ابن العمري
محمد الحصري
محمد الحصري
أتى وظلام الليل ولي مبددا | فراح ولم يشف الغليل من الصدى |
وولي وما حققته دهشة به | فمن لي بذاك الطيف لو عاد أحمدا |
أعيد ارقادي يا خليلي كي أرى | خيال حبيب بالجمال تفردا |
بهي جمال بالمحاسن فاتن | إذا ما بدا كالظبي أحور أغيدا |
يفوق ضياء الصبح واضح فرقه | وكالليل إن أرخى من الشعر أجعدا |
هو الشمس لكن إن رأت نور وجهه | بدور السما خرت على الأرض سجدا |
من الترك مياد القوام مهفهف | يفوق غصون البان لينا إذا بدا |
يهز علي الرمح وهو أخو الرشا | ويبرز من لحظيه سيفا مجردا |
غزال غزا قلبي بماضي لحاظه | فصرت باشراك الجفون مقيدا |
جفاني بلا ذنب ملحا بهجره | فأضحى اصطباري في هواه مشردا |
وأصبح قلبي بالصبابة هائما | وأمسى بفيض الدمع جفني مسهدا |
فهل باخل بالوصل يسمح باللقا | لصب بسكر الشوق ضل عن الهدى |
لعمري إذا رمت الهدى بعد حيرة | فمدحك مولى في البرية أوحدا |
هو المنهل العذب الذي فاض فيضه | وقد ملأ الآفاق مجدا وسؤددا |
علي المفدى كامل الفضل والحجا | وحيد العلا بالمكرمات تعودا |
حاز الجمال بطلعة وسناء | وسبى الأنام بمقلة وسناء |
قمر يميس من الدلال تصلفا | كتمايل النشوان بالصهباء |
إن لاح قلنا يا شموس تبرقعي | خجلا كما بدر السما بحياء |
وإذا تبسم ضاء نور ثاقب | لمن اهتدى كالبرق في الظلماء |
جمع المحاسن خده وبثغره | كنز يضئ بجوهر لألاء |
زاهي الجمال مفتر الأجفان في | سحر بدا أمر على الأمراء |
نطقت حروف الشكل أن لحاظها | تركت ببابل أعظم الأهواء |
في وجهه نور وداخل مهجتي | نار يؤججها الهوى بحشائي |
فكأنما عيني التي قد أوجبت | تأثيرها في الوجنة الحمراء |
وجنت على قلبي بلمحة ناظر | فقصاصها ترعى نجوم سماء |
أكرم بجيد حشوه جود يرى | والصدر بيت العلم والانشاء |
حاوي المكارم والمفاخر والعلا | بحر طمى قدوة الفضلاء |
المورد العذب الذي من فيضه | بحران بحر ندى وبحر سخاء |
قاض يعم بعدله كل الورى | وبحكمه ترك العدا بشقاء |
عمر المنازل عدله وكماله | عمر المفدى أفصح الفصحاء |
نتج الزمان به وفاق بفضله | وبجوده أربى على الأنواء |
هو مرجع يزجي إليه وحقه | هو مقصد الفضلاء والكرماء |
قلبي لصدك صابر وحمول | هيهات أني عن هواك أحول |
يا من شغفت به فعذب مهجتي | رفقا فجفني بالسهاد كحيل |
مالي سوى روحي وإن ترضى بها | يا حبذاك وإن ذا لقليل |
عيناك قد رمتا بقلبي أسهما | فلذا جفوني بالدماء تسيل |
يا قاتلي ظلما بلين قوامه | عوفيت إن يك عن دمي مسؤل |
أنت الطبيب لمن به حل الشقا | وشفاء قلبي ريقك المعسول |
قد كنت تأتي كل يوم زائرا | واليوم حتى بالسلام بخيل |
قل لي فما ذنبي وما ذاك الذي | قد كان مني فالمحب حمول |
أو أن أكن أخطأت جهلا إنني | أنا تائب والعفو منك جميل |
بالله يا ريح الصبا فاحمل له | مني الرسالة والحديث طويل |
وأخبره أن الروح من هجرانه | ذابت عليه ووصله المأمول |
سقيا لأيام الوصال فإنها | رقت كما رقت صبا وقبول |
قد كان لي فيها رقيبي شافعا | وكذا العذول إلى الحبيب رسول |
طابت كما قد طاب مدح الماجد الـ | ـمولى الممجد من نداه سجيل |
أدر المدامة يا مليك الأنفس | ممزوجة في ثغرك المتلعس |
صهباء بحلي في الكؤس كأنها | خود بدت في أحمر من أطلس |
راح حكت في اللون خد مديرها | بصفائها وشعاعها في الأكؤس |
بكر إذا باكرتها لك أولدت | سر السرور مع النديم الأكيس |
في روضة تزهو بحسن أزاهر | من سوسن وقرنفل مع نرجس |
والورد باد في الغصون كأنه | سلطان حسن جالس في مغرس |
والطير والشادي على صوتيهما | قم يا نديم أدر كؤس المجلس |
ساق كأن الله أودع حسنه | وجماله سر الجمال الأقدس |
يسبي الغزالة في السماء وفي الفلا | بجماله وبطرفه المتنعس |
وإذا مشى يختال من صلف به | أزري ببانات الغصون الميس |
وإذا رنا تيها بطرف فاتر | قالت أسود الغيل هذا مقوسي |
رشقت لواحظه بقلبي أسهما | أبدينها بحواجب هي كالقسي |
بدر إذا ما ماس في داج تخل | شمس الظهيرة أشرقت في الحندس |
يفتر عن در فتحسب في الحمى | برقا تألق في نهار مشمس |
رشأ حوى رتب الجمال كما حوى | رتب الكمال وكل فضل أقعس |
بحر الندى نجم الهدى من قد سما | عمر المفدى بالدنا والأنفس |
مولى كساه الله جل جلاله | ثوب المهابة وهي أشرف ملبس |
قلب إلى لقيا الأحبة شيق | ومدامع طول المدى تترقرق |
ونواظر ترعى النجوم فليتها | تغفو عسى منهم خيال يطرق |
وإذا سمعت بذكرهم بين الورى | فيصير قلبي من جواه يخفق |
فأموت من وجدي وأذكر ما مضى | وأذوب من حرقي ونفسي تزهق |
ولقد بكيت على التلاقي ساعة | حتى لكدت بماء جفني أشرق |
وبمهجتي رشا يميس رشاقة | كل الغصون إذا تبدى تطرق |
جدلان ساجي الطرف مهضوم الحشا | حلو الشمائل طرفه متملق |
فالبدر من لآلاء طلعته بدا | وجبينه منه الغزالة تشرق |
إن لاح طرفي شاخص لجماله | أوصال قلبي من سطاه ممزق |
ما ضر لو منع التجافي والقلى | وبوصله قد جاد وهو الأليق |
وعلام يمطل بالوصال أما يرى | قلبي له متشوف متشوق |
فإليك عني يا عذول فإنني | من جور أحكام الهوى لا أفرق |
أو ما ترى الروض البهي كأنه | نشر على وجه الرياض ورونق |
والشهب تزهو بالضياء لأنه | قد لاح نجم محمد يتألق |
الفاضل الحبر الهمام ومن له | فضل على أهل الفضائل يفرق |
خيال أتى والليل راع ظلامه | فشرد عن جفن المعني منامه |
وراح وألقى في الحشا لاعج الهوى | مقيم بقلبي حره وضرامه |
وما حققته العين من فرط دهشتي | بذاك المحيا وهو راخ لثامه |
وقد قرحت بالسهد أجفان ناظري | ودمعي على الخدين طال انسجامه |
فأصبح عما أشتكي لوعة الجفا | وأمسى سرورا عل نحوي لمامه |
إذا لاح برق في دجى الليل ساطع | وتوهم طرفي أن ذاك ابتسامه |
غزال رخيم الدل رخص بنانه | له في الحشا مرعى وقلبي مقامه |
يعير شموس الأفق من نوره كما | يعير غصون البان لينا قوامه |
ويخجل بدر التم حسنا وطلعة | وما البدر إلا عبده وغلامه |
إذا ما نضا عنه القناع مخاطبا | تقشع عن بدر الدياجي غمامه |
يجرد من سود اللواحظ أبيضا | ليجرح قلبي لحظه وحسامه |
له طرة تبدي الدجى وجبينه | يزيح عن الليل البهيم قتامه |
وقامته كالرمح والسيف ناظر | وحاجبه قوس رماني سهامه |
بدير علينا راح ثغر قد انجلت | بكأس عقيق قد حلا لي مدامه |
وقد لامني الواشي على فرط حبه | وأصعب شيء كان عندي ملامه |
يروم سلوي عن هواه وكيف لي | وبين ضلوعي وجده وغرامه |
لئن عز صبري عن لقاه فمخلصي | بمدح الذي عم البرايا اهتمامه |
قسما بأني عهده لا أفسخ | ولو أنه بالهجر وصلى ينسخ |
بأبي وبي أفديه ظبي أغيد | في حسنه بدر السماء له أخ |
ريان من ماء الشباب وخده | من مسك عارضه الأريج مضمخ |
إن ماس أزرى بالعوالي قده | وعلى غصون البان منها يجفخ |
فكأن طرته ونور جبينه | ليل دجوجي منه صبح يسلخ |
يرنو بألحاظ نوافث سحرها | شهرت مواضي للعزائم تنسخ |
علقت به روحي فعذب مهجتي | بصدوده وعن التواصل يزمخ |
ولقد كتمت هواه بين جوانحي | إذ لم أجد لي للتلاقي مصرخ |
يا للأخلا قد تزايد بعده | عني وفي هجري تراه يرضخ |
وأحل قتلة عاشقيه أما ترى | خداله بدم القلوب يضمخ |
كيف التخلص من هواه وقد غدا | للحب في جنب المتيم مرسخ |
إن لامني في حبه الواشي فلي | سمع عن التعنيف فيه أصلخ |
لم يدر أني في هواه مخلص | بمديح من في مجده يستبذخ |
الماجد الشهم الذي بفضائل | أضحت له الأعداء دوما تدنخ |
هو نجل إسمعيل من فاق الأولى | بمكارم مثل السحائب تنضخ |
صب بالهجر تهدده | قد ذاب جوى من يسعده |
والسقم براه وأنحله | فلذا ملته عوده |
سهران الطرف له رقت | في الليل نجوم تشهده |
وغدا يشدو من فرط جوى | يا ليل الصب متى غده |
يهواه الصب فيشغله | أسف للبين يردده |
قمر في القلب منازله | فعجيب عنه تباعده |
ريحان العارض فيه حوى | خطا ياقوت مجوده |
في الحسن فريد بل ملك | فتعالى الخالق موجده |
طفل لحديث السحر روى | عن بابل طرف يسنده |
رشأ ألليث بمقلته | يسطو للغاب يقيده |
يرنو باللحظ فيسحبه | للقتل دعاه مهنده |
بالله أعيذك يا أملي | من قتل شج تتعمده |
وأرفق بالقلب فإن به | جمرا قد زاد توقده |
واسمح بالغمض لعل بان | في النوم خيالك يسعده |
في قيدك قد أمسى دنفا | وأنا في ذاك مخلده |
لم ألق خلاصا منه سوى | من سام ذراه ومحتده |
أذى لآل أم عقود الجمان | أم أنجم الجوزاء أم بهرمان |
أم ذا هلال الأفق بادي السنى | أم بدر تم قد تراءى عيان |
أم بابل أهدت لنا سحرها | فالعقل مني حائر والجنان |
أم روض نوار بدا نشره | فعطر الأكوان أم عرف بان |
عاينت فيه الورد مع نرجس | فقلت ما أحسن هذا القرآن |
من حسنه قد حار عقلي ومن | نظم أتاني من بديع الزمان |
نجل المفدى والامام الذي | كالشمس معروف لقاص ودان |
بالعلم والأفضال عم الورى | نفعا وإحسانا كريم البنان |
سقيا لقبر حل فيه وقد | أسكنه الله فسيح الجنان |
وأنت يا مولاي من بعده | علامة العصر فريد الأوان |
لقد أتاني منك لغز غدا | سناؤه يسمو على النيران |
ثملت من معناه لما أتى | فمنه سكري لا ببنت الدنان |
يسال عن ورد زكا نشره | به تذكرت خدود الحسان |
وليث غاب إن سطا في الوغى | سلاحه ماض كحد السنان |
تحريفه يروى وإن درته | مساكن الأفراح في العنفوان |
وثلثه أذكرني الشاعر الـ | ـوأواء من للشعر حلي وزان |
وما بقي فالدر إن درته | وإن تحرفه فدر اللبان |
والأصل منه صدق ودأتي | ما زال مأمونا إذا القلب بان |
فما اسم شيء رق طبعا بدا | في الفضل مشهورا به يستعان |
يروق إشراقا ولكنه | يروع غربا والمراع الجبان |
له لسان أخرس كم به | كلم إنسانا بذاك اللسان |
كم شق من نهر على سابح | وهام في واد وخلى مكان |
عذب حينا في لهيب اللظى | وكم رأى من طارق في الزمان |
وصبره صيره راقيا | وماضي الأحكام في كل آن |
طورا تراه راكعا ساجدا | مع المصلين اماما عيان |
فياله من عالم إن رأى | متنا فيشرحه بحسن البيان |
مدبج اللون يرى أخضرا | وأبيضا في حمرة الارجوان |
تصحيفه وصف لأنعامكم | وذا حنين أم حياء وصان |
ضم حواشيا غدت سورة | وقلب باقيه طبيب يدان |
لم يخش من شيء ولكنه | إن طاح منه الرأس فالموت حان |
وهو رباعي ولكن إذا | للربع تحسبه تجده ثمان |
وربعه الثاني فصحف ترى | نبتا بدا تلقاه قبل الأوان |
وما بقي منه بمقلوبه | وهو الذي معناه في الصدر بان |
بينه واكشف سر ما قد خفي | منه وحليه بعقد جمان |
لا زلت تسمو للعلا راقيا | إلى مقام دونه الفرقدان |
ما حل لغزا فاضل ذو ذكا | بدر ألفاظ وسحر البيان |
عهدي على أني المقيم بعهده | ولو أنه قد الفؤاد بقده |
بأبي وبي أفديه بدرا مشرقا | بدر السما أضحى لديه كعبده |
درى الثنايا تحت شفته بدا | خال توارى من تلهب خده |
أصلى الفؤاد بنار وجد أضرمت | لا تنطفي إلا بمرشف برده |
لي في هواه شواهد دلت على | تلفى برقة خصره وببنده |
لا أنتهي عن حبه لو قطعت | أحشاي من جور الغرام وصده |
هو بغيتي بل منيتي ومنيتي | وضلال قلبي فيه غاية رشده |
وتكللت وجنات من أحببته | عرقا ففاح المسك من نفحاتها |
وأتت عوارض حسنة تبدي لنا | قسما بروضة خده ونباتها |
من سيج ورد خده بالآس | حتى مرضي أعياه طب الآسى |
أقسمت عليك بالهوى يا أملي | دارك رمقي ولا تكن لي آسى |
يا أخا الوجد لو تعاين ما بي | كنت ترثى لحالتي وشجوني |
وجه حبى مع الظعائن سارا | فاتنالي وحاجب مقرون |
رب بدر سبي الأنام بحسن | وبقد كغصن بان تثنى |
قالت الشمس منذ لاح مضيئا | هو أرقى من نور وجهي وأسنى |
بالروح أفديه حبيبا غدا | ناء عن المضنى بلا ذنب |
من لحظه والقد لا تسألوا | ما منهما قد حل بالقلب |
دار البشائر الإسلامية / دار ابن حزم-ط 3( 1988) , ج: 4- ص: 74