القاوقجي فوزي القاوقجي: أحد القادة الكبار في الثورة السورية والفلسطينية. ولد في مدينة طرابلس الشام، وخرج منها إلى استانبول للدراسة طفلا. تخرج ضابطا في المدرسة الحربية بسلاح الخيالة العثماني، وعمل أولا في الموصل، فظهرت قدراته مباشرة، فصار معلم الفروسية في الكتيبة. قويت في نفسه المشاعر العربية مع انكشاف ضعف الأتراك، فلما نشبت الحرب العالمية الأولى اتصل به بعض الساسة العرب للقيام بالدعاية للثورة العربية بين قبائل البدو التي كانت تكن له الاحترام والحب. اشترك في الحرب ضد الإنكليز، وأصيب سنة 1914، عين سنة 1916 في فرقة الخيالة العثمانية الثالثة المرابطة على خط بئر السبع - غزة الدفاعي في وجه الإنكليز، فاكتسب خبرة في أصول الاستطلاع ونصب الكمائن واشتهر في جرأته. وحصل على عدد من الأوسمة وقويت صلته بالقادة الألمان ورافقهم. وبقي مواليا للأتراك رغم كرهه لهم ويقينه بخسارتهم، لأنه كان يشك بنوايا الحلفاء تجاه الثورة العربية. عينه الملك فيصل في ديوان الشورى الحربي، فتكشف له غدر الحلفاء، ثم آلمه دخول الفرنسيين دمشق، فثار عليهم عام 1925، وكاد يستولي على مدينة حماة لولا قصف الطائرات، فخرج إلى البادية، فاستثار القبائل ضد المستعمرين، وكان أبرز آثار حركته تخفيف الضغط عن الثوار جنوب سورية. وانتقل إلى منطقة القلمون والغوطة وجبل العرب، فأسند إليه مجلس الثورة القيادة في منطقة الغوطة، فحقق انتصارات كبيرة، لكنه انسحب نحو جبل العرب لنقص العتاد والرجال. تنقل في مهام سياسية بين تركيا والقاهرة والسعودية حتى عام 1932 حين التحق بالملك فيصل بالعراق، فعين معلما للفروسية وأستاذا للطبوغرافية في المدرسة الحربية الملكية برتبة رئيس (نقيب). شارك بثورة 1936 في فلسطين مما زاد في حماس الثوار، وألحق بالإنكليز خسائر كبيرة في معارك بلعا وجبع وبيت إمرين، لكنه انسحب بناء على أوامر القيادة السياسية، ورجع إلى بغداد فنفته حكومة بكر صدقي إلى كركوك استجابة لطلب الإنكليز، وأفرج عنه، فعاد إلى بغداد وحاول الإعداد لثورة تشمل أنحاء سورية فأخفق نظرا لنشوب الحرب العالمية الثانية. شارك بثورة رشيد عالي الكيلاني، وأصيب بجراح خطيرة، فنقل إلى مستشفى دير الزور فبرلين، حيث أجريت له عملية جراحية، واستخرج من جسده 19 رصاصة وشظية، وبقيت رصاصة في رأسه حتى أواخر حياته. ورفض التعاون مع الألمان لشعوره بأنهم يستغلونه وغيره من زعماء العرب للتجسس. وأسره السوفييت لما دخلوا ألمانيا، ثم أطلقوا سراحه، فغادر إلى باريس. انتهى به طوافه إلى دمشق عام 1947 ووجد قضية فلسطين قد بلغت مرحلة خطيرة، فاقترح تأليف قوة متطوعين عرب مدربين تسلحهم الدول العربية للوقوف في وجه اليهود، فوافقت الجامعة العربية على اقتراحه، وكلفته قيادة المتطوعين أو ما سمي بجيش الإنقاذ، ولاقى في ذلك صعوبات عديدة، ونقل مقر قيادته إلى قرية جبع في قضاء جنين، وأقام فيها محطة إذاعة خاصة، أصدر منها بيانا إلى الشعب، ووضع منهجا للعمل وخاض معارك مظفرة، ولكنه عانى من نقص الإمدادات. وأمرته القيادة العليا بالانسحاب وتسليم مواقعه للجيش الأردني، فغادر إلى القدس لنجدة الأحياء العربية المهددة بالسقوط. ثم انتقل مع قواته إلى الجبهة اللبنانية، وانتصر بمعركة المالكية التي أبقت جبل عامل بيد العرب. ولما أعلنت الهدنة الأولى وشعر بخطئها قدم استقالته إلى الجامعة العربية، فأقنعوه بسحبها، وعاد إلى الجبهة، فحقق بعض النجاح في صفد والمنارة. ولما توقفت الجيوش النظامية عن القتال تفرد به الصهاينة وهاجموه بقوات متفوقة، فتمكن من الانسحاب بقواته إلى جنوب لبنان ثم اضطر إلى تسريح نصف جيشه. وشعر بمرارة الهزيمة حين وقعت الدول العربية اتفاقيات الهدنة الدائمة في رودس، فانتقل إلى دمشق ليعيش فيها بشبه العزلة، ثم غادرها إلى بيروت في ظروف مادية ونفسية أليمة، وبقي فيها حتى وفاته. كتب (مذكرات القاوقجي) وترك عددا ضخما من الوثائق، غنمها في حروبه.

  • دار صادر - بيروت-ط 1( 1999) , ج: 1- ص: 204