أبو بكر سعيد أبو بكر، الأديب الشاعر الصحفي.
ولد في بلدة المكنين الواقعة بين بلدتي سوسة والمهدية من الساحل الشرقي التونسي في 28 أكتوبر ونشأ في بلدته في رعاية عائلة طيبة متواضعة تعلم أولا في الكتاب حيث استظهر نصيبا من القرآن وتعلم الكتابة، ثم انتقل إلى المدرسة القرآنية، حيث تعلم اللغة العربية ومبادئ العلوم الإسلامية من فقه وتوحيد ومبادئ اللغة الفرنسية. وارتكزت تربيته في وسطه العائلي وبين المثقفين ببلدته على أسس الأخلاق الإسلامية ومحبة الوطن.
وبدت عليه منذ صغره مخايل الفطنة والذكاء والحساسية والشاعرية المبكرة، وكان ذلك جالبا لأنظار أقرانه ومعلميه، وبدأ في قرض الشعر حوالى الحادية عشرة من عمره. ومن حسن حظه أن عني به معلموه ووجهوه وشجعوه على قول الشعر وذكر الشيخ راجح إبراهيم في تصديره «للسعيديات» (ديوان سعيد أبي بكر الجزء الأول ص 12) أن سعيدا كان يضيق بتشطيبات معلمه لمواضيعه الإنشائية فتوصل إلى جبر المعلم على عدم مس إنشائه بالتجائه إلى الشعر في كتابة الموضوع. قال الشيخ راجح إبراهيم: «ونذكر ... على سبيل الفكاهة أن معلما كان مغرما بالتنقيح والتشطيب والزيادة والنقص في مواضيع الإنشاء التي يحررها تلاميذه، وقد كان سعيد يجهد نفسه في كتابة الموضوع بصورة كان يتحققها تقنع المعلم ولا تحوجه لا لتنقيح ولا لتشطيب ولكن بدون جدوى وأخيرا توصل سعيد إلى أن أجبر معلمه على عدم مس كتابته بطريقة شيطانية لم تكلفه إلا كتابة الموضوع قصيدة شعرية لم يجد المعلم إلى نفسه حقا في مسها خوفا من الإخلال بالوزن والقافية.
وذكر الشيخ راجح إبراهيم أنه صاغ الشعر ولم يتجاوز العاشرة «وكذلك إن بعض أناشيده في هذا السن ارتضاها أساتيذه وجعلوها أناشيد مدرسية لا تزال حتى اليوم تنشد بمدرسة المكنين تذكارا لطيفا لهذا النبوغ».
يقول الشعر ويكتبه في كل مكان، في الموضع الخالي أو المحل العمومي، ويكتبه في كل وقت لا فرق عنده بين الصباح والمساء. وإذا استعصت عليه قريحته في بعض الأحيان فيكفيه لإخضاعها أن يبدل قلمه أو كرسيه وأن يقوم ويخطو بعض الخطوات ويعود إلى مكانه.
ولم يتجاوز مرحلة التعليم الابتدائي ولكنه كان شغوفا بالمطالعة يطالع الجرائد التونسية والشرقية التي تصله أو تصل إلى ثلة من أعيان بلدته المثقفين. وفيها قرأ أشعار صبري، وشوقي وحافظ، وخليل مطران، والرصافي، وعريضة، وشكيب أرسلان، والخوري، والزركلي، والكاظمي، والشبيبي وغيرهم من شعراء وأدباء الإصلاح في الشرق العربي وفي تونس. وهذه المطالعات ألهمت قريحته فكتب العديد من المقالات ونظم ديوانه «الزهرات» ولعل مطالعته لم تتجاوز الجرائد ولم يكرع من مناهل الأدب العربي، ولذلك كانت لغته يشوبها الضعف.
وله قصيدة بعنوان: «أيها الشعراء إلى نهضة الشعب قبل مماته» انتقد فيها القوالب الجامدة في التعبير والأغراض التقليدية من مدح ورثاء وغزل.
وهو أديب ثائر مجدد، قال الأستاذ أحمد خالد عنه: من مظاهر نزعته الثورية الأدبية أنه من القائلين بحل قيود الشعر وإدخال أوزان جديدة عليه. وهو أول شاعر تونسي تجاسر ونظم من الأوزان الجديدة التي ابتكرها شعراء المهجر ومن الأوزان التي ابتكرها لنفسه وأصبح له فضل ابتداعها عند محبذي طريقته، غير مبال بالانتقاد الذي كان يوجهه إليه أناس كثيرون في بادئ الأمر، ولكن ما لبث أن اقتدى به بعض الشعراء العصريين وأصبحنا نرى من حين لآخر على صفحات جرائدنا من الشعر الجديد.
وسعيد لم يكن من أسرة ثرية، ولعل هذا مما عاقه عن مواصلة تعلمه الثانوي بسوسة أو بتونس وخرج من بلدته يبحث عن لقمة العيش فعمل كاتبا بمكتب الشيخ راجح إبراهيم الوكيل (بمثابة المحامي الآن) بسوسة وكان أحد أعلام الحركة الإصلاحية في مطلع هذا القرن بتونس ومنتميا إلى الحزب الدستوري القديم وكان مكتبه منتدى يلتقي فيه الأدباء والمثقفون
والمشتغلون بالسياسة والمهتمون بالإصلاح والصحفيون بالساحل ليستعرضوا ألوانا من الأدب ويخوضوا في شتى المواضيع التي كانت تشغل بال المثقفين الأيقاظ زمنئذ.
وهذا الاحتكاك الأول بالشيخ راجح إبراهيم وجماعته مكن المترجم له من اكتساب ثقافة وخبرة بالأمور السياسية والاجتماعية ووجهه إلى الأدب الاجتماعي والإصلاحي والسياسي وآنذاك بدأ ينشر قصائده السياسية والاجتماعية في جريدة «صدى الساحل» للحاج إسماعيل ابن حميدة منذ سنة 1921 ثم راسل الصحف التونسية الصادرة بالعاصمة «كالنديم» و «الصواب» و «الوزير» و «النهضة» و «لسان العشب» و «مرشد الأمة» وهذه الجرائد كلها وطنية تنطق بلسان الحزب الدستوري القديم، عدا جريدة «النهضة» التي كانت لسان حال «الحزب الإصلاحي» وربما يكون سعيد يتلقى التوجيه المباشر من الشيخ راجح إبراهيم، فالصحف الشرقية والمجلات تصل مكتبه ولكثرتها كان يستعين بكتابه لقراءتها له.
وهو لا يغفل عن توجيه القارئ وإرشاده إذا أخطأ في القراءة. فقد عرفت رجلا من أكودة (بلدة الشيخ راجح إبراهيم) عمل في مكتبه، وكان يقرأ له الصحف والمجلات، وكان يصوب له أخطاءه عند القراءة حتى استقام لسانه وأصبح لا يخطئ وإذا سئل لماذا قرأ هكذا؟ قال: بالسليقة، وأنا لا أحسن النحو، وكان ينظم المقطوعات الشعرية الجيدة، وأصل تعليم هذا الرجل في الكتاب. وإذا كان هكذا فبالأحرى أن يستفيد منه سعيد استفادة أوسع.
ثم انتقل إلى تونس العاصمة واستقر بها إلى أن توفي في 29 جانفي سنة 1948 وعمل في مكاتب المحامين، ولم ينقطع عن قرض الشعر والعمل في الحقل الصحافي والحزبي.
وكان ينشر قصائد ذات طابع اجتماعي وسياسي بعنوان «زهرة بعد زهرة» في جريدة «النديم» لصاحبها الأديب الشاعر حسين الجزيري حتى إذا تجمع له منها عدد وافر نشرها في كتيب عنوانه «الزهرات» وذلك بعد جفوة حصلت بينه وبين صاحب النديم بعد أن كانا صديقين حميمين وانقطع عن الكتابة في جريدة «النديم».
وأصدر مجلة «العالم» بعد أن تسوغ امتيازها من السيد محمد فخري أستاذ الخط بالمدرسة الخلدونية، وفسخ الامتياز بعد سنة ونصف قبل انتهاء المدة المتفق عليها لخلاف بينه وبين سعيد، ونشر المترجم له طرفا من الخصومة في المجلة.
وفي سنة 1937 أصدر مجلة شهرية بعنوان «تونس المصورة» واحتجبت عن الظهور بعد شهر نوفمبر 1943 بسبب دخول الجيوش الألمانية إلى البلاد واستأنفت الصدور خلال سنة 1945 بعد جلاء هاته الجيوش.
وقد نشر في الصحافة قصصا قصيرة في أغراض اجتماعية.
مؤلفاته:
1 - دليل الأندلس أو الأندلس كأنك تراها، هو رحلته إلى اسبانيا وهذا الكتاب يشتمل على مجموعة من الصور الفوتوغرافية أخذت عن قصر ابن عباد باشبيلية ومن الجامع الكبير بقرطبة، وفيه وصف لآثار مدينتي قرطبة واشبيلية وهو في جزءين، طبع الأول منهما في تونس سنة 1933.
2 - الزهرات، ديوان شعر صغير جمعه بعد نشره في جريدة «النديم» بعنوان زهرة بعد زهرة قال في المقدمة: «لقد بذلنا مجهوداتنا وجعلنا هذه المجموعة عبارة عن «كشكول» يجد فيها المطالع شيئا من كل شيء ضرورة أننا كنا ننتقل فيها بقرائنا من الأدبيات إلى الاجتماعيات ومنها إلى الفكاهات والمداعبات كل ذلك حرصا منا على ارتياح نفس المتطلع إليه، فإذا هي لم تكن لترتاح إلى ذلك فحسبنا أردنا وحاولنا».ط بتونس سنة 1930.
3 - السعيديات، ديوان شعر الجزء الأول وبقي الجزء الثاني غير مطبوع. قال في مقدمته:
«إنني أتقدم اليوم بالجزء الأول من ديواني إلى أبناء البلاد وأبناء الشرق وأنا حاسب أنني قد بذلت قصارى مجهوداتي في ترضيتهم وفي تقديم كل شيء نفيس عندي.
ولقد رأيت من الأحسن أن أقدمه إلى القراء من غير تبويب خلافا لما جاءت به الدواوين التي جرت عادة أصحابها أن يقدموها حسب حروف الهجاء أو حسب أبواب الشعر، أو حسب تاريخ الحوادث، أما أنا فقد جعلته شبه كشكول لأني لم أنظم شيئا في كثير من الأبواب التي اعتاد الشعراء أن ينظموا فيها مثل المديح والهجاء، والفخر، والرثاء، والغزل، وغير ذلك، بل إن جميع قصائدي يمكن أن تكون في باب واحد ليس إلا. هذا وقد أبقيت القصائد التاريخية المشتملة على تفصيل حوادث دخلت في التاريخ سواء مما وقفت عليه في الكتب أو مما حضرت عليه بنفسي، وقد عولت على إثباتها في الجزاء الثاني من «السعيديات» التي سأشرع في طبعها بحول الله في العام المقبل».
وهو يشتمل على قصائده الاجتماعية والوطنية، وعلى مقدمة الشيخ الأستاذ راجح إبراهيم وقد أهداه «إلى كل امرأة شرقية تقوم بواجبها في بيتها بين أبنائها، وإلى كل أستاذ شرقي يقوم بواجبه في قسمه بين تلاميذه وإلى كل فتى وفتاة خرجا من حضن أمهما إلى حضن المدرسة القومية ليخرجا منها عارفين قيمتهما ومقدرين حقوق البلاد عليها ... ».
ط. بتونس 1927 في 110 من القطع المتوسط.
4 - مؤتمر قصر هلال، أصله فصول وصفية نشرها بجريدة «النهضة» عن مؤتمر قصر هلال المنعقد في 2 مارس 1934 وأمضى هذه الفصول باسم مستعار «دستوري محايد» خوفا من اللجنة التنفيذية للحزب الدستوري القديم التي كان منتميا إليها.
وقد أعاد طبعها في كتيب سنة 1936 ونشرها من جديد سنة 1967 الأستاذ محمد الصياح المدير السابق للحزب الاشتراكي الدستوري بعنوان «مؤتمر البعث» وصدره بمقدمة عن حياة الكاتب.
وله آثار أخرى مبعثرة في الصحف، حبذا لو تتوفر الهمم لجمعها في كتاب بعنوان:
«مقالات سعيد أبي بكر» أو نحو هذا، منها ارتسامات عن رحلته إلى الجزائر نشرها في جريدة «لسان الشعب» بين سنتي 1927 و 1929 في حلقات متسلسلة بعنوان «عشرون يوما في عمالة قسنطينة» وفيها وصف للأماكن التي زارها.
المراجع:
- أدباء تونسيون ص 28 - 45.
- الأعلام 3/ 145.
- الأدب التونسي في القرن الرابع عشر 1/ 95 - 128.
- شخصيات وتيارات لأحمد خالد (ط 2/ تونس 1976) ص 65 - 97.
- مجمل تاريخ الأدب التونسي 316 - 321.
- معجم المؤلفين 4 - 221.
- بروكلمان الملحق 3/ 499.
- الحبيب الشاوش: سعيد أبو بكر الرجل والشاعر الثوري، جريدة «بلادي» جانفي 1979.
- زين العابدين السنوسي: مجلة «الندوة» ماي 1953.
* * *

  • دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان-ط 2( 1994) , ج: 1- ص: 110