الأديب أبو جعفر بن النبي رحمه الله تعالى

الأديب أبو جعفر بن النبي رحمه الله تعالى

التراجم

الأديب أبو جعفر بن النبي رحمه الله تعالى مطبوع النظم نبيله، واضح نهجه الإجادة وسبيله، ويضرب في علم الطب بنصيب، وسهم يخطئ أكثر مما يصيب، وكان أليف غلمان، وحليف كفر لا إيمان، ما نطق متسرعا، ولا رمق متورعا، ولا أعتقد حشرا، ولا صدق بعثا ولا نشرا، وربما تنسك مجونا وفتكا، وتمسك باسم التقى وقد هتكه هتكا، لا يبالي كيف ذهب، ولا بما تمذهب، وكانت له أهاج جرح فيها صابا، ودرع منها أو صابا، وقد أثبت له ما يرتشف ريقا، ويلتحف به الأوان شروقا، فمن ذلك قوله يتغزل: [كامل]
وله: [رمل مجزوء]
وكنت بميورقه فدخلها متسما بالعبادة، وهو أسرى إلى الفجور من خيال أبي عبادة، قد لبس أسمالا، وأنس الناس منه أقوالا لا أعمالا، وسجوده هجود، وإقراره بالله جحود، وكانت له بسواحلها رابطة كان بلوازمها مرتبطا، ولسكناها مغتبطا، سماها بالعقيق وسمى إلا جواه، ولا يشوقه إلا هواه، فدخلت عليه يوما لا زوره، وأرى زوره، فإذا أنا بأحد دعاة محبوبه، ورواة تشبيبه، فقال له كنت البارحة مع فلان بحماه، وذكر له خبرا ورى عنه وعماه، فقال مرتجلا: [وافر]
ولما تقرر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرر، وتردد على سمعه انتهاكه وتكرر، أخرجه ونفاه، وطمس رسم فسوقه وعفاه، فأقلع إلى الشرق وهو جار، فلما صار من ميورقة على ثلثة مجار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، وردته إلى فقد مهجته، فلما لحق بميورقة أراد ناصر الدولة أباحته، وإبراء الدين منه وأراحته، ثم أثر صفحة، أخمد لهيب ذلك الحنق ولفحه، وأقام اياما ينتظر ريحا تزجيه، ويستهديها لتخلصه وتنجيه، وفي أثناء تلويه لم يتجاسر أحد من إخوانه على أتيانه، وجعلوا أثره كعيانه، فقال يخاطبهم: وافر
وله يتغزل: وافر
وله في القاضي عبد الحق بن الملجوم: [بسيط]
وله فيه أيضا: [بسيط]
عاج للأمير أبي بكر حمامة، واستسر فيها تمامه، فأجنة الثرى، وحاز منه بدر دجنة وليث شرى، فعطلت الدنيا من علاء وجود، وأطلت عليها بفقده حوادث أجدبت تهائمها والنجود، وفيه يقول يرثيه بما يسيل الفؤاد نجيعا، ويبيت به الأسى لسامعه ضجيعا، [خفيف]
وكثيرا ما يغير هذا الرجل على معاني الشعراء، وينبذ الاحتشام من ذلك بالعراء، ويأخذها من أربابها أخذ غاصب، ويعوضهم منها كل هم ناصب، وهذا مما أطال به كمد أبي العلاء وغمه، فإنه من قوله يرثي أمه: [وافر]
ومما تخلص فيه، واخترع كثيرا من معانيه، قوله يندبه ويرثيه: [منسرح]
ولما أمكنت العدو بموته الفرصة، وارتفعت عنه الغصة، وزالت التقيه، واشتاق لملك البقية، سرى إلى سرقسطة سرى قيس لأهل الهباءة، وأسرع نحوها إسراع الحمام إلى التابي من حر الإباءة، وأقام عليها يمحور رونقها، ولا يالو استسلابا رمقها، حتى أعادها كالنظم الواهي النثير، ويويبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير، وما زال يورث أهلها كل هم كامل ويجدد كل كامن دخيل، ويغير جنات ممن أعناب وزرع ونخيل، حتى أصبحت كالصريم، وراح الفساد فيها لا يريم، فطاع له أهلها بحكم القسر، ورأوا الذمة أجدى من الغل والأسر، فملك منها معقلا يوم العقول، ويوهن وقع الصارم المصقول، وحين استباحها، وأدجى فجرها وصباحها، بحث عن قبر الأمير أبي بكر فمي عليه موضعه، وحمي منه بالإنكار مضجعه، فدل عليه أحد المرتسمين بخدمته، المتسمين بنعمته، وأثار منه طود مجد وبحر ندى، وأعراه من ثراه بعد ما التحف بإحسانه وارتدى: [طويل]
فأخرجه من مدفنه، وأبرزه من كفنه، وعاث في تلك الأشلا، ومزق منها ما قصرت عنه يد البلى، سيرة من أقبح السير، تنكرها نفوس الغير، وفي ذلك يقول: [خفيف مجزوء]
وله في ذلك: [مديد]
ولابن خفاجة في مثل ذلك: [مديد]
ولما فاتت سرقسطة من يد الإسلام، وباتت نفوس المسلمين فرقا منها في يد الاستسلام، ارتاب بقبح أفعاله، وبرئ من احتذائه بتلك الآراء وانتعاله، وأخافه ذنبه، ونبا عن مضجع الأمن جنبه، فكر إلى المغرب ليتوارى في نواحيه، ولا يتراءى لعين لائمه ولاحيه، فلما وصل شاطبة حضرة الأمير لأجل أبي إسحق ابراهيم بم يوسف بن تاشفين وجد باب نفاذه وهو مبهم، وعاقه عنه شيحان مدلول عليه ملهم، ناهيك من ملك سري، وليث جري، تبتهر العلياء بسجاياه، وتتأرج الدنيا بعبق مجده ورياه، فاعتقله اعتقالا شفى الدين من آلامه، وشهدله بعقيدة إسلامه، وفي ذلك يقول، وهو معقول، يصرح بمذهبه الفاسد، وغرضه المستأسد: [كامل]
ولما خلص من تلك الحبالة ونجا، وأنار من سلامته ما كان دجا، احتال في إعفاء ماله، واستيفاء آماله، فأظهر الوفاء للأمير أبي بكر بالرثاء له والتابين، دهيه في ذلك واضح مستبين، فإنه وصل بهذه النزعة من الحماية إلى حرم، وحصل في ذمة ذلك الكرم، واشتمل بالرعي، وأمن من كل سعي، فاقتنى قينات ولقنهن الأعاريض، من القريض، وركب عليها ألحانا أشجى من النوح، ولطف بها إلى إشادة الإعلان باللوعة والبوح، فسلك بها أبدع مسلك، واطلعها نيرات ما لها غير القلوب من فلك، فمن ذلك قوله: [منسرح]
وكقوله: [طويل]
ومن قلة عقله ونزارته، أنه في مدة وزارته، سفر بين الأمير أبي بكر وبين عماد الدولة ابن هود بعد سعايات عليه أسلفها، وذخائر كانت له على يديه أتلفها، فوافاه لأوغر ما كان عليه صدره، وأصغر ما كان عنك قدره، فآل به ذلك الانتقال: إلى الاعتقال: فأقام فيه شهورا يغازله الحمام بمقلة شوهاء، وتنازله الأوهام بفطرته الورهاء، وفي ذلك يقول بخاطب ذا الوزارتين أبا جعفر يزيد بن مجاهد: [وافر]
وعزم عماد الدولة يوما على قتله، وألزم المرقبين به التحيل في ختله فنمي إليه ذلك الأمر الوعر، وارتمى في لجج الباس والذعر، فقال: [طويل]
ثم قضي له قدر قضى بأنظاره، وما أمضى من إباحته ما كان رهين انتظاره، ويمهل الكافر حكمه من الله وعلما، وإنما نملي لهم ليزدادوا إثما، ثم القسم الرابع من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان، وبتمامه تم جميع الديوان، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد رسوله وعبده، انتهى طبعه على يد المعتني بتصحيحه فقير ربه عبده سليمان الحرائري عفي عنه أمين غرة ذي الحجة الحرام عام سبعة وسبعين ومائتين وألف.
  • مكتبة المنار - الأردن-ط 1( 1989) , ج: 1- ص: 295

Men
الولادة
غير متوفر
الوفاة
غير متوفر
العصر
التصنيف
رجال