عبد الرحمن الموصلي
عبد الرحمن الموصلي
ومن شعره قوله
عجزا لرقاة عن الحجي ورقائه | وكذا الأساة عن الأسى ودوائه |
ثكلتهم الأعشاب ويح كبادهم | لم يعلموا ما حل في سودائه |
حلوا المراكب العزائم واتركوا | كل يروح من ملا ببلائه |
ابني الصبابة والهوى من بعدنا | إني لكم هيهات من زرقائه |
ليس الهوى بسفاهة من كالح | مدعو الغرام ومنتدى عدوائه |
إن الصبابة واللطافة والحيا | علم عليه يدل من أسمائه |
فهي الأمانة انبأث عن فضل من | فتق العبير وخصه بردائه |
لئن كنت أسعى كل حين اليكم | وتوكسني الآمال عن حيكم غصبا |
فلي أسوة بالنجم للشرق سيره | مدا الدهر والأفلاك تهوي به الغريا |
أنحوكم ويرد وجهي القهقري | عنكم فسيرى مثل سير الكواكب |
فالقصد نحو المقصد الأسنى لكم | والسير رأى العين نحو المغرب |
سلبوا الغصون معاطفا وقدودا | وتقاسموا ورد الرياض خدودا |
طعنوا القلوب بما تلاشى دونه | طعن الرماح وسددوا تسديدا |
فتنوا الورى بلواحظ وتجاوزوا | بالفتك من نهب العقول حدودا |
تركوا الحلي شهامة واستبدلوا | حلل المحاسن والبهاء برودا |
فغدوا بها مستعبدين أولي النهى | مما يشيقك طارفا وتليدا |
نظموا الثنايا في المباسم لؤلؤا | تحت الزمرد والعقيق عقودا |
تخذوا البنفسج في الشقيق عوارضا | والياسمين معاطفا وزنودا |
بدلوا الخضور من الخناصر رقة | واستبدلوا حقق اللجين نهودا |
فهم الملوك الصائلون على الورى | وهم الظباء القائدون أسودا |
نظروا إلى الجوزاء دون محلهم | فغدوا على هام السماك قعودا |
من كل من جعل الدجى فرعا له | والبدر وجها والصباح الجيدا |
ريان من ماء النعيم إذا بدا | خرت له زهر النجوم سجودا |
كالماء جسما غير إن فؤاده | أضحى على أهل الهوى جلمودا |
تزداد من فرط الحياء خدوده | عند استماع تأوهي توريدا |
لو أبصروا النصاح فائق حسنه | عذلوا العذول وجابوا التفنيدا |
أو لو رآه راهب من بيعة | ألقى الصليب ولازم التوحيدا |
كم ذا تذكرني العقيق خدوده | والطرف حاجر والعذار زرودا |
وإذا بدا متلفتا من عجبه | بالجيدا ذكرني طلاه الغيدا |
ما الظبي أحسن لفتة من جيده | عند النفار وإن أقام شهودا |
يحمي اللمى والخد عقرب صدغه | عن وارد أو من يروم ورودا |
قد رق منه الخصر حتى خلته | عند اهتزاز قوامه مفقودا |
ما خلقه الا النسيم السري | بين الرياض وإن أطال صدودا |
غصبوا الصباح فقسموه خدودا | وتناهبوا قضب الأراك قدودا |
وتظافروا بظفائر أبدت لنا | ضوء النهار بليلها معقودا |
صاغو الثغور من الأقاح وبينها | ماء الحياة قد اغتدى مورودا |
وراوا حصى الياقوت دون نحورهم | فتقلد وأشهب النجوم عقودا |
واستودعوا حدق المها أجفانهم | فسوا بهن ضراغما واسودا |
لم يكفهم خد الأسنة والقنا | حتى استعاروا أعينا ونهودا |
كف هذا النهد عني | فبقلبي منه جرح |
وهو في صدرك نهد | وهو في صدري رمح |
وقدود كأنهن رماح | قد علتها أسنة من نهود |
هم يحسبون دموع العين مذ عطفوا | هي الدموع التي يوم النوى ترد |
وانما هي نصل حل في كبدي | من نبل جفن ولم يشعر به أحد |
فانحل ماء وقد أمسى يقطره | من اللهيب دموعا ذلك الكبد |
أما وبياض الدر من ذلك الثغر | وما فيه من خمر وناهيك من خمر |
أمانا وما بالطرف من كل صارم | يجول بأجفان ملئن من السحر |
يصول به في الناس ألطف شادن | بقلب على العشاق أقسى من الصخر |
أسأل عذارا فوق خد كأنه | سلاسل مسك في صحاف من التبر |
والا فنمل دب فوق شقائق | مبلل أطراف الأنامل بالحبر |
بعيد مناط القرظ أشهى لمعسر | إذا ماس تيها بالدلال من اليسر |
وأحلى من الماء الزلال على الظما | وأوقع معنى في النفوس من النصر |
يكاد من القمصان أولا وشاحه | إذا فكت الأزرار من لطفه يجري |
فكم ثم دون لجيد منه مآرب | من الخصر تدعو العاشقين إلى النحر |
ومذ خبروني إن كوكب خده | يقارنه المريخ أيقنت بالشر |
ركبت هواه بكرة العمر راكبا | مطايا شبابي وارتياحي مع الهجر |
فأشفقت منه في الظهيرة راجلا | يريني نجوم الأفق في ظلمة الفجر |
متى قلت هذا الصدغ أبدى عقاربا | وإن رمت أجني الورد أحماه بالجمر |
وإن ملت نحو الثغر قالت عيونه | يزيدك هذا الخمر سكرا على سكر |
قريب مرام النفس لطفا وإنه | لأعلى منالا في الأنام من البدر |
ترقى به شعري فعز مناله | وأمسى كعقد الدر يزهو على الصدر |
لئن جادت الأيام يوما بوصله | يمينا فإني قد صفحت عن الدهر |
أوحى لوجنته العذار فما | أبقى على ورعي ولا نسكي |
وكأن نملا قد دببن بها | غمست أكارعهن في مسك |
كأن عذاريه اللذين تراسلا | هلالان من مسك وبينهما بدر |
منمنمة فوق الخدود كأنما | مشى فوقها نمل بأرجه حبر |
أنبت عذار أم شقائق روضة | مشى فوقها نمل بأرجه حبر |
أم العنبر المفتوت من فوق وجنة | أسالته نار الخد فانبهم الأمر |
فحيا عذارا أذهل الصب مذ بدا | وإن ضل فيه العقل واختلط الفكر |
يتيه به لدن القوام مهفهف | لخ في اختلاس العقل من حسنه غدر |
هلال إذا ما قلت أمسى جبينه | صدقت ولكن دون طلعته البدر |
تعلم منه الظبي لفتة جيده | ومن طرفه الوسنان يستنبط السحر |
متى صافحت سمعي مدامة لفظه | ترى كل عضو في داخله السكر |
يمازج ألفاظ البلاغة صوته | فيبدو لنا درا في ضمنه خمر |
وتشكو ارتجاج القرط صفية جيده | كما بات يشكو من غدائره الخصر |
يخبر عن كأس المنون بصده | ويقتلني منه إذا هجر الهجر |
به غزلي أضحى وفيه مدائحي | ومني لمعنى حسنه النظم والنثر |
أخشى التماس يديه من ترف به | وأظنه لولا الغلائل سالا |
قد صاد قلبي وصار يملكه | فكيف أسلو وكيف أتركه |
رطيب بسم كالماء تحسبه | يسلك في القلب منه مسلكه |
يكاد يجري من القميص من | النعمة لولا الوشاح يمسكه |
إني أرى والطرف في سيري | وضح النهار وعالي النجم |
أمولاي أشكو اليك الخمار | وما فعلت بي كؤوس العقار |
وجور السقاة التي لم تزل | تريني الكواكب وسط النهار |
بابي أهيف تبدي وحيا | بابتسام عدمت منه اصطباري |
فأراني بوجهه ومحيا | ه نجوما طلعن وسط النهار |
أتى يوم بدر وهو بدر تحفه | نجوم سماء أطلعتها كتائبه |
فمذ يرزوا في النقع شاهدت العدا | بهم يوم بؤس لا تغيب كواكبه |
دعيني فلا والله ما يكشف البلوى | سوى من لهذا الخلق من نطفة سوى |
فلا تقرعي بابا سوى باب فضله | ولا تظهري يوما إلى غيره شكوى |
ولا تجنحي للغير في كشف حادث | فغير جناب الله لا يدفع الاسوا |
ولا تهرعي الا إليه إذا جفا | سحاب قافي غير ألطافه رجوى |
ولا تسأمي من مر عيش وسالمي | إلي من بعيد بعيد من فضله حلوا |
آله تعالى لا نقوم بحمده | ولا أحد منا على شكره يقوى |
يقلبنا في الخلق سابق حكمه | علينا بما تأبى النفوس وما تهوى |
تبارك منشئ الخلق من صلب آدم | ضروبا فذ وفقر مهان وذو جدوى |
فهذا ندا الأيسار أبرد عيشه | وهذا بنار الفقر أحشاؤه تكوى |
وهذا تراه في المساجد راكعا | وهذا يعاني اللهو في حانة القهوا |
وهذا الدرس العلم أصبح طالبا | وهذا يروم اللهو في الروض والزهوا |
شؤون قضاها الله قدما على الورى | وآدم لم يخلق هناك ولا حوى |
دعني من التدبير فالأمر كله | تدبر من قبل الوجود ولا غروا |
إذا كان أمر الله في الخلق سابقا | فتدبيرنا فيه هو الخبط في عشوا |
خضبوا الخدود ورصعوها الانجما | واستخدموا لركابهم بدر السما |
شربوا الشموس فأظهرت بوجوههم | شفقا ألم على الصباح مخيما |
وتروا القسي حواجبا وتعمدوا | كسر الجفون وفوقوها أسهما |
عقلوا الحجى بذوائب من عنبر | جذبوا القلوب وأوردوها بعدما |
بذلو العوالي بالقدود وأثخنوا | فيها جراحا ظافرين العلقما |
نصروا البعاد على الوصاف كأنهم | نظروا الممات على الحياة مقدما |
اتبعت طرفي ذا نواس منهم | طمع التداني عامدا فتبسما |
ملك تبدى راكبا في موكب | رحل التصبر عن فؤادي عندما |
نبت العذار بخده فكأنه | مسك به أمسى النضار موسما |
لم يكفه صل الذوائب مرسلا | حتى أدار على الشقيق الأرقما |
وتطفلت تحكيه لما إن بدا | شمس النهار فصدها وجه الدمى |
صدع الشروق لثامها فتقهقرت | نحو الغروب مخافة إن ترجما |
قد راح يلوي الجيد عني معرضا | والجفن يهطل من نواه العندما |
أوقفت ذلي والخضوع بموقف | ترك الأسود لحره تشكو الظما |
وطفقت أجذب ذيل نسكي خاشعا | نحو العفاف صيانة فتبرما |
أواه مما حل بي من شادن | أحنى الضلوع ورض مني الأعظما |
مولاي رفقا بالفؤاد فإنه | لو كان رضوي في يديك تهدما |
لا تلوعني بالصدود معاطفا | لطفا أجل من الحياة وأعظما |
ومالي أرى الأيام تنكر صحبتي | وترمقني شزرا بطرف مريع |
كأني واياها صحاف تضمنت | مديح أبي بكر يقلبها شيعي |
تأملت في خديه تحت عذاره | صحائف بيضا ما سناها بغائب |
وإني من هذا أولئك ناظر | بياض العطايا في سواد المطالب |
يا أحكم الناس أسيافا وأسبقهم | في مهجة الصب فتكادونه الأجل |
وأنور الوجه في الديجور من قمر | تحت الأكاليل مسبول ومنسدل |
ما السحر ألعب في الألباب من حدق | دار الشمول بها من طرفك الكحل |
كلا ولا البرق للأبصار أخطف من | شقائق الحدان وافى بك الخجل |
من نظم ثغرك وهو الدر مبتسم | خمر يزيدك فيه الشهد والعسل |
في فترة الحسن من لحظيك قد فتكت | بواتر الطرف أم من قدك الأسل |
ومذ تمادت بنا الآجال واختلفت | عقائد القوم من للحب قد جهلوا |
جاءت تجدد أحكاما لدولته | في ملة العشق من أصداغك الرسل |
لم يدر ما الصحو مذ بانت ركائبكم | صريع جفن لأرباب الهوى ثمل |
استودع الله قلبا سار مرتحلا | بالخرد الغيد ما ذا السهل والجبل |
يا اقتل الناس ألحاظا وأعذبهم | ريقا متى كان فيك الصاب والعسل |
في صحن خدك وهي الشمس مشرقة | ورد يزيدك فيه الراح والخجل |
ايمان حبك في قلبي يجدده | من خدك الكتب أو من لحظك الرسل |
إن كنت تنكر إني عبد دولتكم | مرني بما شئت آتيه وأمتثل |
لو أطلعت على قلبي وجدت به | من فعل عينيك جرحا ليس يندمل |
ورد العذار مياه حسن خدوده | ورأى نعيما خالدا فأقاما |
وتلا عليه خاله من جيده | إني اتخذتك للجمال اماما |
عوضت عن قبلة إذ راح يشبهها | خفوق قلب شجاني أنت قبلته |
لا يستقر مدا الساعات منزعجا | ولا لغيرك لم يعهد تلفته |
ومذ حكاها ولم تحكيه ملتفتا | اليك وجهتها كيما تشابهه |
وليس لعير الشيخ إذ مر معجبا | وقوفي توقيرا لرفعة شأنه |
ولكنني أخشى يمزق شوكه | ثيابي ولم أشعر لسلب عنانه |
أسامر عشقا من خلائقه القتل | وحيدا ولا وعد هناك ولا مطل |
وأصبح ظمآنا وقد عقر الظمأ | فؤادي ولا وبل يبل ولا طل |
وكم أخصبت سحب الأماني مطامعي | مجازا ويوميها من الوابل المحل |
ورب عذول فيه أشقى مسامعي | بعذل فيالله ما صنع العذل |
أقول له والطرف يقذف مهجتي | دموعا لها من كل ناحية هطل |
وبي من غرام لو تجسم بعضه | ومر بأهل الأرض لأفتتن الكل |
ترقى إلى قلبي بكل دقيقه | جميع هوى العشاق وانقطع الحبل |
دار البشائر الإسلامية / دار ابن حزم-ط 3( 1988) , ج: 2- ص: 259