ابن أبي دينار محمد بن أبي القاسم الرعيني المعروف بابن أبي دينار القيرواني، الأديب الشاعر، وشعره أحسن من نثره، المؤرخ.
ولد بالقيروان، وتعلم بها، ثم بتونس. كان في طبقة الآخذين عن الشيخ محمد فتاتة، ولكن لم يأخذ عنه، وإنما أخذ عن ابنه الشيخ أحمد مسائل، واستفاد منه. قال في أواخر الفصل الأول من خاتمة «المونس» أثناء كلامه عن الشيخ فتاتة ما نصه «وان كنت حرمت أن اغترف من بحره، ولم يساعدني الحال أن ألتقط من درره، ولقد أصابني رذاذ من وبله، ذلك أن نجله السعيد النجيب، الشاب الأنجد الشيخ أبا العباس أحمد ابن الشيخ المذكور، له عندي يد، أفادني مسائل فتق ذهني بها، واستفدت به زاد الله في حسناته».
وأخذ عن الأستاذ محمد المعروف بابن الشيخ من علماء عصره على ما يؤخذ من قوله أواخر الفصل الثالث من الخاتمة عند الكلام على علماء الحاضرة «ومنهم شيخنا وصديقنا، الشيخ الفقيه والحبر النبيه الوجيه، الشيخ الأمجد أبو عبد الله محمد، عرف ابن الشيخ ... ».
وذكر في آخر «المونس» أنه عاين اعلاما فضلاء، وأيمة نبهاء، وأخذ عن بعضهم منهم الشيخ أحمد الشريف الأكبر، وأبو عبد الله الغماد، وأبو الحسن الغماد والشيخ المهدوي، والشيخ سعيد الشريف، وعبد القادر الجبالي، ومحمد قويسم، وأبو القاسم الغماري.
وأخذ أيضا عن الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الواحد الأنصاري على ما يؤخذ من تأليفه الأدبي «هداية المتعلم» إذ جاء فيه «ولما اجتمعنا
بالعالم الجليل الذي فاق نظمه الرائق سيبويه والخليل، فرد الزمان، وواحد الاقران، العالم الراوية، ذي التآليف العجيبة، والتقاليد الغريبة شيخنا أبي الحسن علي بن عبد الواحد الأنصاري».
ولعله باشر التدريس واقرأ «الشفا» للقاضي عياض. قال في تأليفه الأدبي السابق الذكر إذ تكلم على ما امتحن به القاضي «وقد تعرضنا لذلك في تخلص ذوي المودة والصفا بختم أواخر الشفا».
وكان ولي قضاء سوسة، ثم نقل إلى قضاء القيروان، كما ذكر ذلك في تأليفه الأدبي المار ذكره، وأنه كان قاضيا بالقيروان على عهد مراد باي ابن الأمير حمودة باشا، ويؤخذ من تأليفه هذا أنه سكن تونس قال فيه:
«وقد كنت اجتمعت مع الصاحب الجليل، أخي كل صديق وخليل، فخر الزمان، ورئيس الأقران، الشيخ الكبير أبي الحسن علي ثابت - رحمه الله - بدار القاضي فضل الله أفندي قاضي الحضرة العلية قبل سكناي بها».
قال الأستاذ الشيخ محمد شمام «والذي نستفيده مما وصل إلينا من مؤلفاته ومما وقفنا عليه من نظمه ونثره أنه كان ضعيفا في العربية وصناعة الإعراب ويبعد غاية البعد أن يكون كل ما وقع في مؤلفاته من اللحن الكثير تحريف الناسخين».وقد أثنى على بلاغة شعره وذيوع صيته الأدبي الشيخ محمد بن محمد المؤدب الشرفي الصفاقسي، وهو شاعر يتذوق الشعر الجديد فمدحه بعشرة أبيات طالعها:

وهي موجودة في ديوانه ص 55 وفي نزهة الأنظار لمقديش 2/ 178.
وقال فيه قصيدة ثانية في 21 بيتا:
مؤلفاته:
1) تخلص ذوي المودة والصفا بختم أواخر الشفا وهو كتابه على أواخر كتاب الشفا ذكره في كتابه الأدبي «هداية المتعلم».
2) رضاب العقيق في الروض الأنيق في مجاراة الاخوان وأحوال الصاحب والصديق، ذكره في كتابه الأدبي في مواضع متفرقة منه.
3) مناقب الأيمة الأربعة ط. تونس سنة 1285/ 1868 في 48 ص من القطع الصغير.
4) هداية المتعلم، وهو كتابه الأدبي، مخطوط بالمكتبة الوطنية وأصله من المكتبة الأحمدية أوله: «نحمدك اللهم أن شرفتنا بشرف الأدب، ومنحتنا مما لديك بالفهم والتصرف بالاعراب في لسان العرب».
قال في ديباجته: «هذا وقد طلب مني من حل مني محل الروح من الجسد، وصرت منه بمنزلة الوالد من الولد بعض الالماع من الأدبيات فكتبت له هذه الرسالة بمنزلة الجزئيات من الكليات».وقد أودعه نتفا من شعره وشعر غيره وطرفا أدبية شتى.
5) المؤنس في أخبار افريقية وتونس، وقد تم تدوينه سنة 1110/ 1696 كما في المطبوعة أو في سنة 1092 كما قاله ريموزا (Remusat) قال المستشرق الروسي كراتشكوفسكي «ولا يزال غير مفهوم على الاطلاق ذلك السهو الذي جعل كرامرس (Kramers) يرجع ذلك إلى عام 850/ 1446».
ويظهر أنه ألفه لمخدومه علي باي ابن مراد الثاني والكتاب يعتبر مصدرا هاما عن الفترة التركية المرادية لأنه أول مصدر تكلم عن الفتح التركي وحكم الدايات والدولة المرادية إلى عهد مخدومه السالف الذكر.
ولغة الكتاب بسيطة حتى أن الشيخ محمد سعادة أشار إلى هذا الكتاب بقوله: «ساق وقائع من تقدم في تاريخه مساق كلام العامة وهو معذور بعاميته معذور بحرفته» (نقلا عن تقديم ذيل بشائر أهل الإيمان لمحقق الكتاب الطاهر المعموري ص 51).
وينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب وخاتمة فالباب الأول في وصف تونس، والثاني في ولاية افريقية والثالث في الفتح الإسلامي، وبقية الأبواب في تاريخ الدول المتعاقبة على افريقية، والباب السابع والأخير لعهد السيادة التركية.
وتتضمن الخاتمة أربعة أقسام تحتوي على زيادات وتتمات وبعضها ذو طابع عرضي مثل معلومات متفرقة عن تونس وما جرى فيها من تغييرات على مر التاريخ وعما اكتسبه صحيح البخاري من رواج في شمال افريقيا الخ
وعني في آخر الكتاب ببعض العادات والتقاليد، واعتمد على تاريخ ابن خلدون، وتاريخ ابن نخيل الذي سماه ابن بخيل، وعلى تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب الراهب الاسباني الذي أسلم، وعلى تاريخ الدولتين للزركشي، وعن فتح سنان باشا لتونس اعتمد على كتاب الإعلام بأعلام البيت الحرام لقطب الدين النهروالي المكي، قال المستشرق الروسي الكبير واصفا الكتاب ومحللا له: «ورغما عن تاريخه المتأخر فإن الكتاب يظفر بتقدير عال. وعنه يقول اماري - وهو خبير بمثل هذه المواد - هذا مصنف نقلي دقيق للقرن السابع عشر جمع فيه بين دفتيه عددا كبيرا من الملاحظات الطيبوغرافية والتاريخية عن افريقيا منذ الفتح العربي إلى الفتح العثماني.
والمؤلف يفتقر إلى موهبة النقد وقد أفاد كثيرا من مواد جديدة لم تصل إلينا بطريق مباشر».
ولاحظ كوديرا (Codera) أن كتاب القيرواني لا يخلو من أهمية حتى بالنسبة لتاريخ اسبانيا.
طبع الكتاب ثلاث مرات بتونس المرة الأولى بالمطبعة الرسمية سنة 1286/ 1896 في 304 ص.
والمرة الثانية بمطبعة النهضة سنة 1350/ 1931 في 288 ص+ - 6 ص
فهرس وقسم الكتاب فيها إلى فصول، وهو أمر غير موجود في الطبعة الأولى، وهو مصدر بترجمة للمؤلف بقلم الشيخ محمد البشير النيفر.
والمرة الثالثة سنة 1387/ 1967 نشر المكتبة العتيقة بتحقيق الشيخ محمد شمام في 320 ص مع 44 فهرس+10 ص مقدمة للمحقق في التعريف بالمؤلف.
نقل هذا الكتاب إلى الفرنسية بالسيي وراموزا في:
Pelissier et Remusat: Explorations scientifiques en Tunisie، Paris 1845.
المراجع والمصادر:
- الاعلام 7/ 229.
- ايضاح المكنون 2/ 607 ..
- تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان 3/ 1342.
- تاريخ الأدب الجغرافي العربي لكراتشكوفسكي، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم ق 2 ص 734، 735.
- شجرة النور الزكية 307.
- فهرس مخطوطات المكتبة الأحمدية ص 62، 404.
- معجم المطبوعات 30.
- معجم المؤلفين 11/ 139، مقدمة الطبعة الثالثة من «المؤنس» لمحقق الكتاب الشيخ الأستاذ محمد شمام.
- دائرة المعارف الإسلامية (بالفرنسية ط 2/) 3/ 705 بقلم هـ‍.ر. ادريس - فصل قصير في سطور.
Ahmed Abdesselem، Les Historiens Tunisiens. (Tunis 1973) pp .154 - 171.
J.Quemeneur، in revue Ibla 1962 No 98 p.157.

  • دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان-ط 2( 1994) , ج: 2- ص: 315