ابن أبي الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي، أبو الصلت، الفيلسوف والعالم الرياضي، الموسيقى، الشاعر، نزيل المهدية، الداني الإشبيلي.
ولد بدانية من الجزائر الشرقية بالأندلس المعروفة الآن بجزائر البالبار وتتلمذ على قاضي دانية أبي الوليد الوقشي، وورث عنه ثقافته الموسوعية، كما أخذ عن غيره، وتلقى العلم أيضا بإشبيلية بلد النحاة والفنانين، واستقر بها مدة، ولذلك يقال له الداني الإشبيلي، وبعد أن تضلع من الأدب والفلسفة وعلوم الأوائل رحل إلى مصر، وتجشم المشاق، وقطع المفاوز والقفار طمعا في الظفر بعيش كريم في مصر واكتساب جاه وثروة إلا أن آماله خابت ولقي عكس ما يرجوه، وبارح الأندلس خلال عام 1069/ 489 ولنستمع إليه يحدثنا عن رحلته البرية إلى مصر فقد قال في صدر رسالته المصرية: «فجعلت استقري البلاد لأتيمم أوفقها للمقام، وأعونها على مقارعة الأيام، فكانت مصر مما وقع عليه اختياري وصدقت حسن ظني قبل اختياري، وسرت قاصدا إليها اعتسف المجاهل والنتائف، وأخوض المهالك والمتالف، فلما تحرت ركابي من النيل، واستذرت ظل المقطم، ألقيت عصا التسيار، واستقرت بي النوى، وخفت ظهورهن من الرجال، وأرحتهن من الحل والترحال، وقلت: ضالتي المنشودة وبغيتي المقصودة، ههنا ألبث وأقيم، فلا أبرح ولا أريم «بلدة طيبة ورب غفور» ولم تطل مدة اللبث حتى تبينت بما شاهدته أني فيها مبخوس البضاعة موكوس الصناعة، مخصوص بالإهانة والاضاعة، وأن عيشها الرغد مقصور على الوغد، وغابها
المر موقوف على الحر، فلو تقدمت فعلت ذلك لخف عنها مركبي وصرفت إلى سواها رحلة طلبي، ولكان في الأرض مرمى شاسع ومنتاب واسع، بل شبلت حتى تورطت حتى عوجلت بما يعامل به ذوو الجرائر والذنوب، وجرعتني المذلة بأرض ذنوب، هذا مع ما حبرت من المدح التي اشتهرت شهرة الصباح، وهبت هبوب الرياح، ولهج بها الحادي والملاح.
فسار بها من لا يسير مستعرا | وغنى بها من لا يغني مفردا». |
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان-ط 2( 1994) , ج: 3- ص: 248
الأندلسي أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت أبو الصلت الأندلسي، كان أديبا فاضلا حكيما منجما، توفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة في المحرم بالمهدية. وقيل: سنة ثمان وعشرين. كان فيلسوفا ماهرا في الطب إماما فيه، ورد الإسكندرية وسكنها مدة، وكان قد ورد إلى القاهرة أيام الآمر واتصل بوزيره الأفضل ابن أمير الجيوش بدر. واشتمل عليه رجل من خواص الأفضل يعرف بتاج المعالي مختار فوصفه في حضرة الأفضل، وأثنى عليه أهل العلم. وأجمعوا على تقدمه وتميزه عن كتاب وقته، فبقي ذلك في خاطر كاتب الأفضل وأضمر لأمية المكروه وتتابعت سقطات تاج المعالي فتغير الأفضل عليه واعتقله، فوجد كاتب الأفضل السبيل إلى أن اختلق من المحال على أمية، فحبسه الأفضل في سجن المعونة مدة ثلاث سنين وشهر ثم أطلقه. فقصد المرتضى أبا طاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب القيروان فحظي عنده وحسنت حاله، وله رسالة يصف حاله ويثني على ابن باديس ويذم مصر وقال فيها شعرا منه قوله:
فلم أستسغ إلا نداه ولم يكن | ليعدل عندي ذا الجناب جناب |
فما كل إنعام يخف احتماله | وإن هطلت منه علي سحاب |
ولكن أجل الصنع ما جل ربه | ولم يأت باب دونه وحجاب |
وما شئت إلا أن أدل عواذلي | على أن رأيي في هواك صواب |
وأعلم قوما خالفوني وشرقوا | وغربت أني قد ظفرت وخابوا |
لا غرو إن لحقت لهاك مدائحي | فتدفقت نعماك ملء إنائها |
يكسى القضيب ولم يحن إثماره | وتطوق الورقاء قبل إنائها |
قد كنت جارك والأيام ترهبني | ولست أرهب غير الله من أحد |
فنافستني الليالي فيك ظالمة | وما حسبت الليالي من ذوي الحسد |
حسبي فقد بعدت في الغي أشواطي | وطال في اللهو إيغالي وإفراطي |
أنفقت في اللهو عمري غير متعظ | وجدت فيه بوفري غير محتاط |
فكيف أخلص من بحر الذنوب وقد | غرقت فيه على بعد من الشاطي |
يا رب ما لي لا أرجو رضاك به | إلا اعترافي بأني المذنب الخاطي |
رأى محيا ابن يحيى البدر متسقا | فكاد يذهب عنه نوره الحسد |
فانظر إلى الأثر البادي بصفحته | فإن ذلك من فرط الذي يجد |
دب العذار بخده ثم انثنى | عن لثم مبسمه البرود الأشنب |
لا غرو أن خشي الردى في لثمه | فالريق سم قاتل للعقرب |
لم أقل للطيف: زرني عندما | شط من أهواه عني وشسع! |
إنما يطمع في طيف الكرى | من إذا فارقه الإلف هجع |
بعيشك، هل أبصرت أعجب منظرا | على طول ما أبصرت من هرمي مصر؟ |
أنافا بأعنان السماء وأشرفا | على الجو إشراف السماكين والنسر |
وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا | كأنهما ثديان قاما على صدر |
سكنتك، يا دار الفناء، مصدقا | بأني إلى دار البقاء أصير |
وأعظم ما في الأمر أني صائر | إلى عادل في الحكم ليس يجوز |
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها | وزادي قليل والذنوب كثير! |
فإن أك مجزيا بذنبي فإنني | بشر عقاب المذنبين جدير |
وإن يك عفو منه عني و رحمة | فثم نعيم دائم وسرور |
صفراء إلا حجول مؤخرها | فهي مدام ورسغها زبد |
تعطيك مجهودها فراهتها | في الحضر والحضر عندها وئد |
قد كان لي سبب قد كنت أحسب أن | أحظى به فإذا دائي من السبب |
فما مقلم أظفاري سوى قلمي | ولا كتائب أعدائي سوى كتبي |
كأن حباب الماء در مبدد | وهن أكف الغيد يعجلنه لقطا |
صاف ومولاته وسيده | حدود شكل القياس مجموعه |
فالشيخ فوق الاثنين مرتفع | والست تحت الاثنين موضوعه |
والشيخ محمول ذي وحامل ذا | بحشمة في الجميع مصنوعه |
شكل قياس كانت نتيجته | قرينة في دمشق مطبوعه |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 9- ص: 0
أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، أبو الصلت من أهل الأندلس كان أديبا فاضلا حكيما منجما، مات في سنة تسع وعشرين وخمسمائة في المحرم بالمهدية من بلاد القيروان، وهو صاحب فصاحة بارعة وعلم بالنجوم والطب، وكان قد ورد إلى مصر في أيام المسمى بالآمر من ملوك مصر، واتصل بوزيره ومدبر دولته الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر، واشتمل عليه رجل من خواص الأفضل يعرف بمختار ويلقب بتاج المعالي، وكانت منزلته عند الأفضل عالية، ومكانته منه بالسعد حالية، فيحسنت حال أمية عنده، وقرب من قلبه وخدمه بصناعتي الطب والنجوم، وأنس تاج المعالي منه بالفضل الذي لا يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فوصفه بحضرة الأفضل وأثنى عليه، وذكر ما سمعه من أعيان أهل العلم وإجماعهم على تقدمه في الفضل وتميزه عن كتاب وقته. وكان كاتب حضرة الأفضل يومئذ رجل قد حمى هذا الباب، ومنع من أن يمر بمجلسه ذكر أحد من أهل العلم بالأدب، إلا أنه لم يتمكن من معارضة قول تاج المعالي، فأغضى على قذى، وأضمر لأبي الصلت المكروه، وتتابعت من تاج المعالي سقطات أفضت إلى تغير الأفضل والقبض عليه والاعتقال، فوجد حينئذ السبيل إلى أبي الصلت بما اختلق له من المحال، فحبسه الأفضل في سجن المعونة بمصر مدة ثلاث سنين وشهر واحد على ما أخبرني به الثقة عنه، ثم أطلق فقصد المرتضى أبا طاهر يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب القيروان، فحظي عنده وحسن حاله معه. وقد ذكر ذلك في رسالة له يذم فيها مصر ويصف
حاله، ويثني على ابن باديس، واستشهد فيها بهذه الأبيات في وصف ابن باديس:
فلم أستسغ إلا نداه ولم يكن | ليعدل عندي ذا الجناب جناب |
فما كل إنعام يخف احتماله | وإن هملت منه علي سحاب |
ولكن أجل الصنع ما جل ربه | ولم يأت باب دونه وحجاب |
«وما شئت إلا أن أدل عواذلي | على أن رأيي في هواك صواب» |
«وأعلم قوما خالفوني وشرقوا | وغربت أني قد ظفرت وخابوا» |
لا غرو أن لحقت لهاك مدائحي | فتدفقت نعماك ملء إنائها |
يكسى القضيب ولم يحن إبانه | وتطوق الورقاء قبل غنائها |
قد كنت جارك والأيام ترهبني | ولست أرهب غير الله من أحد |
فنافستني الليالي فيك ظالمة | وما حسبت الليالي من ذوي الحسد |
حسبي فقد بعدت في الغي أشواطي | وطال في اللهو إيغالي وإفراطي |
أنفقت في اللهو عمري غير متعظ | وجدت فيه بوفري غير محتاط |
فكيف أخلص من بحر الذنوب وقد | غرقت فيه على بعد من الشاطي |
يا رب ما لي لا أرجو رضاك به | إلا اعترافي بأني المذنب الخاطي |
لله يومي ببركة الحبش | والصبح بين الضياء والغبش |
والنيل تحت الرياح مضطرب | كقائم في يمين مرتعش |
ونحن في روضة مفوفة | دبج بالنور عطفها ووشي |
قد نسجتها يد الربيع لنا | فنحن من نسجها على فرش |
وأثقل الناس كلهم رجل | دعاه داعي الهوى فلم يطش |
فعاطني الراح إن تاركها | من سورة الهم غير منتعش |
وسقني بالكبار مترعة | فهن أشفى لشدة العطش |
منفرد بالحسن والظرف | بحت لديه بالذي أخفي |
لهفي بشكر وهو من تيهه | في غفلة عني وعن لهفي |
قد عوقبت أجفانه بالضنا | لأنها أضنت ولم تشف |
قد أزهر الورد على خده | لكنه ممتنع القطف |
كأنما الخال به نقطة | قد قطرت من كحل الطرف |
قد كان لي سبب قد كنت أحسب أن | أحظى به فإذا دائي من السبب |
فما مقلم أظفاري سوى قلمي | ولا كتائب أعدائي سوى كتبي |
صفراء إلا حجول مؤخرها | فهي مدام ورسغها زبد |
تعطيك مجهودها فراهتها | في الحضر والحضر عندها وتد |
صاف ومولاته وسيده | حدود شكل القياس مجموعه |
فالشيخ فوق الاثنين مرتفع | والست تحت الاثنين موضوعه |
والشيخ محمول ذي وحامل ذا | بحشمة في الجميع مصنوعه |
شكل قياس كانت نتيجته | قرينة في دمشق مطبوعه |
وكم تمنيت أن ألقى بها أحدا | يسلي من الهم أو يعدي على النوب |
فما وجدت سوى قوم إذا صدقوا | كانت مواعيدهم كالآل في الكذب |
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 2- ص: 744
ابن أبي الصلت العلامة القيلسوف، الطبيب الشاعر المجود، أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الداني، صاحب الكتب.
ولد سنة ستين وأربع مائة.
وتنقل، وسكن الإسكندرية، ثم رد إلى الغرب، وأقبل عليه علي ابن باديس، وكان رأسا في النجوم والوقت والموسيقى، عجبا في لعب الشطرنج، رأسا في المنطق وهذيان الأوائل، سجنه صاحب مصر مدة لكونه غرق له سفينة موقرة صفرا، فقال له: أنا أرفعه، وعمد إلى حبال دلاها من سفينة، ونزل البحرية، فربطوا السفينة، ثم استقيت بدواليب، فارتفعت، ووصلت، لكن تقطعت الحبال، فوقعت، فغضب الأمير عليه.
مات بالمهدية في آخر سنة ثمان وعشرين وخمس مائة.
دار الحديث- القاهرة-ط 0( 2006) , ج: 14- ص: 428
أمية بن عبد العزيز بن أبي الصّلت، أبو الصّلت الأندلسيّ.
كان أديبا فاضلا حكيما منجّما. ورد مصر في أيام الآمر، فلم يصادف بها قبولا، وأخرج منها بعد أن حبس بها مدة. فقصد أبا طاهر يحيى بن تميم بن المعزّ ابن باديس صاحب القيروان فحظي عنده، وحسن حاله معه. رأيت له من التصانيف: كتاب الأدوية المفردة، وكتاب تقويم الذّهن في المنطق، وكتاب الرسالة المصرية، وكتاب ديوان شعره، وكتاب رسالة في عمل الأسطرلاب، وكتاب الدّيباجة في مفاخر صنهاجة، وكتاب ديوان رسائله، وكتاب الحديقة في مختار المحدثين.
كانت وفاته في المحرّم من سنة تسع وعشرين وخمس مائة.
دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 2009) , ج: 1- ص: 311
ابن أبي الصلت
أبو الصَّلت أُمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، من أهل إشبيلية، وسكن المَهديَّة، واتصل بأميرها يحيى بن تميم المُعزّ الصِّنهاجي، ثمَّ بابنه عليّ بن يحيى، وبعده بالحسن بن علي، آخر ملوكِ الصّنهاجيين بها. وتُوفي صدر ولايته سنة عشرين وخمسمائة، أو بعدها بيسير. وقيل توفي مع أبي عبد الله المازري في سنة ست وثلاثين، والأول أصحّ.
ومن خَبره أنَّه خرج من إشبيلية ابن عشرين سنة، ولزم التعلُّم بمصر
عشرين سنة، ثمَّ أوطن المَهديَّة عشرين سنة. حُدثت بهذا عن أبي عبد الله ابن عبد الخالق الخطيب بها، عن بعض مَن أدركه من شيوخها.
وله تواليف مُفيدة في الطبّ، وهو كان الغالب عليه، وفي الأدب والعروض والتاريخ.
ومن مدائحه في يحيى بن تميم يصف فرساً له كان يُسمَّى هلالاً لغُرَّةٍ في جبهته هِلالية الشكل:
شهدتُ لقد فات الجيادَ وبَذَّها | جوادُك هذا من وِرادٍ ومن شُقرِ |
جوادٌ تبدَّت بين عينيه غُرَّةٌ | تُريكَ هلالَ الفطر في غُرة الشهرِ |
وما اعتنَّ إلاَّ قلتُ أسأل صاحبي | بعَيشكَ من أهدى الهلالَ إلى البدرِ |
كأنَّ الصَّباحَ الطَّلْقَ قَبَّلَ وَجْهَهُ | وسالتْ على باقيهِ صافيةُ الخمرِ |
كأنَّك منهُ إذ جَذَبْتَ عِنانَهُ | على منكِبِ الجَوْزاءِ أو مَفْرِق النَّسرِ |
كأنَّك إذ أرسلتَه فوق لُجة | تُدَفِّعها أيدي الرِّياح إلى العبْرِ |
تدفّقتُما بحرَين جُوداً وجَودةً | ومن أعجبِ الأشياءِ بحرٌ على بَحْرِ |
قُم يا غلامُ ودَعْ مُخالسةَ الكَرى | لمُهجِّرٍ يصفُ النّوى ومُغلَّسِ |
أو ما رأيت النَّوْرَ يَشرقُ بالنَّدى | والفجرَ يَنْصُلُ من خضابِ الحِنْدِسِ |
والتُّربُ في خَلل الحديقة مُرْتَوٍ | والغصنُ من حُلَلِ الشَّبيهِ مُكْتَسِ |
والرَّوضُ يبرُزُ في قلائدِ لُؤلُؤٍ | والأرضُ ترفُلُ في غَلائِلِ سُندسِ |
لا تَعْدَمُ الألحاظُ كيف تصرَّفَتْ | وَجَناتِ وَرْدٍ أو لواحظَ نَرْجسِ |
وضَّاحة حلَّتِ الأنوارُ ساحتَها | فأزمعتْ رحلةً عن أُفقها السُّدُفُ |
كأنَّ رَأْدَ الضُّحى مما يُغازلها | عن الغَزالةِ هيمانٌ بها كَلِفُ |
تجمَّعتْ وهي أشتاتٌ محاسنُها | هذا الغَدير وهذِي الرَّوضةُ الأُنُفُ |
يُضاحكُ النُّور فيها النَّوْرَ من كَثَبٍ | مهما بكتْ للغَواني أعينٌ ذُرُفُ |
خُضرٌ خمائلها زُرقٌ جداولها | فالحُسْنُ مُتلفٌ فيها ومختلفُ |
دَوْح وظلٌّ يلذُّ العيشُ بينهما | هذا يَرِفُّ كما تهوَى وذا يَرِفُ |
يَجري النسيمُ على أرجائها دَنِفاً | ومِلؤه أرَجٌ يشفَى به الدَّنِفُ |
حاكَ الربيعُ لها من صوبِهِ حِبَراً | كأنَّها الحُلَلُ الأفوافُ والصُّحف |
غَريرةٌ من بناتِ الرَّوضِ ناعمةٌ | يَثني معاطفَها في السُّندس التَّرَف |
تَندى أصائلُها صُفراً غلائلُها | كأنَّ ماءَ نُضارٍ فوقها يَكِفُ |
نَمت صُعُداً في جِدَّةٍ غُرفاتُه | على عَمَدٍ مما استجاد لها الجِدُّ |
تَخَيَّلن قاماتٍ وهُنَّ عقائلٌ | سوى أنَّها لا ناطقاتٌ ولا مُلْدُ |
قُدودٌ كساها ضافيَ الحُسن عُرْيُها | وأمعنَ في تَنعيمها النَّحتُ والقَدُّ |
تُذكِّرُ جنَّاتِ الخلودِ حدائقٌ | زواهرُ لا الزَّهراءُ منها ولا الخُلد |
فأسحارُها تُهدي لها الطيبَ مَنْبجٌ | وآصالُها تُهدي الصَّبا نحوها نجدُ |
أنافَ على شُمِّ القُصورِ فلم تَزَلْ | تَنَهَّدُ وجداً للقُصور وتَنهدُّ |
رَحيبُ المَغاني لا يضيق بوَفْدِهِ | ولو أنَّ أهلَ الأرضِ كلَّهُمُ وَفد |
تلاقَى لديه النَّور والنُّور فانجلتْ | تفاريقَ عن ساحاتهِ الظُّلَمُ الرُّبد |
عَذيريَ من دهرٍ كأنِّي وَترتُه | بباهِرِ فَضلي فاستقادَ به منِّي |
تَعجَّلني بالشَّيبِ قبلَ أوانهِ | فجرَّعني الدُّرديَّ من أوَّلِ الدَّنّ |
وما مرَّ بي كالسّجنِ فيه مُلمَّةٌ | وشرٌّ من السّجنِ المُصاحَبُ في السّجن |
أظُنُّ اللَّيالي مُبْقِياتي لحالةٍ | تُبدِّلُ فيها حياتي هذه عنِّي |
وإلاَّ فما كانتْ لتَبْقَى حُشاشتي | على طولِ ما ألقى من الضَّيمِ والغَبنِ |
وقالوا حديثُ السِّنّ يسْمو إلى العُلا | كأنَّ العُلا وقفٌ على كِبَرِ السنِّ |
وما ضرَّني سنُّ الحَداثة والصِّبا | إذا لم يَضْفُ خُلْقي إلى النَّقصِ والأفْنِ |
فعلْمٌ بلا دَعوى ورأيٌ بلا هوًى | ووعدٌ بلا خُلْفٍ ومنٌّ بلا مَنِّ |
متى صَفَتِ الدُّنيا لحُرٍّ فأبتغي | بها طيبَ عَيشي أو خُلُوِّي من الحُزْنِ |
وهل هي إلاَّ دارُ كُلِّ مُلِمَّةٍ | أمضُّ لأحشاءِ اللَّبيبِ من الطَّعنِ |
تَجري الأُمور على حُكم القَضاء وفي | طيِّ الحوادِثِ مَحبوبٌ ومكروهُ |
فربَّما سَرَّني ما بِتُّ أحذرُهُ | وربَّما ساءني ما بِتُّ أرجوهُ |
دار الغرب الإسلامي - تونس-ط 1( 1986) , ج: 1- ص: 9