محمد بن أبي الحسام طاهر بن محمد بن طاهر من أهل تدمير؛ يكنى: أبا عبد الله.
سمع بقرطبة: من محمد بن أحمد بن يحيى، ومن العائذي وغيرهما. ورحل إلى المشرق فسمع من جماعة من الفقهاء والمحدثين. وكان: قد تنسك وتخلى عن الدنيا ورفض أهلها، وهجر وطنه، وظهرت له بالمشرق إجابات وكرامات. وذكره هناك بالحجاز والمغرب.
وبلغني أنه ربما كان يؤجر نفسه فيما يتقوته، ولما انصرف إلى الأندلس لزم الثغر فكان يغازي العدو، ويدخل في السرايا حتى رزقه الله الشهادة مقبلا غير مدبر؛ وذلك لسبع خلون من جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة في غزوة استرقة.
وبلغني أنه جمع كتابا في الإجابات أخذ عنه.
مكتبة الخانجي - القاهرة-ط 2( 1988) , ج: 2- ص: 90
محمد بن أبي الحسام طاهر القيسي أبو عبد الله التدميري الزاهد المعروف بالشهيد
ورع فاضل من أهل بيت جلالة وصلاح، برع بخصاله المحمودة فكان في نفسه فقيهاً عالماً زاهداً خيراً ناسكاً متبتل، طلب العلم في حداثة سن في بلده، ورحل في التماسه إلى قرطبة فروى الحديث عنها، وتفقه بأهل الشورى المفتين، وناظرهم وأخذ بحظ وافر من العلم ناقش أهل الورع من علماء قرطبة في أحوال بلده تدمير، وسقاهم ووجوه مستغلاتهم، وأخذ فيها أجوبتهم فجاءت مفيدة نافعة، ورسخ في علم السنة ونافس ي صالح العمل والحسبة ثم ارتحل إلى المشرق عند إتمام ثلاثين سنة، فسكن الحرمين ثمانية أعوام يتعيش فيها من عمل يده النسخ وكان يرحل إلى بيت المقدس أيضاً ويلقي ... ثم رحل إلى العراق ليلقي الشيخ أبا بكر الأبهري الفقيه المالكي فلقيه وأخذ بأوفر حظ منه، ودخل مدينة واسط واستكثر من لقاء العلماء والفقهاء، وصحب الأخيار والنساك وتألفهم واقتدى بهم، ولبس الصوف، وقنع بالقرص، وتورع جداً، وأعرض عن شهوات الدنيا، فأصبح عالماً عاملاً منقطع القرين، قد جربت منه دعوات مجابة وحفظت له كرامات ظاهرة يطول القول في تعدادها، حملها عنه رواة صدق، ثم انصرف مجيباً دعوة والده أبي الحسام إذ كان لا يزال يستدعيه مع حجاج الأندلس، فقد تدمير في سنة ست أو سبع وثلاثمائة فتنكب أبو عبد الله - رحمه الله - النزول بمدينة مرسية قاعدة تدمير وطنه ونزل خارجاً منها بالقرية المنسوبة إلى بني طاهر.
وكان لا يرى سكنى مرسيه ولا الصلاة في مسجدها الجامع لداخله تتبعها فيه، وابتنى هناك لنفسه بيتاً سقفه بحطب الشعر أو الطرفاء يأوي إليه وكانت له هناك جنينة يعمرها بيده ويقتات بما يتخذه فيها من البقل والثمر.
وكان لا يدع في خلال ذلك الجهاد مع محمد بن أبي عامر وقواده، وشهل معه فتح مدينة سمورة، وفتح مدينة قلمرية، من قواعد جليقية، ثم ترك سكنى قريته هذه ورحل إلى الثغر، وواصل الرباط بفروجه المخوفة.
وكان له بأس وشدة وشجاعة وثقافة تحدث عنه فيها أهل الثغر بحكايات عجيبة، ولم يزل مرابطاً بطلبيرة إلى أن استشهد مقبلاً غير مدبر، حميد المقام وذلك في سنة تسع وسبعين وثلاثمائة أو سنة ثمان قبلها.
وحكى أبو العباس وليد بن عبد الرحمن الفرضي التدميري. قال: سمعت أبا عبد الله طاهر الزاهد أيام جاوزنا في قريته يقول: حدثني الثقة وكنا إنا سمعناه يقولها حسبناه يزيد نفسه قال: رأى رجل من الصالحين كان مجاوراً بمكة أنه يحشر مع فلان اليهودي - ليهودي معروف من خدمة السلطان من أهل مصر - فانتبه الرجل مذعوراً فزعاً من رؤياه، وكتمها ثم عادت الرؤيا عليه ثانية وثالثة فطار فؤاده وأشفق على دينه وتعجل الانصراف فلما وردها لم يقدم شيئاً على السؤال عن ذلك اليهودي ... ضياع السلطان وله لديه حال ومنزلة ... فأصاب على بابه بشراً كثيراً ممن يعامله من معتمري الضياع وغيرهم وأراد الدخول فمنعه البواب، وقال اصبر قليلاً فله عادة حسنة أنه إذا خف شغله يقول لي: أدخل من له إلينا حاجة، فسوف تدخل سهلاً، فقال له الرجل صاحب الرؤيا: نعم ما قلت، واصطبر ساعة إلى أن كان ما قاله، فدخلا إلى مجلس اليهودي، ووقف قائماً على قدمه لم يسلم ولم يجلس وفاتحه القول.
أنت يا هذا فلان اليهودي؟ فقال: نعم فقال له: أخبرني بالله تعالى، وبما تعتقده من شرعتك هل عملت عملاً من الخير قط أردت به وجه الله ربك خالصاً لم ترد به رياء ولا سمعة فقال له اليهودي: والله إن لكثير الصدقات مواس للضعفاء من أهل ملتي وغيرهم مرايها بذلك أطلب به السمعة والصيت ليقال إني متصدق ويثني علي فاشتد ذلك على الرجل الصالح وقال في نفسه: الآن عظمت مصيبتي، وحبط أجري، ثم راجع اليهودي فقال له يا هذا فكر في نفسك، وأصدقني عما عنه أسألك إن كنت عملت قط خيراً أردت به وجه الله خالصاً فإن عندي لك نبأ، فأطرق اليهودي مفكراً حيناً ثم قال: بلى والله لقد تذكرت شياً صنعته لله وحده وذلك أني ختنت مولوداً ولد لي يوم أسبوعه على سنتنا، وكان ذلك في شهر صوم المسلمين فصنعت لختانه صنيعاً أنفقت عليه مالاً عظيماً، وأعددت طعاماً واسعاً كثيراً طيباً، وآذنني الطباع بالفراغ منه وقت المغرب، فخطر ببالي مكان بنات رجل من المسلمين يتامى، كن بقربي، وكان أبوهن من خيار المسلمين، مات عنهم وتركهن في مسغبة، فقلت: والله لا يأكل أحد من هذا الطعام شيئاً حتى أرسل منه إلى هؤلاء اليتامى الفقيرات فاخترت لهن من أطيبه، وأنظف خبزه وأرسلت به إليهن وكذلك أطعمت من حضرتي، فهذا والله شيء قصدت به وجه الله مخلصاً وقد علم مغزاي فيه.
قال متهلل الرجل صاحب الرؤيا وقال له: فرجت عني يا هذا، وأذهبت ما بنفسي، وهكذا عرفت الله ربي عز وجهه، فقال له اليهودي: وما السبب الذي وصلك؟ أصدقني عنه كما صدقتك، فقال: نعم، وخبره برؤيا أنه كان يحشر معه وما دخل على من همها وقوله ... الله ورسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعبادتي إياه ومجاورتي ... (صلى الله عليه وآله وسلم) ... أحشر مع يهودي كافر بالملة الحنيفية.
قال: فلم يد يستكمل كلامه حتى تطلق وجه اليهودي للذي نزل عليه من الرحمة وقال: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبد الله ورسوله إلى جميع خلقه ونبيه الخاتم لأنبيائه، ولا أفرق بين أحد من رسله، وأخلع الأديان، وأتقلد دينه الحق، فخذ على الإسلام وأعلمني الدخول فيه رحمك الله.
قال: ففعل الرجل الصالح ذلك وصح الإسلام هذا الإسرائيلي وإخلاصه، وتخلى عن عمل السلطان، وانخلع من ماله ونبذ ما اكتسبه من سحته وصار مع هذا الصالح إلى مكة يعمله ويفقهه في الدين، فبقي معه مجاوراً إلى أن أتاه أجله بعد مديدة فمضى سعيداً فائزا ولله الحمد.
دار الكاتب المصري - القاهرة - دار الكتاب اللبناني - بيروت - لبنان-ط 1( 1989) , ج: 1- ص: 1