الوزير الكاتب أبو الفضل بن حسداي سابق فبرز، وأحرز من البلاغة ما أحرز وجرى في ميدانها إلى أبعد أمد، وبنى أغراضها بالصفاح والعمد، فغبر وجوه سوابقها، وظهر أما وجيهها ولاحقها، إذا كتب انتسب إليه السحر اصح انتساب، ونسق المعجزات نسق حساب، ورأى البدائع بيض الوجوه كريمة الأحساب، وقد كانت المذمة تقعده عن مراتب أكفائه، وتجد في ظموس رسمه وعفائه، وتصرفه تصريف المهيض وتقعده في ذلك الحضيض، حتى ألحقه الله باقرانه، واقاله من متجر خسرانه، فتطهر من تلك السمة، واستظهر بعقيدته التي قيدت في ديوان الحق مرتسمة، وبدت محاسنه سافرة القناع، كافرة بذلك الدين الذي عدل بها من الإقناع، وقد أثبت له من ذلك مالا يرجى له لحاق، ولا يغشي تمامه محاق، فمنها هذه القطعة التي أطلعها نيرة، وترك الأباب بها متحيرة، في يوم كان عند المقتدر بالله مع علية، قد اتخذوا المجد حلية، والأمل قد سفر لهم عن محياة، وعبق لهم رياه، فصافحه الكل منهم وحياه، وشمس الراح، دائرة على فلك الراح، والملك ينشر فضله، وينثر وأبله وطله، يسدي العلاء، ويهب الغنا والغناء، فصدحت الغواني، وأفصحت المثالث والمثاني، بما استنزل من موقف الوقار، وسرى في النفوس مسرى العقار. بسيط
توريد خدك للأحداق لذات | عليه من عنبر الأصداغ لامات |
نيران هجرك للعشاق نار لظى | لكن وصلك أن واصلت جنات |
كأنما الراح والراحات تحملها | بدور تم وأيدي الشرب هالات |
حشاشة ما تركنا الماء يقتلها | إلا لتحيا بها منا حشاشات |
قد كان في كاسها من قبلها ثقل | فخف إذ ملئت منها الزجاجات |
عهد للبني تقاضته الأمانات | بانت وما قضيت منها لبانات |
يدني التوهم للمشتاق منتزحا | من الأمور وفي الأوهام راحات |
تقضى عدات إذا عاد الكرى وإذا | هب النسيم فقد تهدى تحيات |
زور يعلل قلب المستهام به | دهرا وقد بقيت في النفس حاجات |
لعل عتب الليالي أن يعود إلى | عتبي فتبلغ أوطار ولذات |
حتى نفوز بما جاد الخيال به | فربما صدقت تلك المنامات |
ولما أعرس المستعين بالله ببنت الوزير الأجل أبي بكر عبد العزيز احتفل أبوه المؤتمن بالله في احتفالا شهره، وأبدع فيه أبداعا راق من حضره وبهره، فإنه أحضر فيه لآلات المبتدعة، والأدوات المخترعة، ما بهر الألباب، وقطع دون معرفتها الأسباب، واستدعى إليه جميع أعيان الأندلس من دان وقاص، ومطيع وعاص، فأتوه مسرعين ولبوه متبرعين، وكان مدير تلك الأراغة ومدبرها، ومشي مخاطباتها ومحبرها، الوزير الكاتب أبو الفضل وصدرت عنه في ذلك الوقت كتب ظهر أعجازها، وبهر أقتضابها وإيجازها، فمن ذلك ما خاطب به صاحب المظالم أبا عبد الرحمن بن طاهر، محلك أعزك الله في طي الجوانح ثابت وأن نزحت الدار، وعيانك في أحناء الضلوع باد وأن شحط المزار، فالنفس فائزه منك بتمثيل الخاطر بأوفر الحظ، والعين نازعة إلى أن تمتع من لقائك بظفر اللحظ، فلا عائدة أسبغ بردا، ولا موهبة أسوغ وردا، من تفضلك بالحقوق إلى مانس يتم بمشاهدتك التام، ويتصل، بمحاضرتك انتظامه، ولك فضل الإجمال، بالأمتاع من ذلك بأعظم الآمال، وأنا أعزك الله على شرف سوددك حاكم، وعلى مشرع سنانك حائم، وحسبي ما تتحققه من نزاعي وتشوقي، وتتقنه من تطلعي وتتوقي، وقد تمكن الارتياح، باستحكام الثقة، واعتراض الانتزاح، بارتقاب الصلة، وأنت وصل الله سعدك بسماحة شيمك، وبارع كرمك تنشئ للموانسة عهدا، وتوري بالمكارمة زندا، وتقتضي بالمشاركة شكرا حافلا وحمدا، لازلت مهنئا بالسعود المقتبلة، مسوغا اجتلاء غرر الأماني المتهللة، بمنه، وله مراجعا للوزير أبي محمد بن سفيان بقطعة منها: كامل
قابلت بالعتبى كتابك حافظا | للعهد حفظ العين بالأجفان |
وبسطت أوضح من زياد عذرة | لو لم تكن أقسى من النعمان |
أسقيك عذبا باردا وسقيتني | إذ جاش حميك من حميم أن |
أعضبت جهلا أن نسبت إلى الصبا | فأفرح فإنك منه في ريعان |
وركب المستعين بالله يوما نهر سرقسطة يريد طراد لذته، وارتياد نزهته، وافتقاد أحد حصونه المنتظمة بلبته، واجتمع له من أصحابه، من أختصه لاستحابه، وفيهم أبو الفضل مشاهدا لأنفراجهم، سالكا لمناهجهم، والمستعين قد أحضر من آلات أيناسه، وأظهر من أنواع ذلك وأجناسه، ما راق من حضر، وفاق حسنه الروض الأنضر، والزوارق قد حفت به، والتفت بجوانبه، ونغمات الأوتار تحبس السائر عن عدوه، وتخرس الطائر المفصح بشدوه، والسمك تثيرها المكائد، وتغوص إليها المصائد، فتبرزها للعين، قبضان در وسبائك لجين، والراح لا يطمس لها لمع، ولا يجنس منه بصر ولا سمع، والدهر قد غضت صروفه، واقتض من منكره معروفه، قال: بسيط
لله يوم أنيق واضح الغرر | مفضض مذهب الأصال والبكر |
كإنما الدهر لما ساء أعتبنا | فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر |
نسير في زروق حف السفين به | من جانبيه بمنظوم ومنتثر |
مد الشراع به نشرا على ملك | بد الأوائل في أيامه الآخر |
هو الإمام الهمام المستعين حوى | علياء مؤتمن عن هدي مقتدر |
تحوي السفينة منه أية عجبا | بحر تجمع حتى صار في نهر |
تثار من قعره النينان مصعدة | صيدا كما ظفر الغواص بالدرر |
وللندامى به عب ومرتشف | كالريق يعذب في ورد وفي صدر |
والشرب في ود مولى خلقه زهر | يذكو وغرته أبهى من القمر |