الغراب علي الغراب الأديب الشاعر، الشهير لدى معاصريه بالبارع، أبو الحسن. كان مشاركا في عدة علوم من رياضيات ومنطق، وبلاغة، وتاريخ قال الشيخ مقديش: «أما علوم التاريخ، وأيام الناس، وعلوم البلاغة فحدث عن البحر ولا حرج».
ولد بصفاقس ونشأ بها، ووالده كان ثريا ميسور الحال، وقرأ على مشايخ بلده، وعمدته الشيخ علي الأومي، وقرأ عليه مع زميليه الشاعرين ابراهيم الخراط، وعلي ذويب، ومما قرأ عليه شرح سعد الدين التفتازاني على التخليص في البلاغة، وأخذ عنه العروض، واشتهر بقول الشعر منذ عهد الطلب، وحاز شهرة واسعة حتى قال الشيخ أبو القاسم الأديب المصري: «ولا أعلم أحدا في هذه الأعصار المتأخرة أدرك شأو الغراب لا من المشارقة ولا من المغاربة».
ولما رحل شيخه علي الأومي إلى مصر ملتحقا بالأزهر نظم له قصيدة نوه فيها بالجامع الأزهر وعلمائه ومنهم الشيخ يوسف الحفناوي محشي الأشموني، فلما وقف على القصيدة قال: «كم في الزوايا من الخبايا».
والتحق بجامع الزيتونة فقرأ على اعلامه كعبد الله السوسي السكتاني المغربي نزيل تونس، ومحمد بيرم الأول، ومحمد سعادة، ومحمد الشحمي، ومحمد
الغرياني، وغيرهم، وبعد استكمال تحصيله رجع إلى بلده ثم انتقل إلى تونس، واستقر بها حوالى سنة 1156/ 1733 في عصر علي باشا الأول الذي جعله من خواص ندمائه، ولما قتل علي باشا تقرب إلى علي بن حسين بن علي باي بالمدائح فعفا عنه وألحقه بأدباء حاشيته، واحترف في تونس خطة الشهادة. وسبب انتقاله إلى تونس أن والده أوصى لذكوره وذكور أخويه بثلث مخلفه وله ذكر واحد هو صاحب الترجمة، ولكل واحد من أخويه عدة ذكور. وبعد وفاة الوالد الموصي طلب المترجم أن تكون قسمة الوصية على عدة جهات الموصي لهم لينوب، ولده ثلث الوصية وطلب اخوة الموصي قسمتها على عدد رءوس الجهات الثلاث لتضعف حصة ولده فتنازعوا في ذلك، وأدعى المترجم أن العرف إنما جرى بالقسمة على الجهات، واستفتى المفتين في ذلك فأجابه الشيخ المتبني مفتي جربة بالعمل بمقتضى العرف حسبما هو مطلوب المترجم، وبذلك أجاب مفتي صفاقس الشيخ الشرفي الذي قرر أن عرف البلد جرى بذلك وعليه العمل عندنا بصفاقس، وحكم الشيخ أحمد لولو قاضي صفاقس بما أجاب به المفتيان.
ورفع الخلاف في القضية، ثم توجه المترجم إلى تونس ليحكم قاضي الحاضرة في القضية، وكان الشيخ محمد سعادة مفتي تونس من شيوخ المترجم، وعلم أن الدعوى لا تتم إلا بعد وقوف الشيخ سعادة عليها وأنه لا بد من أخذ فتواه فاستفتاه معتذرا عن تقديم غيره في الاستفتاء وتأخيره هو ناظما سؤاله في أوجز عبارة وألطف إشارة بقوله:
يا سيدا ساد الأنام بفضله | فسما على ظهر السما وزياده |
ألقت إليك المشكلات سلاحها | من طوعها قهرا بغير إراده |
ما جاء باب للإفادة سائل | إلا سمحت له بكل إفاده |
ومتى أتى مستنجدا من دهره | ما عوده إلا بخير إعاده |
نظم الأفاضل درهم في عقدنا | ولقد رجوت لكم تمام قلاده |
فلذا جعلناك الختام لأنه | ذو الفوز من يختم له بسعاده |
حمدا لمن زان الوجود بعصبة | فضلاء في حل العويص وقاده |
فهم الكهوف لمن أتى مستنجدا | ولهم بأسرار العلوم إفاده |
وصلاته وسلامه تترى على | من أوضح الدين القويم وشاده |
فهو الصحيح وما حكوا من أنه | عرف لديهم في البلاد وعاده |
يقضي به أيضا ويكفيك الذي | قد أسندوا عزوا بغير زياده |
ولي بما نص الوصية يقتضي | هذا تأمله فخذه مفاده |
إذ الاشتراك والانفراد لواحد | قد عين الموصي بذاك مراده |
فاقبله يا من قد أتى بفريضة | سحرا وحلانا بغير قلاده |
واعذر بنسجي هلهل لكنه | بقبولكم يكسو حلي سياده |
فالله يمنحنا مواهب فضله | وتنال في الدارين خير سعاده |
إلى من حل في أفق السعاده | وخصص بالرئاسة والسياده |
ومن وطئ السماك بأخمصيه | ومبسوط الذراع له وساده |
لعدلك اشتكى من جور دهر | يبالغ في معاندتي مراده |
لأنك قد ملكت له قيادا | وكف سواك ما ملكت قياده |
ومن عجب رأيت الحر عبدا | بها والعبد يدعى بالسياده |
وقد شاهدت فيها الفضل نقصا | وفيها النقص فضلا والزياده |
وكم من شاهد قد غاب فيها | وكم من غائب نال الشهاده |
وكم في الناس من فطن لبيب | ولم يبلغ بفطنته مراده |
وكم من غائب الإدراك أمست | تقاد له بغيبته الشهاده! |
فها أنا ميت مما ألاقي | بها فأدرك مماتي بالشهاده |
فلا أخشى وأنت معي شقاء | وهل يشقى فتى وله سعاده؟ |
معا أبا الحسن الغراب لمنصح | لك يبتغي نيل العلا وزياده! |
أيام دهرك قد مضت بصفاقس | وكذا لياليه بغير إفاده |
فأرحل إلى الخضر لكي تعطى المنى | وتنال ما أملته بسعاده |
حوانيت الشهود عفت وأمست | عيون معمريها مثل عين |
وقد سأل الأنام بأي ذنب | فقلت مؤرخا بغراب بين |
أرى الزقموط يدعى بالإمام | ويجلس بين أقوام لئام |
فعلمهم حساب الرأس منهم | بضرب فيه بسط للمقام |
فما أحد يريد البسط إلا | ويضرب ما على رأس الإمام |
قد صح أن العقربي لعقرب | نسبوه وهو لغيرها لم ينسب |
هو عقرب لذعاته بلسانه | فإذا بدا لك خذ بنعلك واضرب |
أعطيته جعلا ليحرس منزلي | فأجابني برضا ولم يتقطب |
فثناه عن جعلي أزاذل مثله | كل بتعنيف له وتأنب |
فذممتهم في العذل ثم مدحتهم | لزواله عني بمدح مطنب |
إذ كان عذلهم الذي عذلوا به | صدا لداري من دخول العقرب |
قلت ومزن السماء ينهل من | سحب وراح سيله فينا دائما جاري |
أيا سماء على البلدان هامية | إلا على بلد يابس الأشجار |
مالك بلت على أرض صفاقس | من السحاب كرش الطل للساري |
قالت أراها من القوم الذين هم | قد قال بيتين فيهم شاعر الدار |
«قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم | قالوا لأمهم بولي على النار |
فتمسك البول بخلا أن تجود به | ولا تبول لهم إلا بمقدار» |
دع الشعراء في مدح وذم | لجلب الرزق تضرب في البلاد |
فهم مثل الضفادع أين حلوا | «ألم تر أنهم في كل واد» |
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان-ط 2( 1994) , ج: 3- ص: 449