الجزيري حسين الجزيري، من مواليد مدينة تونس، أديب شاعر، كاتب صحفي.
تعلم بجامع الزيتونة، ولم يستوف امد الدراسة، قال كاتب القطرين الأستاذ أحمد توفيق المدني مؤرخا حياته الدراسية ومبينا أهم مميزاته في هذا الطور وظروف حياته السيئة بعد رفضه من التعلم بالجامع: «كان من ألمع الطلبة، ومن أكثرهم نشاطا ومن أبرزهم في ميادين التفكير، وكان من أبرز الدعاة إلى الاضراب عن الدراسة، وقدموا مطالب لاصلاح برامج التعليم، وكان من أشد المضربين حماسا وأكثرهم كلاما وأمعنهم في التشبث بالمطالب التي قدموها، فما كان من ادارة المعهد الزيتوني إلا أن قررت فصله نهائيا وإبعاده عن الدراسة مع ثلة قليلة من الطلبة، ووعدت بإمعان النظر في المطالب المقدمة لها، فانتهى الاضراب وعاد الطلبة إلى مزاولة دروسهم، وبقي حسين ومن معه يتسكعون في الطرقات، فساء حاله وتغيرت اخلاقه، وأصبح يرى العالم بمنظار أسود قاتم، ثم رسب مع أصحاب السوء، وانساق إلى السكر لعله يجد فيه نسيانا للواقع، بل إن سكره هو فرار من الحقيقة التي حوله، ألقي عليه القبض في بداية الحرب العالمية الأولى سنة 1914 مع أحمد توفيق المدني ولم يبارحا السجن إلا بعد انتهاء الحرب سنة 1918.اشتغل بالصحافة منذ عهد شبابه الباكر، فكان في سنة 1910 يحرر افتتاحيات جريدة «اللواء» التونسية وكاتبا بجريدة «المنار» التونسية ومراسلا لجريدة «الفاروق» الجزائرية وكتب في الصحف الهزلية لميله إلى الفكاهة، فحرر بجريدة «المضحك» وكتب في جريدة «جحا» مدة طويلة، وفي الوقت نفسه كان يقوم بوظيفة الملقن لجمعية
«الشهامة العربية» التمثيلية التي أسسها الشيخ عبد العزيز الثعالبي.
وفي 3 جمادى الثانية سنة 1339/ 12 فيفري 1921 أصدر جريدة «النديم» أسبوعية أدبية فكاهية، فأظهر نشاطا كبيرا في ادارتها ومجهودا كبيرا لتنظيم بروزها فهو القائم بجميع شئونها ومحرر جميع فصولها، وبين الحين والآخر يصدر منها عددا ممتازا يكتب فيه بعض الكتاب اللامغين المشهورين كالشيخ راجح إبراهيم الاكودي، ومحمد الصالح المهيدي، ومحيي الدين القليبي، وغيرهم، وهي صحيفة من نوع جديد لم يسبق لها مثيل في تونس، تجمع بين الأدب والفكاهة، وحسن استغلال إيحاء اللفظة العامية الدارجة للنكتة، مع الروح الأدبية الممتزجة بها، ومظهر الانفعال الذي يتجسد في كتاباته كلها عناصر جذابة للقراء.
وكان يغتنم الفرصة للتعليق على الأحداث ودور بعض الأشخاص فيها بروح نقدية ساخرة لاذعة تثير الضحك، ويستعين بكل الوسائل الأدبية لاظهار ما يرمي إليه كالاستعانة بالامثال الشعبية، والنظم الشعبي الملحون وهو من البارعين فيه، والأبيات الشعرية السائرة، والوصف الوجيز الجامع للحقيقة، والشواهد على هذا كثيرة في جريدة «النديم» عند ما تأسس الحزب: المستقل المنفصل عن الحزب الحر الدستوري القديم، وكان من مبادئ هذا الحزب: لا رئيس ولا مرءوس ولا اشتراكات ولا اداء يمين، مما يدل على تهافت القائمين به وسوء تقديرهم وفهمهم، واعجب لحزب يقوم على مثل هذا الهراء السخيف، وبالطبيعة لم يعمر هذا الحزب طويلا، ومؤسسه فرحات بن عياد ومن جماعة هذا الحزب الصحفي الطيب بن عيسى ابن خالة المترجم له، كتب حسين الجزيري في «النديم» عن هذا الحزب معرفا له بقوله: «الحزب المستقل» أي الحزب المستقل بدون رئيس ولا مرءوس، ونظم فيه ملزومة طويلة لاذعة مضحكة طالعها:
قالوا حزب بلاش فلوس | لا رئيس ولا مرءوس |
هذي فكرة مثل الخل | ما يجيها كان الناموس |
إن السراديك لما قام قائمها | توهمت أنها أضحت شواهينا |
إن الزرازير لما قام قائمها | توهمت أنها أضحت شواهينا |
فرحت بمقدمه بطون الناس | شهر تحن لذكره أضراسي |
رفعت إحدى بنيات السقاء | مثل ذيبه |
فإذا كل ينادون بآه | يا حبيبه |
وكان القوم من ضمن الشياه | في زريبه |
لست أرجو القرب من تلك التي | كالسحالي |
تقصد البازار إذ في غيبتي | لا تبالي |
تلك ليست زوجتي بل هفوتي | واختبالي |
هو السجن إذا اسعدت يوما بزورة | علمت بما لم تكن قبل تعلم |
فنظمنا الكبران | مثنى وبعضنا |
فاخرجت منديلي وقلت لصاحبي | منادل قوم عند قوم سحائب |
وعند عشاء القوم أخرج بعضهم | قليلا من الزيتون والكل حاسد |
حوى ذلك قرطاس به بعض أسطر | تراءى لهم أن السطور فوائد |
فجاءوا إلى من فيهم كان قارئا | يريدون ما بالطرس والطرس بائد |
فقلت وقد مال علي جميعهم | قراطيس قوم عند قوم جرائد |
وإن قدم الدخان يوما بربعهم | رايت ضبابا للعيون يحاصر |
وإن شاهدوا إيقاد فرد سيكارة | تحفز كل للوثوب وشمروا |
فيلقي الذي يبقيه منها ولم يكن | سوى جذوة تحتار فيها الأصابع |
فتخطفها الأيدي سراعا وهكذا | بوانيت قوم عند قوم سكائر |
ويما به جار على جاره اعتدى | وقامت على ظلم الظلوم الشواهد |
اتى حارس واقتاد من منهم بغى | لبيت عقاب أوحشته الشدائد |
ولكنه أبقى هناك غذاءه | ففاز به من للغنائم صائد |
فقلت كما قال الذين تقدموا | «مصائب قوم عند قوم فوائد» |
بذا قضت الأيام ما بين أهلها | مصائب قوم عند قوم فوائد |
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان-ط 2( 1994) , ج: 2- ص: 29