ابن الحجام عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن مسرور التجيبي مولى بني عبيدة التجيبيين، المعروف بابن الحجام القيرواني، أبو محمد، المحدث الفقيه.
سمع من عيسى ومحمد ابني مسكين، وسعيد بن إسحاق، وابن عياش، وفرات بن محمد العبدي، وحمديس القطان، وغيرهم.
ورحل إلى المشرق فسمع بمصر، وجدة، ومكة، وبغيرها من الأمصار من جماعة منهم إبراهيم بن حميد، ومحمد بن إبراهيم الديبلي، وابن الاعرابي، وعبد الله بن حمويه وغيرهم، وبعد رجوعه إلى القيروان جلس للدرس والرواية، فسمع منه ابن أبي زيد، والقابسي، ومحمد بن ادريس، وأبو عبد الله الصدفي، وغيرهم من أهل افريقية، ومصر والأندلس، وغلب عليه الجمع والرواية، وكان حسن التقييد، صحيح الكتاب، وكتبه كلها بخطه وهي كثيرة، وكان كثير التصنيف في أنواع العلوم.
وكان منابذا لبني عبيد مستخفا برجالهم، حكي أن أبا حنيفة النعمان القاضي وداعي الدعاة مر على باب داره فقال السلام عليك يا أبا محمد!
فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وكرر عليه فرد مثله، فلما انصرف قال من حوله: تكون قاضي السلطان وداعيه تسلم على صبي فما يرد عليك أذللت نفسك وأذللتنا فرجع إليه يتوقد غضبا فلما رآه أبو محمد قام، وجعل يده على اذنه وقال:
جعلت أذنك قمعا لمن يقرب إلى النار لحمك ودمك!
- قال: صدقت يا أبا محمد وانصرف إلى أصحابه قائلا: ما هذا بشر من أهل الدنيا فيتم فيه ما نريد!
ومن كان مثله مجاهرا ببغض بني عبيد منابذا لهم إذ لم ينله أذى جسدي، وسلب لحريته من ضرب وسجن ومصادرة لأملاكه فلا أقل من مصادرة مكتبته بعد وفاته، ولذلك لما اشتد به المرض قال له أصحابه نخشى أن يأخذ السلطان كتبك ويمنعها الناس، والانتفاع بها يكون بوقفها على المسلمين، وجعلها أثلاثا في ثلاثة مواضع، فقبل ذلك فلما كان من الغد قال: لم أنم البارحة لما فقدت كتبي ردوها علي فردوا الثلثين وتركوا الثلث الذي كان في دار أبي محمد عبد الله بن أبي زيد فلما وصل إليه الثلثان مات، فاستولى السلطان على ذلك، وسلم الثلث.
قال القابسي: ترك أبو محمد سبعة قناطر كلها بخطه الا كتابين، فكان لا يحتمل أن يراهما لأنهما ليسا بخطه، فلما توفي رفع جميعها سلطان الوقت فأخذها ومنع الناس منها.
والغالب على الظن أن مثل هذه المكتبة تعدم أو تحرق، وكم للدولة العبيدية من جناية على الفكر الإنساني والتراث الإسلامي، ويزعم البعض أنها شجعت العلوم والفلسفة والحقيقة أنها لم تشجع إلا ما يوافق هواها في خدمة مخارق مذهبها الباطني الزائغ.
ألف كتبا كثيرة لم يذكر المترجمون له منها إلا:
1) كتاب المواقيت ومعرفة النجوم والأزمان.
المصادر والمراجع:
- ترتيب المدارك 3/ 340 - 43.
- الديباج 135 - 136.
- شجرة النور الزكية 85.
- طبقات علماء افريقية للخشني 230.
- معالم الايمان 3/ 70 - 73.
- معجم المؤلفين 6/ 165

  • دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان-ط 2( 1994) , ج: 2- ص: 94