الشيخ إبراهيم الحر العاملي الصوري قال لنا بعض الفضلاء إنه ليس من آل الحر أسرة صاحب الوسائل فأولئك مسكنهم مشغرى وجبع وهذا من أهل صور ’’انتهى’’ (والصوري) نسبة إلى صور المدينة المشهورة على ساحل بحر الشام ولها ذكر في التاريخ وفي الحروب الصليبية وكانت عظيمة العمران إلى ما بعد الفتوحات الإسلامية وفيها إلى اليوم آثار كثيرة تدل على عظمتها وكانت دار العلم وإليها الهجرة لأخذ العلم وسماع الحديث وممن هاجر إليها لطلب العلم الخطيب التبريزي شارح الحماسة ونسب إليها جماعة من العلماء والشعراء والمحدثين وذكرها ابن جبير في رحلته في ووصف عمرانها وذكرها ناصر خسرو في رحلته أيضا وكثير من الرحالين ثم تضاءل أمرها وخربت ثم عمرها الأمير عباس من آل علي الصغير وبنى جامعها وبنى فيها حماما وسكنها واتخذها دار إمارته وهي اليوم أشبه بقرية منها بمدينة. والمترجم ذكر له الأمير حيدر الشهابي في تاريخه قصيدة يرد على قصيدة للشيخ عبد الغني النابلسي ويظهر أنه كان معاصرا للشيخ عبد الغني ولكن كلامه ليس صريحا في ذلك فيحتمل أنه رد عليه بعد مدة طويلة فإن الأمير حيدر بعد أن أورد قصيدة الشيخ عبد الغني النابلسي الذي قال عنه إنه كان في الشام سنة 1136 قال: فرد عليه الشيخ إبراهيم الحر الشيعي من مدينة صور بقوله الخ ونحن نورد القصيدتين كما أوردهما أما قصيدة الشيخ عبد الغني التي هي في التصوف وشطحات الصوفية ووحدة الوجود فهي هذه:
وجودي جل عن جسمي | وعن روحي وعن عقلي |
وعن شرعي وتكليفي | وعن حكمي وعن نقلي |
وأمري مطلق حتى | عن الإطلاق يستعلي |
وعن ذات وعن وصف | وعن بعض وعن كل |
وعلمي ليس يدركه | سوى من لم يزل مثلي |
وعلم الجفر من علمي | وموسى رشحة البل |
وعن فولي أنا أعني | وإني فوق ما أملي |
علي الله قيوم | بلا شبه ولا مثل |
وإني ذلك القيو | م لما قم عن حملي |
وقد جردت عن ملكي | وعن علمي وعن جهلي |
وإني لست مخلوقا | ولا شربي ولا أكلي |
ولا أني أنا الخلا | ق ذو صنع وذو فعل |
ولا من أنبياء اللـ | ـه إني أو من الرسل |
وإني ما أنا عيسى | ولا المهدي إلى السبل |
أنا بي حارت الأفها | م ما يدرون من أصلي |
أنا الشامي أنا الهندي | أنا الرومي أنا الصقلي |
أنا الأكوان بي قامت | أنا الأفلاك من أجلي |
أنا الأملاك بي تدري | ومني ترتجي وصلي |
أنا المعروف في الدنيا | وفي الأخرى بذي الفضل |
وإني لست إنسانا | ولا من ذلك النسل |
ولا قوم يرى قومي | ولا أهل ترى أهلي |
ولا إني جنين أو | بمولود ولا طفل |
وإني مطلق والكل | في قيد وفي غل |
وما في عالمي غيري | فخفض عنك يا خلي |
وما عبد الغني اسمي | وهذا مقتضى شكلي |
فيا من رام في الدنيا | يراني طالبا وصلي |
تجرد وانتزح واخرج | عن الأكوان بالعقل |
وكن خمرا بلا كأس | وكن شمسا بلا ظل |
وحقق واقطع الأحبا | ل وامسك دونها حبلي |
وصابر واصطبر واعلم | فليس المسك كالزمل |
ولا حق اليقين الصر | ف في الأقساط كالعدل |
كعين أو كعلم للـ | ـيقين الصائب النبل |
وسد الباب عن غيري | وعالج وافتتح قفلي |
صلاة الله من قلبي | على قلبي بلا فصل |
كذلك أنبياء الله | نور الفضل والنقل |
مدى الأيام ما سحت | سحاب الجود بالهطل |
رويدا يا أخا الفضل | مزجت الشهد بالخل |
أذعت السر يا هذا | شريت الجور بالعدل |
فتحت القفل يا شامي | فقدت العلم بالجهل |
تعالى الله ذو الفضل | عن الأشباه والمثل |
وعن كيف وعن أين | وعن إدراك ذي عقل |
وعن قبل وعن بعد | وعن بعض وعن كل |
وعن كم وعن لم | وعن جنس وعن فصل |
وعن تمثيل ذي وصف | وعن تسبيه ذي بطل |
وهذا الخطب قد أعيا | جنود العقل والجهل |
فنوح لا يدانيه | وموسى خالع النعل |
وإبراهيم مع لوط | وعيسى صاحب الفضل |
وإسماعيل مع يحيى | ولا كل من الرسل |
أيا عبد الغني مهلا | فليس القول كالفعل |
لقد أكثرت من هذر | يضاهي صبوة الطفل |
دعاو لا يدانيها | سوى عار من العقل |
فما هذا الذي تهذي | رويدا يا أبا الجهل |
حلول واتحاد ثم | تشبيه مع البطل |
وقد أردفت يا هذا | مجاز القول بالفعل |
فليس الدر كالحصبا | وليس المسك كالزبل |
فيا عبد الغني الشامي | تفطن واستمع نقلي |
فما المشكاة يا رومي | وما المصباح يا صقلي |
وما الزيتون يا هندي | فقل يا فاتح القفل |
وما ذا الكوكب الدري | وما النور الذي يجلي |
وما علم اليقين الصر | ف فأخبر يا أخا النبل |
إلا يا هدهد الأخبا | ر خبر بالورى واجل |
فكم من هدهد أضحى | كفرخ البوم يا خلي |
وكم من طالب نورا | هوى في غيهب الجهل |
وكم من ضل في هذا الطـ | ـريق المهلك المبلي |
أيا عبد الغني أكثر | ت من هذر ومن هزل |
لقد أبرزت مخزونا | عن الأوهام يستعلي |
تسامي قدر باري الكل | مبدي الفرع والأصل |
عن الأضداد والأندا | د والأولاد والمثل |
وعن إدراك ذي علم | وعن تحقيق ذي فضل |
وعن إنكار مغرور | عمي عن واضح السبل |
لقد حازت به ألبا | ب أهل العلم والعقل |
وأصحاب النهى طرا | مع الأملاك والرسل |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 2- ص: 122