البلهوان علي بن عبد العزيز بن علي البلهوان الزعيم والمناضل السياسي والخطيب والكاتب الصحفي المفكر، شخصية من ألمع الشخصيات التونسية سياسيا وفكريا في العصر الحديث، ذات مواهب خصبة وجوانب متعددة.
كان خطيبا ساحرا يرتجل الخطب الطويلة باللغة الفصحى المبسطة التي لا تعلو عن أذهان الجماهير بدون أن يتلعثم أو يكرر المعاني بألفاظ مختلفة، في لهجة حماسية مؤثرة ونبرة قوية تمتلك القلوب. وهو كاتب مشرق الأسلوب، قوي البيان لا يميل إلى الاستطراد، منتظم التفكير وهو محاضر بارع يتحدث في المشاكل الفلسفية، يشد إليه الانتباه بغزارة معارفه وسعة اطلاعه ولا يغفل عن التلميح إلى مظالم الاستعمار ومساوئه وصمود الحركة الوطنية في نضالها، ودأبها في فضح ألاعيبه ودسائسه، وهو في خطبه صاحب شجاعة أدبية لا يرهب ولا يستخذي بل يرسل كلماته مجلجلة مدوية، غير هياب ولا وجل ولو في الظروف العصيبة الحرجة.
ولد بتونس في 13 أفريل وتلقى تعليمه في الكتاب حيث حفظ القرآن وأخذ مبادئ الكتابة وفي سنة 1334/ 1917 التحق بمدرسة خير الدين الابتدائية ومكث بها سبع سنوات خرج منها على أثرها محرزا على الشهادة الابتدائية، ثم دخل المدرسة الصادقية في أكتوبر 1924 ولبث بها سبع سنوات إلى أن خرج محرزا على شهادة الديبلوم في عام 1350/ 1931 ثم سافر إلى باريس لمواصلة دراسته فالتحق بكلية الآداب بجامعة السربون وتابع دراسة الآداب العربية والفلسفية بداية من سنة 1932 وتخرج منها محرزا على الإجازة وفي مدة إقامته بباريس كان نشاطه موزعا بين الإقبال على الدراسة والنشاط السياسي، فقد انخرط في منظمة نجم الشمال الأفريقي، وقدم لها خدمات جلى، وعمل في جمعية طلبة شمال أفريقيا ومعنى هذا أنه كان منذ تلك الفترة مؤمنا بوحدة أقطار المغرب العربي، وأن لها مصيرا واحدا رغما عن سياسة الاستعمار في تجزئتها وأمله في البقاء في هذه الأقطار.
وبعد تخرجه رجع إلى مسقط رأسه، وعين أستاذا بالمدرسة الصادقية في سنة 1935 فبث روحا جديدة في تلاميذه قوامها الفكرة الوطنية الصادقة، والاعتزاز بالشخصية القومية، ومقاومة مكائد الاستعمار ودسائسه.
وخشي الاستعمار من سريان هذه الروح الجديدة في أوساط الطلبة، فسلط عليهم العقوبات الصارمة ومنها الطرد النهائي، ورأى الاستعمار في هذا الأستاذ الجديد خطرا على سياسته فأقصاه الكاتب العام للحكومة كاترون عن وظيفته في 15 مارس! ) 1938 بدعوى أنه قام بجولات دعائية لفائدة الحركة الوطنية، فما استخذى ولا استسلم، ووالى نشاطه في الحزب الحر الدستوري الجديد.
وكان لقرار الفصل رد فعل في كل الأوساط الشعبية فأضرب طلبة الصادقية وجامع الزيتونة وطلبة المدارس الأخرى، وتأسست في تونس «لجنة الاتحاد الزيتوني المدرسي» للعمل على تنسيق نضال الطلبة إلى جانب الحزب، وعقدت اجتماعها الأول بنادي الحزب في اليوم الثاني من أفريل 1938 وحضره زهاء ثلاثة آلاف طالب.
وشارك المترجم له في مؤتمر الحزب المنعقد في 30 أكتوبر - 2 نوفمبر 1937 وكان انضمامه إلى الحركة الدستورية عام 1936.
وكان انعقاد هذا المؤتمر من أجل تغيير الحكومة الفرنسية (الجبهة الشعبية) التي وعدت بإدخال إصلاحات جوهرية على أجهزة الحكم بتونس، ورأى الاستعماريون الفرنسيون بتونس أن هذا الوعد لا يتفق مع مصالحهم فسعوا إلى نشر الفوضى والاضطراب، فأطلق البوليس النار على العملة المضربين في المتلوي في 8 مارس 1937 فأردى منهم 19 قتيلا وجرح الكثير منهم ونتيجة لذلك غيرت الحكومة الفرنسية سياستها وعدلت عن تنفيذ الإصلاحات التي وعدت بها.
وقرر الاستعمار الفرنسي مصادمة الحركة الوطنية وإلقاء القبض على رجالها، وفي هذا الجو من الفزع والرعب وقعت مظاهرة شعبية أمام القصر الملكي بحمام الأنف في 7 أفريل 1938 وهتف المتظاهرون بحياة تونس واستقلالها.
وقاد المترجم له مظاهرة كبرى سارت من ساحة الحلفاوين والتقت في باب البحر بالمظاهرة الثانية التي قادها الزعيم المنجي سليم والتي انطلقت من معقل الزعيم، وكانت الجماهير تنادي ببلمان تونسي، وكانت ساحة الإقامة العامة (السفارة الفرنسية) مطوقة بالجيش والدبابات والسيارات المصفحة وفي هذا الجو المكهرب اعتلى المترجم له أكتاف الشبان والعلم التونسي يرفرف إلى جانبه وارتجل خطابا ثوريا حماسيا رائعا من أهم ما جاء فيه: «جئنا في هذا اليوم لإظهار قوانا أمام هذا العاجز (يقصد المقيم العام أرمان قيون) الذي لا يقدر أن يدبر شئونه بنفسه ويتنازل عنها إلى «كاترون» (أي الكاتب العام للحكومة) ذلك الغادر الذي لا يزال يكيد للتونسيين، ويريد سحقهم في هذه البلاد لا قدر الله».
ولم تكن هذه المظاهرة وذلك الخطاب الناري يمران بدون رد فعل عنيف من السلطة الاستعمارية، فألقت القبض على المترجم له في 9 أفريل وسرى الخبر في العاصمة سريان البرق وتجمع المتظاهرون أمام المحكمة الفرنسية للسؤال عن مصير هذا الزعيم الشجاع، وبادر البوليس إلى تفريق جموع المتظاهرين ضربا بالعصي وإطلاق الرصاص، كما خرج الجيش من ثكنة القصبة وجال في شوارع باب المنارة وباب البنات وباب السويقة وفي حركة جنونية ألقى القبض على المارة، وأطلق الرصاص فقتل 122 تونسيا وجرح أكثر من ستين، ودامت المعركة نحو ساعتين وزادت شراسة الاستعمار بعد قتل أحد الجندرمة وإحراق عربة ترمواي قرب باب سويقة، وقرر اعتقال قادة الحركة الوطنية بتهمة التآمر على أمن الدولة في فجر 10 أفريل.
وكان من بينهم المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة، والحبيب بوقطفة، والبحري قيقة، وصالح بن يوسف، والطاهر صفر، والمنجي سليم، والهادي شاكر.
وفي هذه الفترة سجن المترجم له بتونس ثم نقل إلى تبرسق، ثم نقل في عام 1941 إلى برج سان نيكولا في مرسيليا.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية وانهزام فرنسا واحتلالها من قبل الجيوش الألمانية وإخضاع بقية ترابها للسيطرة الألمانية مما استثنته الهدنة في أول الأمر أطلق سراحه مع بقية رفاقه من المسجونين السياسيين في أفريل سنة 1943 وعاد إلى وطنه في 18 أفريل وكانت عودة هذا المناضل العنيد لا لينعم بالراحة بل ليواصل العمل فأشرف على إعادة تنظيم الحزب وإعادة تكوين إطاراته وتجديد هياكله وعقد الاجتماعات الدورية في المدن والقرى وألقى المحاضرات ذات الصبغة الفلسفية والأدبية على الطلبة في جمعية قدماء الصادقية والمدرسة الخلدونية، وفي السنة الدراسية 1945 - 1946 حضرت محاضراته في علم النفس وتاريخ الفلسفة الإسلامية في الخلدونية فأعجبت بحسن بيانه وغزارة اطلاعه وحيوية أسلوبه، وكانت لا تعن فرصة للحديث عن الحركة الوطنية إلا اهتبلها واستخلص العبرة واستنبط النتائج.
وفي أكتوبر 1948 انتخب عضوا في الديوان السياسي على أثر انعقاد المؤتمر المعروف بمؤتمر دار سليم وبعد انتخابه بذل نشاطا سياسيا كبيرا قصد بعث الوعي القومي وتنظيم الحركة الوطنية وكتب في الصحف المنتمية إلى الحزب ولم تنم عين الاستعمار عن نشاطه فمنعه من إلقاء محاضرة تحت إشراف جمعية الاتحاد الصفاقسي الزيتوني بتونس.
وبعد سنوات قليلة ازداد تصلب الاستعمار وتعنته وقرر الحزب إرساله إلى المشرق العربي يوم 14 سبتمبر 1951 للتعريف بالقضية التونسية وبجهاد الحزب ونشاطه فتوجه إلى القاهرة واتصل فيها بالجامعة العربية، وبين لدى مسئوليها موقف تونس من فرنسا، وكتب في الصحف وعقد الندوات والمحاضرات، وتكلم في الإذاعات باسطا للقضية التونسية ولسياسة فرنسا الاستعمارية، ثم سافر إلى العراق سنة 1952 أثناء قيام الثورة في تونس ولبث فيه أكثر من عام، وقام بنشاط كبير على غرار ما قام به في مصر، وعين أستاذا محاضرا في جامعة بغداد.
وعاد إلى القاهرة في حدود سنة 1953 وعند ما أعلنت فرنسا استقلال تونس الداخلي على لسان رئيس الحكومة منداس فرانس في جوان 1954 وتألفت الوزارة التفاوضية في أوت 1954 وفي أثناء المفاوضات رجع إلى وطنه ليواصل مسيرة الكفاح من جديد فأشرف على العديد من اللقاءات وتم اختياره في شتاء عام 1955 كاتبا عاما للجنة «التعاضد القومي» وساهم في إنجاح مؤتمر صفاقس المنعقد أيام 15 - 18 نوفمبر 1955 وتراس مصلحة النهوض الاجتماعي بالحزب إثر توقيع وثيقة الاستقلال التام (20 مارس 1956) وانتخب عضوا في المجلس التأسيسي نائبا عن جهة سبيطلة، ثم انتخب أمينا عاما له، ثم مقررا عاما لمشروع الدستور وعند ما ألغيت الملكية وأعلنت الجمهورية في 25 جويلية 1957 عين المجلس التأسيسي وفدا لإبلاغ آخر بايات تونس (محمد الأمين) قرار إعلان النظام الجمهوري، وهذا الوفد يتركب من السادة: أحمد المستيري، وأحمد الزاوش، وإدريس قيقة (وزير الداخلية الآن) والطيب المهيري، وصاحب الترجمة.
وكان ضمن الوفد التونسي للأمم المتحدة عام 1956 وترأس وفد تونس إلى المؤتمر الأفريقي الآسيوي في ديسمبر 1957، ووفد العلماء في ندوة لاهور للشعوب الإسلامية.
وفي سنة 1957 انتخب رئيسا لبلدية العاصمة، وعين ضمن الوفد الرسمي الممثل لتونس في مؤتمر طنجة المنعقد في 27 - 29 أفريل 1958 واختير ليكون ضمن النواب الجزائريين والمغاربة الذين كلفوا بإبلاغ قادة المغرب العربي نتائج المؤتمر ومقرراته، وكاد ينهى هذه المهمة مع بقية أفراد اللجنة في 11 مارس 1958 ولكن الموت الفجائي قضى عليه قبل ذلك بيومين إذ فارق الحياة في 20 شوال 1377/ 9 مارس 1958 في الساعة الرابعة والربع مساء على أثر سكتة قلبية وهكذا انطفأت شعلة من الحماس المتأجج والعمل الدائب المتواصل والفكر النير الحر.
مؤلفاته:
1 - الاقتصاد التونسي (مخطوط) درس فيه مشاكل الاقتصاد بالبلاد وقضية تزايد السكان وبسط نظرياته في خصوص الأراضي المهملة، وقلة الأمطار وندرة المياه في الجنوب.
2 - تصميم العاصمة (مخطوط) ألفه أثناء رئاسته لبلدية العاصمة.
3 - تونس الثائرة - ألفه بالقاهرة، وطبع في تونس بلا تاريخ، سجل في هذا الكتاب نضال الشعب التونسي على مر العصور، وبالخصوص الفترة العصيبة التي مرت بها (1949 - 1954) والكفاح البطولي للشعب في هذه الفترة وسجل فيه تاريخ الحركة الوطنية وصراعها مع الاستعمار والتجاء الاستعمار في طوره الأخير إلى الاغتيال مثل اغتيال فرحات حشاد والهادي شاكر، والطور الأخير من الكفاح بقيام ثورة 1952.
4 - ثورة الفكر أو مشكلة المعرفة عند الغزالي، مط الإرادة تونس بدون تاريخ، نشر معظم فصوله في مجلة «المباحث»، وحلل في الكتاب شخصية الغزالي، وأطوار حياته وأبرز
قيمة مؤلفاته، ودرس آراءه الفلسفية ومنهجه مقارنا بينه وبين بعض فلاسفة الغرب كدافيد هيوم، وإيمانوئل كانت، وهنري برغسون وغيرهم وأبان في هذا الكتاب عن اضطلاعه في الفلسفة الإسلامية واطلاع واسع على الفلسفة الحديثة وسيطرة فكرية على ما توفر لديه من آراء ومعلومات.
5 - شمال أفريقيا (مخطوط) وهو ترجمة لكتاب المؤرخ الفرنسي شارل اندري جوليان.
6 - مذكرات زعيم، يشتمل على قسم وافر من مذكرات الزعيم الحبيب بورقيبة التي حررها ما بين سنتي 1940 - 1941 في سجن نيكولا بمرسيليا، وكان معتقلا معه (مخطوط).
7 - نحن أمة كتيب في 44 ص ط تونس بلا تاريخ، دون فيه محاضرة كان ألقاها في نوادي الجمعيات الثقافية والحرب العالمية الثانية على وشك النهاية (1944) وفيه رد على من أنكر وجود أمة تونسية وجحد شخصيتها وتاريخها.
المراجع:
- رشيد الذوادي: علي البلهوان حياته وآثاره، ط تونس 1974.
- الأعلام 4/ 300 (ط 4/).
- حياة كفاح لأحمد توفيق المدني (الجزائر) 2/ 338 - 339.
* * *
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان-ط 2( 1994) , ج: 1- ص: 118