السيد فتحي الدفتري
السيد فتحي الدفتري
دنا مثل بدر تم يبسم عن در | غزال ومنه الفرق كالكوكب الدري |
بقد كخوط البان رنحه الصبا | فأزرى اعتدالا بالمثقفة السمر |
أغن كأن الله أبدع حسنه | ليستلب الأرواح بالنظر الشزر |
شقى الله دهرا مر لي بوصاله | ولم يلو جيد الود عني إلى الهجر |
فكم بات يسقيني المدام عشية | ويمزجها من ريقه العاطر النشر |
إلى أن به شط المزار وقد محا | سطور الأماني بيننا حادث الدهر |
وسرت قلوب الحاسدين وطالما | لعبن بها أيد الدنو على الجمر |
إني أهنيك يا كهف الفضائل في | قدوم شهر صيام كان محترما |
لا زلت في نعمة فيه ترى أبدا | مثل الثريا يجمع الشمل منتظما |
إني أهنيك خدن الجود والكرم | وبدر أفق سماء المجد والنعم |
بخير مقدم صوم لا برحت به | في صحة لا نراك الدهر في سقم |
إني أعيذك بالرحمن من حسد | يا من تسربل بالأفضال والكرم |
حيث القلائد في شعر أتيت به | فالبحر لا غرو يلقى الدر في الظلم |
شبهت سوداء قلبي بالظلام إذا | والبحر ذاتك تهدي جوهر الكلم |
لا زلت ترفل يا مولاي في دعة | مشمولة ببقاء السعد والنعم |
قالوا توهم سيدي من خله | ألما لداع لا يفي بتألم |
فأجبتهم لا والذي رفع السما | ك على البرية لست بالمتألم |
أسليل من في الغار كان الصاحب | المختار للمختار خير مقدم |
أنا لست ممن شيب صفو وداده | بقذى تصور جفوة وتألم |
ومرآة اخلاصي لكم ما شأنها | كدر الظنون ولا غبار توهم |
وشريف قلبك شاهد عدل على | ما ادعى فأحكم بصدق وأسلم |
أيا زهرة الآداب يا نجل سادة | بهم حسنت أوصاف ذي الرأي والمجد |
لقد نلت ألطافا وحزت معارفا | وفهت بأبيات كما الدر في العقد |
فلا زلت تهدي السمع منا جواهرا | بلطف نظام فقت فيه أبا الورد |
ودمت مدى الأزمان ما ناح بلبل | وما زالت الأزهار مصبوغة البرد |
أمولاي يا ركن العالي ومن سما | محلا سما فوق السماكين بالجد |
ومن عنه يروى المجد كل فضيلة | إذا تليت لم تحصها ألسن الحمد |
ومن طوق الأعناق منا مكارما | كما قلد الأسماع من ذر ما يبدي |
إليك لقد أهديت يا أوحد الدنا | قلائد أبيات تفوق على العد |
وما أنت إلا البحر تهدي لآليا | منظمة كالزهر في فلك السعد |
فدم وابق يا فرد الزمان منعما | مدى الدهر ما غنى الهزار على الورد |
ويا بأبي حلو المراشف أغيدا | من الترك لم يترك لعاشقه صبرا |
نأى فاصطلى قلبي لهيب فراقه | وروض الأماني من لقاه غدا قفرا |
لا تغضبن لشيب منك حل على | مسك العذار فإن الشيب آثار |
أما ترى الغصن مذ لاحت أزاهره | زادت نضارة ذاك الغصن أنوار |
لا يرعك المشيب إن زاروهنا | فهو للمرء حلية ووقار |
إنما تحسن الرياض إذا ما | ضحكت في خلالها الأنوار |
لعمري إن الدهر خط بمفرقي | رسائل تدعو كل حي إلى البلى |
أرى نسخة للعمر سودها الصبا | وما بيضت بالشيب إلا لتنقلا |
ليل الشباب تولى | وصبح شيبي تألق |
ما الشيب الأغبار | من ركض عمري تعلق |
أهلا وسهلا بالمشيب فإنه | سمة العفيف وهيئة المتحرج |
وكأن شيبي نظم در زاهر | في تاج ملك ذي أغر متوج |
ولرب يوم صمته فكأنه | يوم المعاد وليس منه مهرب |
وقفت به شمس النهار ولم تغب | فكأنما قد سد عنها المغرب |
ولرب يوم طال لما صمته | فكأن يوم الحشر ضم لنا معه |
وكأن يوشع رد للدنيا وقد | ردت له شمس النهار الساطعة |
أو أنها رجعت لسيدنا سليمـ | ـان الذي كرت إليه راجعه |
حتى إذا صلى توقى قائما | حسبته حيا فاستمرت طالعه |
فردت علينا الشمس والليل راغم | بشمس لهم من جانب الخدر تطلع |
نضى ضوءها صبغ الدجنة وانطوى | لبهجتها ثوب السماء المجزع |
فوالله ما أدري أأحلام نائم | ألمت بنا أم كان في الركب يوشع |
أرى الشمس في الصوت تأبى المسير | إلى الليل تخشى الهجوم علية |
حكت فيه حسناء زفت إلى | خصى وبالكره سيقت إليه |
أرى الأيام في الافطار تمضي | كلمع البرق أو سقط الدراري |
وفي شهر الصيام تطول حتى | كان الليل ضم إلى النهار |
كان اليوم في الافطار طرف | يدور على الرحى صلب الأيادي |
ويمشي في الصيام على الهوينا | كأن أمامه شوك القتاد |
شهر الصيام مبارك | ما لم يكن في شهر آب |
الليل فيه لمحة | ونهاره يوم الحساب |
خفت العذاب فصمته | فوقعت في عين العذاب |
شهر الصيام وإن عظمت حرمته | شهر طويل ثقيل الظل والحركه |
يمشي الهوينا فأما حين يطلبنا | فلا السليك يدانيه ولا السلكه |
كأنه طالب ثأرا على فرس | أجد في أثر مطلوب على رمكه |
أذمة غير وقت منه أحمده | من العشاء إلى أن تصدح الديكه |
يا صدق من قال أيام مباركة | بأن يكنى عن اسم الطول بالبركه |
لو كان مولى وكنا كالعبيد له | لكان مولى بخيلا سئ الملكه |
شهر شريف به الخيرات مشتبكة | حتى على الناس فيه تنزل البركه |
من قال شهر ثقيل عنه فهو يرى | ذنوبه أثقلته فهو في اللبكه |
أو قال يمشي الهوينا قلت لا برحت | ايامه مكثرات في الورى نسكه |
بذمه جاهل في أسر شهوته | إلى الطعام وحب الأكل قد ملكه |
مصفد مثل شيطان تراه به | عن الغذاء ولولا الخوف ما تركه |
في جوعه النفع لو كان الخبيث درى | لكنه حيوان يكثر الحركة |
يشكو من الطول في أيامه سفها | وطول أيامه باللطف منسبكة |
يخشى الردى منه بل إن كان ما نطقت | أبياته فيه صدقا فهو في الهلكة |
بقيت ما دامت الأفلاك دائرة | تدير فينا شموس الراح في السحر |
ودم تقلد أسماعا لنا دررا | كما تلا الطرف منا سورة القمر |
وأغيد قد أمال السكر قامته | والليل محتبك بالأنجم الزهر |
دنا إلي وكأس الراح في يده | ممزوجة بلماه الطيب العطر |
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا | تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر |
وأغيد قد أمال السكر قامته | والغنج في طرقه يصمي مع الحور |
لم أنسه زائرا كالبدر حين بدا | والليل محتبك بالأنجم الزهر |
دنا إلي وكأس الراح في يده | تحكي تورد خديه من الخفر |
حيى بها كدموع العين صافية | ممزوجة بلماه الطيب العطر |
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا | تخش الملام فما في ذاك من حذر |
واشرب رحيق مدام ثم كن حذرا | تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر |
وأغيد قد أمال السكر قامته | ذي منطق قد غدا يفتر عن درر |
لم أنسه إذ أتى من غير موعده | والليل محتبك بالأنجم الزهر |
دنا إلي وكأس الراح في يده | مملؤة بحباب زاكي الأثر |
من بنت كرم زهت في دنها وأتت | ممزوجة بلماه الطيب العطر |
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا | تخشى ملامة ذاك الخائف الحذر |
خذها عقيقا ولا واش هناك ولا | تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر |
وأغيد قد أمال السكر قامته | وضرجت وجنتيه نهلة السكر |
فضاء شمسا على الآفاق مشرقة | والليل محتبك بالأنجم الزهر |
دنا إلي وكأس الراح في يده | ياقوتة رصعت من ناصع الدرر |
وأشرقت تزدهي زهوا وقد وردت | ممزوجة بلماه الطيب العطر |
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا | ترجو سواها لنيل القصد والوطر |
واستأصل التبر من كأس المجين ولا | تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر |
وأغيد قد أمال السكر قامته | كغصن بان ثنته نسمة السحر |
فلاح من وجهه فجر الفلاح لنا | والليل محتبك بالأنجم الزهر |
دنا إلي وكأس الراح في يده | نار ونور غدا في صفحة القمر |
أريجها نافح في ألحان إذ سطعت | ممزوجة بلماه الطيب العطر |
وقال خذ وارتشف ماء الحياة ولا | تقصد سواها لدفع الهم والضرر |
وانعش وجودك من صافي المدام ولا | تبقى للائمك اللاحي سوى الكدر |
ألا فانعم بهاتيك الليالي | مضت كالبرق أو طيف الخيال |
وأيام جنيت بها ثمارا | من الأفراح في روض الكمال |
رعا الله من عصر نقضي | به صفو المسرة كالزلال |
وإني الآن لو سرحت طرفي | لما قد مر يعثر بالمحال |
وإن يوما نصبت حبال فكري | لقنص الزهر من فلك المعالي |
تقطعت الجبال وكان صيدي | تناول أدمع تحكي اللآلي |
لم أنس ليلة ودعوا | صبا وساروا بالحمول |
والدمع من فرط الأسى | يجري فيعثر بالذبول |
لما رحلت عن الحبيب | وبنت عن تلك الربوع |
أيقنت إن القلب قد | ثارت به نار الولوع |
وحشاي قطع بالنوى | والشوق خيم بالضلوع |
والجفن كلم بالسها | د ولم يذق طعم الهجوع |
حتى لقد أمسيت أعثر | من شجوني بالدموع |
قمر أطعت به الغواية والهوى | وطويت عن غي الملام مسامعي |
ما راح يعثر في برود دلاله | إلا وعاد تعثري بمدامعي |
ومودع لا كان يوم وداعه | ولي وأودع نار قلب تسعر |
والطرف مثل الطرف يجري خلقه | لكنه بدموعه يتعثر |
أفديه بدرا بالمحاسن ساطعا | أبدا بدل جماله يتبختر |
ما رام طرفي نظرة من حسنه | إلا وراحت بالمدامع تعثر |
أفديه من ظبي أطال نفاره | جورا فعقلي في هواه محير |
ما زلت أطلب قربه فيزيدني | بعذابه قلب الشجي يتسعر |
وتتابعت فكري بطرق وصاله | حتى غدا بعض ببعض يعثر |
عاطيته والليل مد رواقه | والبدر من خلل الغصون يلوح |
صهباء صافية أرق من الصبا | منها شذا طيب العبير يفوح |
حتى إذا شق الظلام رداءه | والصبح كاد بما أسر يبوح |
ولي يميس معريدا أجفانه | عن فرقه ماء الحياة يزيح |
وذهبت أعثر في دموعي والها | متحيرا لم أدر اين ألوح |
دار البشائر الإسلامية / دار ابن حزم-ط 3( 1988) , ج: 3- ص: 279