مخلوف محمد بن محمد بن عمر بن قاسم مخلوف الشريف المنستيري، الفقيه الأديب، المؤرخ، ومن هذا الفريق الشيخ مخلوف الشرياني الذي قبره بشريانة القريبة من صفاقس (شجرة النور الزكية 2/ 197، 198).
توفي والده في غرة شعبان سنة 1302، والمترجم لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره. كان والده من كبار تجار الزيت بالمنستير، وكون ثروة حسنة، وكان - لحفظه القرآن العظيم - ميالا إلى العلماء والأدباء، ويتقرب إلى المنسوبين للصلاح.
اعتنى والده بتهذيبه وتربيته وتوجيهه إلى التعلم، ويؤثره على إخوته لما ظهر من نجابته. حفظ القرآن العظيم برواية ورش على عمر خفشة في زاوية الولي الصالح عمر القلال، وكان يعرض أحزابه ليلا على الشيخ علي الخيري، وحفظ كثيرا من المتون العلمية. وتعلم الحساب والفرائض ونبغ فيهما على العدل الشيخ حسن لاز، كما قرأ توحيد المرشد المعين، والعمل بالربع المجيب على العدل الموثق الشيخ علي زهرة، ثم حدث بعد ذلك غير الحال، وعاقه عن متابعة العلم أربع سنوات ولما تقشعت الغيوم وتجلى كابوس الأزمة تحسنت الأمور فزوده والده بالدعاء الصالح والمال بقصد الترحال إلى الحاضرة تونس لمواصلة طلب العلم بجامع الزيتونة، فوصل تونس في جمادى الأولى سنة 1291/ 1882، وقرأ على المشايخ، محمود بيرم، ومحمود بن الخوجة، ومحمود بن محمود، وأحمد بن مراد وسالم بو حاجب، وحسين بن حسين، وحمودة تاج، وفي سنة 1306/ 1889 أجازه الشيخ عمر بن الشيخ في رواية كتب على ما أجاز به الشيخ محمد الشريف، وأحرز على شهادة التطويع في سنة 1307/ 1890 ودرس بجامع الزيتونة كتبا خاصة بالمرحلة الابتدائية في العقائد والفقه والنحو.
وفي سنة 1313/ 1896 أسند إليه التدريس بالمنستير ، وفي نفس السنة أسندت إليه الفتوى بمدينة قابس، ثم القضاء بها، وفي سنة 1319/ 1902 أسندت إليه خطة القضاء بالمنستير والخطابة بجامعها الكبير وكان في مدة ولايته القضاء معروفا بالنزاهة، وفي شهر شوال سنة 1355/ 1936 أسندت إليه خطة باش مفتي بالمنستير ورئاسة مجلسها الشرعي إلى أن توفي يوم الأحد في 20 جمادى الأولى سنة سنة 1360/ 15 جوان 1941.
وكان غاية في حسن الخلق يضرب بكرمه المثل لا سيما كرمه لأهل العلم، فإن بستانه بسقانص (من ضواحي المنستير) كعبة القصاد، ومثابة الرواد، ومنتدى العلماء، وكان يعتني بضيوفه ويكرمهم.
وكان كاتبا لامعا يميل إلى السجع، وكان يقرض الشعر في أيام دراسته بجامع الزيتونة، ثم تركه عند ما نهاه الشيخ أحمد بن موسى المنستيري، ذكر ذلك في ترجمة الشيخ المذكور فقال: «وقد كنت ميالا للأدب ونظم الشعر وتتبع كلام العرب ثم اجتمعت به (أي أحمد بن موسى) وسألني - رحمه الله - عند دروسي فأجبته عنها ومنها الأدب وقول الشعر، فأجابني: دع الشعر فإن سوقه غير نافقة، واجتهد في العلوم الشرعية المفيدة دنيا وأخرى، فوقع مني كلامه موقعا، وتركت الشعر بتاتا».
ومن شيوخه أحمد بو خريص، ومحمد الصادق الشاهد، وعلي بن الحاج، ومحمد العربي المازوني، ومحمد البشير التواتي، وبلحسن النجار الذي أجازه بمروياته وبما حوته فهرسته، ومحمد الطيب النيفر وأجازه الشيخ عبد الحي الكتاني لما حل بالمنستير لزيارة الإمامين ابن يونس والمازري سنة 1340 وأجازه الشيخ المهدي الوزاني إجازة عامة بما حوته فهرسته قرآنا وحديثا وأصولا وفقها وعقائد.
وشعره جار على طريقة تقليدية يقوله في ختم بعض الكتب على مشايخه حسب العادة الجارية في ذلك العصر. وابتدأ في النظم منذ المرحلة الابتدائية في التعلم بالزيتونة، فمن ذلك القصيدة التي أنشدها عند ختم رسالة ابن أبي زيد القيرواني على شيخه حسين بن حسين ومطلعها:
أحن إلى الأوطان والدمع سائل | وأبحث عن ذاك الحمى وأسائل |
وجئت بها والقلب فيه صبابة | إلى من غدا بحرا وما له ساحل |
ودونك قولي يوم ختم مؤرخا | (حسين فريد العصر بر حلاحل) |
وقد همت وجدا حين فارقته فلم | أجد غير تاج فخره متوافر |
وكم من عويصات تحلى بحلها | فشاهدتها من فيه وهي جواهر |
وكم عنده من الشعر حسن براعة | وفي النثر سحبان بيانه ساحر |
حباني على عمد بوعد وهجران | غزال رخيم الدل من أهل نجران |
وأحرق أحشائي بنار تأججت | ففاضت دموع العين من حر نيران |
فصرت أناجي الأفق من شدة الجوى | فأرعى له مسرى النجوم ويرعاني |
غزال سبى عقلي وأدهش فكرتي | ومزق أحشائي بأحور فتان |
ترى البدر حقا من سناه إذا بدا | ومن وجنتيه الورد نثرا ببرهان |
طفقت أطوف الأرض عن خيرهم فلم | أجد غير محمود وما له من ثان |
هو الأوحد الحاوي لعلم وهيبة | ومجد ربا عن مجد أقيال غسان |
وأعني بذاك البيرمي الذي غدا | ككوكب شمس شع في الأنس والجان |
فيا علم الأعلام والمصقع الذي | محبته سري وشكره إعلاني |
إليك عقيلات تجر ذيولها | تثني بعطفها فتزهو على البان |
تؤمل منكم مهرها وهو الرضى | ولا تبتغي يوما سواكم من ثان |
بقيت كما تبغي ودمت مهنأ | يختم فتساقينا بروح وريحان |
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان-ط 2( 1994) , ج: 4- ص: 257