من الحياة قلت ما منعك أنت من ذاك قال ودائع الناس كانت عندي (وفيه) بسنده عن عبد الله بن إدريس سمعت أبا حنيفة وهو قائم على درجته ورجلان يستفتيانه من الخروج مع إبراهيم وهو يقول اخرجا (وفيه) بسنده أن أبا حنيفة كتب إلى إبراهيم إذا ظفرك الله بعيسى وأصحابه فلا تسر فيهم سيرة أبيك من أهل الجمل لأنه لم يكن لهم فئة ولكن سر فيهم بسيرته يوم صفين فإنه سبى الذرية ودفف على الجريح وقسم الغنيمة لأن أهل الشام كانت لهم فئة فظفر المنصور بكتابة فسقاه شربة فمات منها (وفيه) بسنده عن إبراهيم بن سويد الحنفي قال سألت أبا حنيفة وكان لي مكرما أيهما أحب إليك بعد حجة الإسلام الخروج إلى هذا الرجل أو الحج قال غزوة بعد حجة الإسلام أفضل من خمسين حجة (وروى) عدة روايات مسندة غير هذه تدل على أن أبا حنيفة كان يحض الناس على الخروج مع إبراهيم ويأمرهم باتباعه يطول الكلام بنقلها. ولذلك ذكر أهل الملل والنحل أنه كان زيديا، وقسم من الزيدية في الفروع على مذهب أبي حنيفة (وفي عمدة الطالب) كان أبو حنيفة الفقيه أفتى الناس بالخروج مع إبراهيم فيحكى أن امرأة أتته قال له إنك أفتيت ابني بالخروج مع إبراهيم فخرج فقتل فقال لها ليتني كنت مكان ابنك وكتب إليه أبو حنيفة (أما بعد) فإني قد جهزت إليك أربعة آلاف درهم ولم يكن عندي غيرها ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك فإذا لحقت القوم وظفرت بهم فافعل كما فعل أبوك في صفين قتل مدبرهم وأجهز على جريحهم ولا تفعل كما فعل أبوك في أهل الجمل فإن القوم لهم فئة. وقال ويقال إن هذا الكتاب وقع إلى الدوانيقي وكان سبب تغيره على أبي حنيفة.
ما جرى للصادق عليه السلام
مع المنصور بعد قتل إبراهيم
(في مقاتل الطالبيين) بسنده عن يونس بن أبي يعقوب قال حدثنا جعفر بن محمد عليه السلام من فيه إلى أذني قال لما قتل إبراهيم وحشرنا من المدينة ولم يترك فيها منا محتلم حتى قدمنا الكوفة فمكثنا فيها شهرا نتوقع فيه القتل ثم خرج إلينا الربيع الحاجب فقال أين هؤلاء العلوية أدخلوا على أمير المؤمنين رجلين منكم من ذوي الحجى فدخلت إليه أنا وحسن بن زيد فقال لي أنت الذي يعلم الغيب قلت لا يعلم الغيب إلا الله قال أنت الذي يجبى إليك الخراج قلت إليك يجبى يا أمير المؤمنين الخراج قال أتدرون لم دعوتكم قلت لا قال أردت أن أهدم رباعكم وأروع قلوبكم وأعقر نخلكم وأترككم بالسراة (مكان بنواحي البلقاء) لا يقربكم أحد من أهل الحجاز وأهل العراق فإنهم لكم مفسدة فقلت يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطي فشكر وأن أيوب ابتلي فصبر وأن يوسف ظلم فغفر وأنت من ذلك النسل فتبسم وقال أعد علي فأعدت فقال مثلك فليكن زعيم القوم وقد عفوت عنكم ووهبت لكم جرم أهل البصرة حدثني الحديث الذي حدثتني عن أبيك عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت حدثني أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلة الرحم تعمر الديار وتطيل الأعمار وإن كانوا كفارا قال ليس هذا، قلت حدثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الأرحام معلقة بالعرش تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني. قال ليس هذا قلت حدثني أبي عن آبائه عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل يقول أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلني ومن قطعها قطعته، قال لي هذا الحديث، قلت حدثني أبي عن آبائه عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ملكا من الملوك في الأرض كان بقي من عمره ثلاث سنين فوصل رحمه فجعلها الله ثلاثين سنة فقال هذا الحديث أي البلاد أحب إليك فو الله لأصلن رحمي إليكم قلنا المدينة فسرحنا إلى المدينة وكفى الله مؤونته.
شعره
قال أبو الفرج كان إبراهيم يقول شيئا من الشعر وروى بسنده عن عبد الله بن حسن بن إبراهيم أن جده إبراهيم بن عبد الله قال في زوجته بنت زياد الشيبانية:
وأورد له أبو الفرج في مقاتل الطالبيين قصيدة. قال إبراهيم بن عبد الله فيما أخبرني عمر بن عبد الله العتكي عن أبي زيد عن المدائني يذكر أباه وأهله وحملهم وحبسهم:
مراثيه
قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين من مختار ما رثي به إبراهيم قول غالب بن عثمان الهمذاني المسعاري:
وله أيضا يرثي محمدا وإبراهيم:

  • دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 177